سحب الجنسيات من المواطنين “قرار سياسي يهدد أسس المواطنة في بريطانيا”
حذّر الدكتور أنس التكريتي، رئيس مؤسسة قرطبة لحوار الثقافات في لندن، والباحث في الشأن السياسي البريطاني، من سحب الجنسية وحقوق المواطنة بقرار إداري من الحكومة. وقال أنّه من التداعيات الخطيرة، لجوء الحكومة البريطانية إلى سحب الجنسية كأداة لمعالجة القضايا الأمنية، معتبرًا أن هذا التوجه يشكّل تحولًا مقلقًا من دولة القانون إلى منطق القرار السياسي التنفيذي، بما قد يمس جوهر المواطنة في النظام الديمقراطي البريطاني.
وجاءت تصريحات التكريتي في تعليق موسّع تناول فيه قرار الحكومة الأخير بسحب الجنسية من المواطن البريطاني/الروسي، مارك بولن، بدعوى “علاقته المشبوهة بروسيا” واتهامه – دون قرار قضائي – بأنه “جاسوس لدى حكومة موسكو”، حيث أكد أن التدخل الحكومي عبر إجراءات مثل الحظر أو التصنيف أو إسقاط الجنسية يعكس عجزًا عن استخدام الأدوات القانونية، والقضائية، المتاحة أصلًا لمعالجة التهديدات الأمنية. وأوضح أن اللجوء إلى هذه القرارات الاستثنائية دون المرور عبر المحاكم الجنائية أو المسارات القضائية التقليدية يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى احترام مبدأ سيادة القانون.
سحب الجنسية “أداة سياسية بحتة”
وشدد التكريتي على أن سحب الجنسية لا يمكن اعتباره أداة قانونية بالمعنى الحقيقي، بل هو «قرار سياسي بامتياز»، خصوصًا عندما يُتخذ دون محاكمة أو إدانة قضائية واضحة. وتساءل عمّا إذا كانت الحكومة قد استنفدت بالفعل القنوات الجنائية المتاحة قبل الإقدام على هذا الإجراء، معتبرًا أن تجاوز هذه المسارات يمثل سابقة مقلقة في دولة ديمقراطية تقوم على منظومة قانونية مستقرة.
وأضاف أن مثل هذه الإجراءات ترتبط تاريخيًا، في رأيه، بأنظمة شمولية أو سلطوية، لا بأنظمة ديمقراطية راسخة تعتمد على القضاء المستقل وآليات المساءلة الشعبية، مشيرًا إلى أن القبول بهذا المنطق قد يفتح الباب أمام توسيع استخدام هذه الصلاحيات خارج نطاقها الاستثنائي.
سابقة قد تطال الجميع
وحذّر التكريتي من أن تمرير مثل هذه القرارات دون قيود واضحة، فهذا الأمر قد يجعل «الجميع عرضة لهذا التهديد»، إذ إن تحويل المواطنة إلى وضع قابل للسحب بقرار إداري قد يخلق حالة من عدم اليقين القانوني، ويؤثر على ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة. وأكد أن غياب الضمانات الكافية للاستئناف أو المراجعة القضائية يعمّق هذه المخاوف، خصوصًا في القضايا التي تتخذ طابعًا سياسيًا أو أمنيًا واسع التفسير.

واستشهد التكريتي بمحاولة وزيرة الداخلية السابقة بريتي باتيل تمرير مشروع قانون الجنسية والحدود، الذي كان يمنح الحكومة صلاحيات موسعة لسحب الجنسية دون مبررات كافية أو حق واضح للاستئناف، وهو المشروع الذي واجه رفضًا متكررًا من مجلس اللوردات قبل أن يُسحب نهائيًا. واعتبر أن العودة إلى تطبيق هذه الصلاحيات عبر قرارات تنفيذية يثير مخاوف جدية بشأن الالتفاف على المسار التشريعي.
كما أشار إلى الجدل الذي رافق قضية شميمة بيجوم، معتبرًا أن التعامل مع هذه القضايا يعكس توجهًا متزايدًا نحو استخدام سحب الجنسية كأداة سياسية، بدلًا من اللجوء إلى المحاكمات الجنائية والإجراءات القضائية التقليدية.
تحذير من انعكاسات مجتمعية ودعوة للتحرك القانوني والشعبي
وأكد التكريتي أن توسيع صلاحيات سحب الجنسية قد ينعكس سلبًا على الأمن المجتمعي نفسه، إذ إن شعور المواطنين بأن حقوقهم الأساسية قد تكون عرضة للانتقاص، بقرار إداري يمكن أن يقوض الثقة في مؤسسات الدولة. كما حذر من أن هذا النهج قد يُستخدم مستقبلاً ضد معارضين أو ناشطين أو أصحاب آراء سياسية مخالفة، في ظل اتساع مفهوم «التهديد للأمن القومي».
وختم الدكتور التكريتي بالتأكيد أن مواجهة هذا التوجه ينبغي أن تتم على مستويين: قانوني عبر الطعن القضائي وتعزيز الرقابة التشريعية، وشعبي عبر النقاش العام والضغط المجتمعي للحفاظ على مبدأ المواطنة كحق ثابت لا امتياز مشروط. وحذر من أن القبول بهذه السابقة قد يفتح الباب أمام مرحلة يصبح فيها أي مواطن معرضًا لسحب جنسيته دون محاكمة عادلة أو ضمانات كافية، وهو ما وصفه بأنه «خطر بالغ» يمس أسس الديمقراطية البريطانية.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇