سرية تامة وتهديد بالقضاء.. كيف تهدد صفقة ترامب ميزانية هيئة الصحة البريطانية NHS وأسعار الأدوية؟
تواجه الحكومة البريطانية تهديدًا باللجوء إلى القضاء؛ بسبب اتفاق دوائي مثير للجدل أبرمته مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وسط اتهامات بأن الصفقة قد تؤدي إلى رفع أسعار الأدوية على هيئة الخدمة الصحية الوطنية (NHS) وتقويض استقلال الجهة المسؤولة عن تقييم تكلفة العلاجات في بريطانيا.
وتقول منظمات صحية وحقوقية: إن الحكومة منحت الوزراء صلاحيات قد تسمح لهم بتجاوز التقييمات المستقلة المتعلقة بأسعار بعض الأدوية، في خطوة وُصفت بأنها “استيلاء غير قانوني على السلطة”.
ما جوهر الخلاف؟
تتركز الأزمة حول تعديل قانوني دخل حيز التنفيذ الشهر الماضي، يمنح وزير الصحة البريطاني صلاحيات أوسع للتدخل في قرارات “المعهد الوطني للصحة وجودة الرعاية -نايس-” (National Institute for Health and Care Excellence – NICE).
ويُعد “نايس” الجهة المستقلة التي تحدد ما إذا كانت الأدوية الجديدة تستحق أن يدفع “NHS” تكلفتها، بناءً على فعاليتها الطبية وسعرها مقارنة بالفائدة التي تقدمها للمرضى.
لكن منتقدي الاتفاق يخشون أن يؤدي التعديل الجديد إلى إضعاف استقلالية المعهد والسماح بتمرير أدوية باهظة الثمن تحت ضغوط سياسية أو تجارية.
لماذا يرتبط الأمر بترامب؟
بحسَب تقرير نشرته صحيفة “الجارديان” (The Guardian)، فإن هذه التغييرات تُعد جزءًا من اتفاق دوائي أوسع بين لندن وإدارة ترامب أُعلن في ديسمبر/كانون الأول الماضي.
وتقول الحكومة: إن الاتفاق يسعى إلى:
• تسهيل وصول المرضى البريطانيين إلى أدوية مبتكرة
• والحفاظ على إعفاء صادرات الأدوية البريطانية إلى الولايات المتحدة من الرسوم الجمركية لثلاث سنوات
لكن المنتقدين يرون أن الاتفاق قد يمنح شركات الأدوية الأمريكية نفوذًا أكبر داخل النظام الصحي البريطاني، بما يرفع تكلفة العلاجات على “NHS”.
تهديد باللجوء إلى القضاء
أرسلت منظمتا “غلوبال جاستس ناو -العدالة العالمية الآن-” (Global Justice Now) و”جاست تريتمنت -علاج فقط-” (Just Treatment) رسالة قانونية إلى وزارة الصحة البريطانية، حذرتا فيها من احتمال التقدم بطلب مراجعة قضائية أمام المحكمة العليا إذا لم تتراجع الحكومة عن التعديل القانوني الجديد.
وقالت المنظمتان: إن الحكومة استخدمت “تشريعًا ثانويًّا” لتمرير التغييرات دون نقاش برلماني كافٍ، رغم أن الخطوة تمس واحدة من أكثر المؤسسات الصحية البريطانية استقلالية وتأثيرًا.
“مقامرة بصحة المرضى”
قال نيك ديردن، مدير منظمة “غلوبال جاستس ناو”: إن الحكومة “تقامر بحياة مرضى NHS ضمن لعبة جيوسياسية مع دونالد ترامب”.
وأضاف: “الحكومة تخاطر بتقويض الآلية التي طورتها بريطانيا بعناية للحد من الأسعار المبالغ فيها لشركات الأدوية الكبرى”.
كما انتقد ما وصفه بغياب الشفافية، مشيرًا إلى أن الحكومة لم تُجرِ نقاشًا برلمانيًّا موسّعًا بشأن الاتفاق.
اتهامات بالسرية وغياب الشفافية
أثارت الصفقة أيضًا قلق عدد من النواب من أحزاب مختلفة، بينهم نواب من حزب العمال، بسبب ما وصفوه بـ”السرية” المحيطة بالاتفاق.
وبحسَب التقرير، رفضت الحكومة:
• نشر التقييم الكامل لتأثير الصفقة على ميزانية NHS
• تقديم تفاصيل كافية للبرلمان
• أو تخصيص نقاش موسع داخل مجلس العموم بشأن الاتفاق
وقال ديارميد ماكدونالد، مدير “جاست تريتمنت”: “الحكومة رفضت نشر تقييماتها الخاصة لحجم الضرر الذي قد تسببه الصفقة لـNHS”.
وأضاف: “نعتقد أن الطريقة التي اتُّبعت لتمرير هذه التغييرات غير قانونية، ونحن مستعدون للذهاب إلى المحكمة دفاعًا عن المرضى والديمقراطية”.
الحكومة تنفي المساس باستقلال “نايس”
من جهتها نفت وزارة الصحة البريطانية أن تكون التعديلات الجديدة تسمح للوزراء بالتحكم في قرارات “نايس”.
وقالت الوزارة: إن استقلال المعهد “سيظل محميًّا بالكامل”، مؤكدة أن “نايس” سيواصل إصدار توصياته “بعيدًا عن أي تدخل سياسي”.
وأضافت الحكومة أن الهدف من التغييرات تسهيل وصول المرضى إلى “علاجات مبتكرة ومنقذة للحياة”، مشيرة إلى الموافقة مؤخرًا على علاج جديد لسرطان الدماغ يمكن استخدامه للأطفال من سن الـ12.
معركة تتجاوز أسعار الأدوية
لا يبدو الجدل الحالي مجرد خلاف تقني بشأن آلية تقييم الأدوية، بل جزء من نقاش أوسع داخل بريطانيا بشأن مستقبل هيئة الخدمة الصحية الوطنية، وحدود تدخل السياسة والاتفاقات التجارية في القرارات الطبية.
فبالنسبة للمنتقدين، تكمن خطورة القضية في أن أي تراجع في استقلال “نايس” قد يفتح الباب مستقبلاً أمام ضغوط سياسية وتجارية أكبر على نظام صحي بُني أصلًا على فكرة تقديم العلاج وفق الحاجة الطبية لا وفق النفوذ أو القدرة على الدفع.
المصدر: الجارديان
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇