من العصر الفيكتوري إلى صيف 2026.. أزمة قديمة تعود لشوارع لندن مجددًا
كشف صيف استثنائي من الحر والجفاف في لندن عن مشكلة تختبئ عادة تحت أقدام سكانها؛ إذ بدأت روائح قوية تتصاعد من فتحات التصريف في مناطق مختلفة من العاصمة، في ظاهرة أعادت إلى الذاكرة أزمة شهيرة غيّرت وجه المدينة قبل أكثر من قرن ونصف.
لكن القصة لا تتعلق بالروائح وحدها. فخبراء يقولون إن ما يحدث يكشف جانبًا من الضغوط التي تتعرض لها شبكة صُمم أساسها في العصر الفيكتوري، في وقت تواجه فيه لندن صيفًا أكثر حرارة وجفافًا من جهة، وأمطارًا أكثر كثافة عندما تهطل من جهة أخرى.
وأفادت صحيفة الغارديان بأن سكانًا وناشطين لاحظوا المشكلة قبل أسابيع، ولا سيما بالقرب من فتحات تصريف مياه الأمطار، في حين يربط خبراء استمرارها بطول فترة الجفاف وارتفاع درجات الحرارة.
ماذا يحدث تحت شوارع لندن؟
في الظروف المعتادة، تساعد الأمطار والمياه المتدفقة داخل شبكة الصرف على دفع المواد العضوية نحو محطات المعالجة.
لكن عندما تقل الأمطار لفترة طويلة، تتباطأ حركة المياه، وتبقى المواد داخل الأنابيب مدة أطول، فتستمر عملية تحللها هناك بدل وصولها سريعًا إلى محطات المعالجة. وتزيد درجات الحرارة المرتفعة سرعة نشاط الكائنات الدقيقة المسؤولة عن التحلل.
وشبّهت أستاذة هندسة الصحة العامة في جامعة ليدز باربرا إيفانز شبكة الصرف بـ«أمعاء عملاقة»، موضحة أن الميكروبات تواصل تفكيك المواد العضوية وإطلاق مجموعة من الغازات خلال العملية.
ومن بينها الميثان وكبريتيد الهيدروجين، المسؤول عن الرائحة التي تشبه البيض الفاسد.
ويرى سيمون كلارك، أستاذ علم الأحياء الدقيقة الخلوي في جامعة ريدينغ، أن الحرارة تجعل البكتيريا والكائنات الدقيقة تعمل بصورة أسرع، ما يزيد تبخر الغازات ذات الروائح الملحوظة.
ولا يعتبر الخبراء ما يحدث حاليًا خطرًا صحيًا مباشرًا على الجمهور، لكن إيفانز تقول إن ظهور المشكلة يعني أن الشبكة تعمل بالقرب من حدود قدرتها على التعامل مع الظروف الحالية.
أزمة أعادت بناء لندن قبل 168 عامًا

للمفارقة، كانت أزمة مشابهة وراء بناء الجزء الأساسي من شبكة لندن الحديثة.
ففي صيف عام 1858، أدى الحر وانخفاض مياه نهر التايمز إلى تفاقم الروائح المنبعثة من المخلفات التي كانت تصل مباشرة إلى النهر، فيما عُرف تاريخيًا باسم «الرائحة الكريهة الكبرى» (Great Stink).
وأصبحت المشكلة شديدة إلى درجة أنها عطلت عمل البرلمان القريب من النهر، وساعدت على دفع السلطات نحو تنفيذ مشروع ضخم بقيادة المهندس جوزيف بازالجيت لبناء شبكة جديدة من المجاري تنقل المخلفات بعيدًا عن وسط العاصمة.
وأصبح النظام الذي صممه بازالجيت أحد أهم مشروعات البنية التحتية في تاريخ لندن، وأسهم في تحسين الصحة العامة والتخلص من أوبئة مثل الكوليرا التي كانت تضرب المدينة.
لكن المدينة التي يخدمها النظام اليوم مختلفة جذريًا عن لندن الفيكتورية.
فقد بُنيت الشبكة الأصلية لخدمة نحو أربعة ملايين شخص، أما اليوم فيعيش في لندن أكثر من تسعة ملايين، فضلًا عن التغير في طبيعة استخدام المياه والضغط العمراني والمناخ.
لكن لندن أنفقت مليارات بالفعل على تحديث الشبكة
ولا يعني ذلك أن شبكة العاصمة ظلت كما تركها بازالجيت.
فقد انتهت لندن مؤخرًا من واحد من أكبر مشروعات البنية التحتية في تاريخها الحديث، وهو نفق التايمز تايدواي (Thames Tideway Tunnel)، المعروف باسم «المجرى العملاق» أو Super Sewer.
يمتد النفق البارز لمسافة 25 كيلومترًا تحت لندن، وتبلغ قدرته التخزينية نحو 1.6 مليون متر مكعب، وصُمم أساسًا لاعتراض مياه الصرف التي كانت تتدفق إلى نهر التايمز عندما تعجز الشبكة القديمة عن استيعاب كميات الأمطار الكبيرة.
وأصبح النفق متصلًا بالكامل بشبكة لندن في عام 2025، في مشروع يستهدف مساعدة النظام على التعامل مع زيادة السكان وآثار تغير المناخ.
لكن المشكلة التي كشفها صيف 2026 تقع في الطرف الآخر من المعادلة.
فالضغط على الشبكة لا يأتي هذه المرة من كثرة المطر، بل من غيابه لفترة طويلة.
شبكة تحتاج إلى العمل في عالم أكثر تطرفًا

شهدت بريطانيا هذا الصيف ظروفًا استثنائية، مع وصول الحرارة في لندن إلى 38.1 درجة مئوية هذا الأسبوع، ودخول أجزاء واسعة من إنجلترا في حالة جفاف بعد أشهر من انخفاض الأمطار.
وكانت مدينة لندن نفسها قد تلقت في ربيع 2026 نحو 36 في المئة فقط من متوسط أمطار الموسم، وفق بيانات هيئة الأرصاد الجوية البريطانية.
ولهذا يرى خبراء أن التحدي لم يعد مجرد زيادة قدرة الشبكة على مواجهة الأمطار الغزيرة، وإنما تصميمها للعمل أيضًا خلال فترات أطول من الحرارة والجفاف.
وتدعو إيفانز إلى إعادة التفكير على المدى الطويل في طريقة إدارة المياه داخل المدن، ويشمل ذلك فصل «المياه الرمادية» الناتجة عن الأحواض والاستحمام عن المياه القادمة من المراحيض، وإعادة استخدام جزء منها داخل المنازل بدل إرسال جميع أنواع المياه إلى النظام نفسه.
وتستخدم بعض الأنظمة الحديثة في دول مثل ألمانيا والسويد هذه المقاربات لتخفيف الضغط عن شبكات الصرف، والمساعدة في الاحتفاظ بالمياه خلال فترات الجفاف.
وبذلك، تكشف المشكلة التي ظهرت هذا الصيف مفارقة تواجه لندن الحديثة: الشبكة التي وُلدت من أزمة سببها الحر والجفاف في القرن التاسع عشر ما زالت تعمل بعد أكثر من 150 عامًا، وقد أضيف إليها أخيرًا مشروع بمليارات الباوندات لمواجهة فيض المياه، لكن تغير المناخ يضعها الآن أمام تحدٍّ مزدوج؛ كيف تتعامل مع كثرة المياه عندما تمطر، وقلتها عندما لا تمطر؟
وهو سؤال قد يجعل صيف 2026 أكثر من مجرد فترة حارة أخرى في ذاكرة لندن، إذا دفع المدينة إلى جولة جديدة من إعادة التفكير فيما يجري تحت شوارعها.
المصدر: الغارديان
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇