ديكلاسيفايد: قلق قانوني واسع من ملاحقة محامي “بال أكشن”
تثير الملاحقة القضائية التي تستهدف المحامي الحقوقي البارز راجيف مينون موجة قلق متزايدة داخل الأوساط القانونية في بريطانيا، وسط تحذيرات من أن القضية قد تشكل سابقة خطرة تمس استقلال المحامين وحق المتهمين في محاكمة عادلة، ولا سيما في القضايا المرتبطة بالحراك الداعم لفلسطين والاحتجاجات السياسية.
ملاحقة قضائية على خلفية الدفاع عن ناشطي “بال أكشن”

يواجه راجيف مينون إجراءات قضائية بتهمة “ازدراء المحكمة”، بعد مشاركته في الدفاع عن ستة ناشطين من حركة بال أكشن (Palestine Action) اقتحموا مصنع أسلحة مملوكًا لشركة إسرائيلية قرب مدينة بريستول خلال عام 2024، تزامنًا مع تصاعد الحرب الإسرائيلية على غزة.
وتتهم السلطات البريطانية مينون بمخالفة تعليمات القاضي خلال المحاكمة، بعدما مُنع فريق الدفاع من دعوة هيئة المحلفين إلى تبرئة الناشطين استنادًا إلى “الضمير”.
وبحسب ما ورد خلال جلسات المحكمة، أشار مينون في مرافعته إلى قضية “بوشيل” التاريخية لعام 1670، التي تُعد من أبرز القضايا التي كرّست استقلالية هيئات المحلفين في بريطانيا.
كما قرأ نصًا من لوحة تذكارية داخل مبنى أولد بيلي، تُخلّد هيئة المحلفين في تلك القضية، وجاء فيها أنها “كرّست حق هيئات المحلفين في إصدار أحكامها وفقًا لقناعاتها”.
ويبحث ثلاثة قضاة في محكمة الاستئناف حاليًا ما إذا كانت الإجراءات القضائية ضد مينون ستستمر، وذلك بعد جلسة استماع عقدت الأسبوع الماضي قدّم خلالها فريق الدفاع طعنًا قانونيًا.
مايكل مانسفيلد: ما يحدث يهدد استقلال مهنة المحاماة

وأثارت القضية ردود فعل واسعة النطاق داخل الأوساط الحقوقية والقانونية، إذ أعرب المحامي البريطاني البارز مايكل مانسفيلد عن “قلقه البالغ” إزاء الإجراءات المتخذة بحق مينون.
وقال مانسفيلد، الذي عمل مع مينون في عدد من القضايا الحقوقية البارزة: “أمضيت أكثر من 50 عامًا في مهنة المحاماة، ولم أشهد خطوة مماثلة من قبل”.
وأضاف أن ما يجري “قد يترك أثرًا مخيفًا على المبدأ الأساسي القائم على وجود هيئة محامين مستقلة وقادرة على الدفاع بشجاعة عن موكليها دون خوف أو ضغوط”.
ويُعرف مينون بمشاركته في ملفات حقوقية بارزة، من بينها التحقيقات المتعلقة بحريق برج غرينفيل ، وقضية ستيفن لورانس، إضافة إلى تحقيقات مرتبطة بعمليات الشرطة السرية.
قيود على النشر وسط اهتمام إعلامي واسع

وخلال الأشهر الأولى من القضية، فرضت المحكمة قيودًا على النشر حالت دون تمكّن الصحفيين من تغطية مجريات المحاكمة، قبل أن تبدأ السلطات بتخفيف تلك القيود مؤخرًا.
وتزامنت جلسات قضية مينون مع إعادة محاكمة الناشطين أنفسهم، إذ عُقدت جلسات المحامي في مبنى المحاكم الملكية للعدل وسط العاصمة، في حين أعيدت محاكمة الناشطين في محكمة وولويتش كراون شرق لندن.
وشهدت الجلسات حضورًا لافتًا من الصحفيين والمتابعين، ما دفع المحكمة إلى تخصيص قاعات إضافية لاستيعاب الحضور، غير أن القيود المفروضة على النشر منعت وسائل الإعلام البريطانية من تغطية القضية بصورة كاملة، خشية التأثير على هيئة المحلفين في إعادة المحاكمة.
وفي ختام المداولات، أدانت هيئة المحلفين أربعة من أصل ستة ناشطين بتهمة الإضرار الجنائي، بعد نحو 14 ساعة من النقاش.
كما أُدين أحد الناشطين، بأغلبية 11 صوتًا مقابل صوت واحد، بتهمة التسبب بإصابة خطرة لضابط شرطة، لكنه بُرّئ من تهمة أشد تتعلق بالتسبب بإصابة خطرة “عمدًا”.
تحذيرات من سابقة خطيرة تمس الحق في محاكمة عادلة

ومع اتضاح تفاصيل القضية، حذّر عدد من المحامين والحقوقيين من أن ملاحقة مينون قد تتحول إلى سابقة خطيرة تهدد حرية المحامين في الدفاع عن موكليهم، ولا سيما في القضايا المرتبطة بالاحتجاجات السياسية والتضامن مع فلسطين.
وقال المحامي بول هيرون: إن “المحامين يجب أن يكونوا أحرارًا في عرض قضايا موكليهم دون خوف من تعرضهم لعقوبات بسبب طرح حجج قد تُعد مثيرة للجدل سياسيًا”.
وأضاف أن القضية قد تؤدي إلى “تضييق حدود الدفاع الجنائي، ولا سيما في القضايا المرتبطة بالاحتجاجات والمعارضة السياسية”.
وأشار هيرون إلى أن خوف المحامين من الملاحقة قد يدفعهم إلى فرض رقابة ذاتية على مرافعاتهم، ما يهدد بشكل مباشر الحق في محاكمة عادلة.
وأضاف: “يفترض بالمحاكم حماية استقلالية المحامين، لا إيجاد مناخ ترهيب يحيط بالدفاعات ذات الطابع السياسي”.
ناشطون يستغنون عن محاميهم بسبب قرارات المحكمة

وقبل المرافعات الختامية في إعادة المحاكمة، قرر خمسة من المتهمين الاستغناء عن محاميهم، ومنهم مينون، وتولّي الدفاع عن أنفسهم.
وبحسب ما ورد في المحكمة، قال الناشطون إنهم شعروا بأن محاميهم “لم يعودوا قادرين على تمثيلهم بالطريقة المناسبة؛ بسبب القرارات التي اتخذتها المحكمة”.
وقالت المتهمة شارلوت هيد أمام هيئة المحلفين: “قد يبدو غريبًا أنني أتحدث إليكم الآن من هنا بدلًا من قفص الاتهام، لكن الأمر غريب بالنسبة لي أيضًا”.
وأضافت: “مع أن محاميّ يتمتعون بذكاء وتعاطف كبيرين، فإنني لم أعد أشعر أنهم قادرون على تمثيلي بالطريقة التي تحقق العدالة لنا جميعًا”.
وكان مينون قد شبّه هيد، خلال المحاكمة الأولى، بالمناضلات البريطانيات اللواتي ناضلن من أجل حق النساء في التصويت.
جدل متصاعد بشأن مستقبل المحاكمات أمام هيئات المحلفين

وتأتي هذه القضية في وقت تتحرك فيه حكومة حزب العمال البريطاني نحو تقليص نطاق المحاكمات أمام هيئات المحلفين في الجرائم التي تقل عقوبتها عن ثلاث سنوات.
وتقول الحكومة: إن هذه الخطوة تسعى إلى تقليص التراكم الكبير في القضايا داخل النظام القضائي، في حين يحذر قانونيون من أن هذه التغييرات قد تُضعف ثقة الجمهور بمنظومة العدالة في بريطانيا، وتفتح الباب أمام تقليص الضمانات المرتبطة بالمحاكمات العادلة.
المصدر : ديكلاسيفايد
اقرأ أيضًا :
الرابط المختصر هنا ⬇