العرب في بريطانيا | سياسة بيرنهام الخارجية.. فلسطين وأمريكا وأوروبا...

فلسطين وأمريكا وأوروبا.. قراءة في ملامح سياسة بيرنهام الخارجية في أول خطاب أممي

فلسطين وأمريكا وأوروبا.. ملامح سياسة بيرنهام الخارجية في أول خطاب أممي

فلسطين وأمريكا وأوروبا.. ملامح سياسة بيرنهام الخارجية في أول خطاب أممي

محرر الشؤون السياسية سبتمبر 24, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

قدّم رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام، في خطابه الأول أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مساء الثلاثاء 22 سبتمبر/أيلول، أوضح عرض حتى الآن للاتجاهات التي يريد أن تحكم سياسة بريطانيا الخارجية في عهده.

ولا يكفي خطاب واحد للحديث عن عقيدة خارجية مكتملة، لكن الجمع بين ما قاله بيرنهام في نيويورك والقرارات التي اتخذتها حكومته خلال أسابيعها الأولى يكشف بعض الملامح الأولية: تشدد أكبر تجاه الاحتلال والمستوطنات، والحفاظ على التحالف الوثيق مع الولايات المتحدة، وتعميق العلاقة بأوروبا، وتوسيع مفهوم الأمن ليشمل الاقتصاد والمعلومات والذكاء الاصطناعي وتماسك المجتمع.

وتساعد مقارنة الخطاب بالإجراءات الحكومية المعلنة في التمييز بين التوجه السياسي العام والخطوات التي بدأت فعلًا، وبين الوعود التي ما زالت تنتظر التشريع أو التنفيذ.

The Rt Hon Andy Burnham MP
اندي بيرنهام| الصورة: الموقع الحكومي الرسمي

فلسطين: التحول الأوضح والأكثر قابلية للقياس

قال بيرنهام إن حكومته أعادت صياغة موقف بريطانيا من الشرق الأوسط خلال أسابيعها الثمانية الأولى. وأشار خصوصًا إلى إعلانها أن استمرار احتلال الأراضي الفلسطينية غير قانوني، وتحركها ضد بضائع المستوطنات غير القانونية والضالعين في توسيعها، محذرًا من أن مشروع «E1» الاستيطاني يهدد إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

وفي الوقت نفسه، أكد أن بريطانيا تواصل إدانة هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحركة حماس، وتقف إلى جانب إسرائيل في مواجهة التهديدات، ومنها التهديدات الإيرانية. لكنه قال إن ذلك لا يبرر أفعال الحكومة الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، حيث يستمر سقوط الضحايا وتقييد دخول المساعدات.

ويكشف الجمع بين الموقفين طبيعة التحول الذي تتبناه الحكومة: زيادة الضغط على الاحتلال والمستوطنات، مع الإبقاء على الالتزام بأمن إسرائيل والعلاقة السياسية والتجارية معها.

ولا تتبنى الحكومة، وفقًا لما أعلنته، مقاطعة اقتصادية شاملة. فقد أوضح وزير الخارجية إد ميليباند أن لندن تريد استمرار التجارة مع إسرائيل داخل الخط الأخضر، بينما تستهدف الإجراءات الجديدة النشاط الاقتصادي المرتبط بالمستوطنات في الأراضي المحتلة.

ومن الناحية العملية، ما زال جانب أساسي من هذه السياسة ينتظر التنفيذ. ففي بيانه أمام مجلس العموم، قال ميليباند إن التشريع الخاص بحظر استيراد بضائع المستوطنات ونظام العقوبات الجديد سيصبح نافذًا خلال ستة إلى تسعة أشهر.

أما الإجراءات الفورية، فتضمنت فرض عقوبات إضافية على مستوطنين قالت الحكومة إنهم دعموا العنف ضد الفلسطينيين أو حرّضوا عليه، إلى جانب تشديد بعض قيود تصدير السلاح.

وبذلك، يمثل الملف الفلسطيني أوضح موضع يمكن من خلاله قياس الفارق بين الخطاب والتنفيذ. ولن يتوقف تقييم التحول على إعلان المواقف وحده، وإنما على نطاق التشريع المنتظر، والجهات التي ستشملها العقوبات، ومدى الالتزام بتطبيق القيود المعلنة.

واشنطن وأوروبا: توسيع الحركة لا تغيير التحالف

وصف بيرنهام بريطانيا بأنها الحليف الأقرب للولايات المتحدة، وقال إنها ستعمّق علاقاتها بأصدقائها في الاتحاد الأوروبي، وتعمل كذلك مع الصين وقوى صاعدة مثل الهند والبرازيل.

واستند إلى هذه العلاقات، وإلى عضوية بريطانيا في مجلس الأمن والكومنولث والشراكة عبر المحيط الهادئ، في تقديم بلاده بوصفها قادرة على جمع أطراف متباعدة والعمل «وسيطًا نزيهًا» في القضايا الدولية.

ولا تعني هذه الصياغة ابتعادًا عن واشنطن. فقد أعلن بيرنهام تطوير شراكة دفاعية مع الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي لحماية البنية التحتية الحيوية. كما أكد، خلال لقائه الرئيس دونالد ترامب على هامش الجمعية العامة، أهمية العلاقة التجارية والأمنية بين البلدين.

وتشير هذه المواقف إلى أن بيرنهام لا يسعى إلى استبدال التحالف الأمريكي بمحور آخر، وإنما إلى توسيع هامش الحركة البريطانية من داخله. فالولايات المتحدة تبقى الحليف الأمني الأقرب، بينما يقدم الاتحاد الأوروبي بوصفه الشريك الإقليمي الذي تريد لندن تعميق العلاقة معه، وتأتي العلاقات مع الصين والهند والبرازيل ضمن شبكة أوسع للتعاون بحسب كل قضية.

وبذلك، لا تقوم الرؤية المعروضة على الوقوف على مسافة واحدة من جميع القوى، وإنما على محاولة الجمع بين تحالفات ثابتة وقدرة أكبر على التواصل مع أطراف مختلفة.

الأمن: من الردع العسكري إلى تماسك المجتمع

تعهد بيرنهام بمواصلة الاستثمار في الدفاع، والوفاء بالتزامات حلف شمال الأطلسي، ودعم أوكرانيا. لكنه قال إن بريطانيا لن تدخل في تبادل للخطاب التصعيدي مع روسيا.

وفي المقابل، وسّع مفهوم الأمن ليشمل قضايا لا ترتبط مباشرة بالجيوش والحدود، مثل التضليل والهجمات الإلكترونية، وتغير المناخ، ومخاطر الذكاء الاصطناعي.

وأعلن تكليف الأجهزة الأمنية بالعمل على إنشاء مركز وطني للدفاع عن المعلومات، لمواجهة الهجمات المعلوماتية المنسوبة إلى دول معادية. كما قال إنه سيجعل الذكاء الاصطناعي محورًا لرئاسة بريطانيا لمجموعة العشرين العام المقبل.

وربط بيرنهام قدرة المجتمع على مقاومة التأثير الخارجي بتخفيف أعباء المعيشة وتقليص الفوارق الاقتصادية، معتبرًا أن الانقسام الاجتماعي والقلق الاقتصادي يمكن أن يجعلا المجتمعات أكثر عرضة للتضليل والاستقطاب.

ويكشف هذا الربط عن تصور للأمن لا يقتصر على الردع العسكري، بل يضم أيضًا قدرة المؤسسات والمجتمع على الصمود. غير أن تحويل هذا التصور إلى سياسة فعلية سيعتمد على الصلاحيات والموارد التي ستحصل عليها المؤسسات الجديدة، وعلى كيفية الموازنة بين مواجهة التضليل وحماية حرية التعبير.

الخليج واستمرار المصالح الأمنية التقليدية

ظهرت أولويات الحكومة العملية في الخليج بالتزامن مع خطاب بيرنهام. فقد أعلنت وزارة الدفاع، في اليوم نفسه، تقديم طائرة تزويد بالوقود جوًا لدعم النشاط الدفاعي السعودي عقب هجمات الحوثيين.

وربطت الحكومة القرار بحماية الاستقرار الإقليمي والتجارة وإمدادات الطاقة. كما تحدث بيرنهام عن العمل مع فرنسا وشركاء آخرين لدعم حرية الملاحة في الخليج.

وتوضح هذه الخطوات أن حديثه عن العمل وسيطًا لا يعني تخلي بريطانيا عن تحالفاتها ومصالحها الأمنية التقليدية، وإنما محاولة أداء هذا الدور من داخل شبكة قائمة من العلاقات العسكرية والاقتصادية.

كما تكشف أن السياسة الخارجية التي يعرضها بيرنهام لن تُقاس فقط بمواقفها من فلسطين وأوروبا والولايات المتحدة، بل أيضًا بالطريقة التي ستوازن بها بين خطاب القانون الدولي ومصالح بريطانيا الدفاعية والتجارية في مناطق مثل الخليج.

اتجاه أولي لا عقيدة مكتملة

يكشف خطاب بيرنهام والقرارات المحيطة به ثلاثة اتجاهات رئيسة: استخدام أدوات قانونية واقتصادية بصورة أكبر في التعامل مع الاحتلال والمستوطنات، وتوسيع شبكة العلاقات الدولية مع الحفاظ على التحالف الأمريكي، وإدخال الاقتصاد والمعلومات والتكنولوجيا ضمن مفهوم الأمن القومي.

لكن هذه الاتجاهات لا تشكل بعد سياسة خارجية مكتملة التفاصيل. فما زال تشريع حظر بضائع المستوطنات ينتظر الإقرار والتنفيذ، وما زالت المؤسسات المقترحة لمواجهة التضليل في مرحلة التأسيس، كما لم تُختبر بعد قدرة الحكومة على اتخاذ مواقف مستقلة عندما تتعارض أولوياتها مع مواقف واشنطن أو مع المصالح الأمنية والتجارية البريطانية.

لذلك يقدم الخطاب خريطة أولية لما يريد بيرنهام أن تكون عليه بريطانيا في العالم، أما الوزن الحقيقي لهذه السياسة فسيحدده ما تنفذه حكومته خلال الأشهر المقبلة، لا ما أعلنته على منصة الأمم المتحدة وحدها.


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا