دليل الوقاية من موجات الحر: كيف تحمي نفسك وعائلتك؟
مع تزايد تأثيرات التغير المناخي حول العالم، أصبحت موجات الحر أكثر شدة وتكرارًا من أي وقت مضى، ما دفع خبراء الصحة إلى وصفها بـ”القاتل الصامت”. ورغم أن تأثيراتها لا تحظى غالبًا بالاهتمام نفسه الذي تحظى به الكوارث الطبيعية الأخرى، فإن درجات الحرارة المرتفعة تتسبب سنويًا في مئات الآلاف من الوفيات حول العالم.
فما حجم الخطر الحقيقي الذي تشكله موجات الحر؟ ومن هم الأكثر عرضة لتداعياتها؟ وكيف يمكن للأفراد والعائلات حماية أنفسهم مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة؟
كم عدد الأشخاص الذين يموتون بسبب الحر؟

تشير التقديرات إلى أن الطقس الحار يتسبب في وفاة نحو نصف مليون شخص سنويًا حول العالم. ويُعد هذا الرقم أعلى من عدد ضحايا الحروب أو الهجمات الإرهابية خلال العام الواحد، وإن كان أقل من عدد الوفيات الناتجة عن حوادث السير أو تلوث الهواء.
ورغم ذلك، نادرًا ما يُسجل الحر باعتباره السبب المباشر للوفاة. ويعود ذلك إلى أن درجات الحرارة المرتفعة تؤدي غالبًا إلى تفاقم أمراض قائمة مسبقًا، مثل أمراض القلب والرئتين والكلى، ما يؤدي إلى وفاة المصابين بها في وقت أبكر مما كان متوقعًا.
كيف يؤثر الحر الشديد على صحة الإنسان؟
عند ارتفاع درجات الحرارة، يبذل الجسم جهدًا إضافيًا للحفاظ على درجة حرارته الطبيعية. ويعني ذلك أن القلب والكليتين يعملان بوتيرة أعلى للمساعدة في تبريد الجسم وتنظيم وظائفه الحيوية.
وبالنسبة للأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة، قد يكون هذا الضغط الإضافي كافيًا للتسبب بمضاعفات خطيرة أو حتى الوفاة، قبل الوصول إلى مرحلة الإصابة بضربة الشمس.
ولا تقتصر الآثار الصحية لموجات الحر على التأثير المباشر على الجسم، إذ ترتبط أيضًا بارتفاع معدلات الحوادث وتدهور جودة الهواء وزيادة حرائق الغابات والانقطاعات المتكررة للكهرباء، وهي عوامل تضيف أعباءً إضافية على الأنظمة الصحية.
لماذا تشكل الليالي الحارة خطرًا إضافيًا؟
تكمن خطورة موجات الحر في أن الجسم يحتاج إلى فترة من البرودة ليلًا كي يتعافى من الإجهاد الذي تعرض له خلال النهار. وعندما تبقى درجات الحرارة مرتفعة خلال ساعات الليل، يفقد الجسم هذه الفرصة الضرورية للراحة واستعادة التوازن.
وفي عدد من الدول الأوروبية، يطلق خبراء الأرصاد الجوية وصف “الليالي الاستوائية” على الليالي التي لا تنخفض فيها درجات الحرارة عن 20 درجة مئوية.
أما في إسبانيا، حيث تعد موجات الحر أكثر شيوعًا، فتُوصف الليالي التي تتجاوز فيها الحرارة 25 درجة مئوية بأنها “استوائية حارة” أو “مدارية”. وخلال السنوات الأخيرة ظهر مصطلح جديد بصورة غير رسمية لوصف الليالي التي تتجاوز فيها درجات الحرارة 30 درجة مئوية، وهي ما بات يُعرف بـ”الليالي الجحيمية”.
من هم الأكثر عرضة للخطر؟
يُعد الأشخاص الذين يقضون ساعات طويلة في الخارج خلال الطقس الحار من أكثر الفئات عرضة للإجهاد الحراري وضربات الشمس، ومن بينهم عمال البناء والمزارعون والأشخاص الذين لا يملكون مأوى ثابتًا.
لكن الإحصاءات تشير إلى أن كبار السن، ولا سيما المصابين بأمراض مزمنة، يشكلون النسبة الأكبر من الوفيات المرتبطة بالحر.
كما تظهر الدراسات أن النساء أكثر عرضة للوفاة بسبب الحرارة مقارنة بالرجال، في حين يواجه أصحاب الدخل المحدود مخاطر أكبر نتيجة ضعف القدرة على الوصول إلى أجهزة التكييف أو السكن الجيد العزل أو المساحات الخضراء التي تساعد على التخفيف من تأثير الحر.
لماذا تجعل الرطوبة الطقس أكثر إرهاقًا؟

يعتمد الجسم بشكل أساسي على التعرق للتخلص من الحرارة الزائدة، إذ يؤدي تبخر العرق إلى خفض درجة حرارة الجسم.
لكن عندما ترتفع نسبة الرطوبة في الهواء، يصبح تبخر العرق أكثر صعوبة، فيبقى على سطح الجلد بدلًا من أن يؤدي وظيفته الطبيعية في التبريد.
ولهذا السبب قد يشعر الإنسان بدرجات حرارة أعلى بكثير من القراءة الفعلية للميزان الحراري، وهو فارق قد يصل إلى عدة درجات مئوية ويشكل في بعض الحالات عاملًا حاسمًا بين السلامة والخطر.
لماذا أصبحت موجات الحر أكثر سخونة؟
يرى العلماء أن السبب الرئيسي وراء اشتداد موجات الحر يتمثل في تراكم الغازات الدفيئة الناتجة عن حرق الوقود الأحفوري على مدى أكثر من قرن، ما أدى إلى احتجاز المزيد من الحرارة داخل الغلاف الجوي.
وقد ارتفع متوسط درجة حرارة الأرض عالميًا بنحو 1.3 درجة مئوية مقارنة بفترة ما قبل الثورة الصناعية، فيما سجلت اليابسة ارتفاعًا أكبر من ذلك، الأمر الذي جعل موجات الحر الشديدة أكثر تكرارًا واتساعًا.
وتشير بعض الدراسات أيضًا إلى أن أزمة المناخ قد تسهم في إضعاف التيار النفاث في الغلاف الجوي، ما يزيد من احتمالات تشكل ما يعرف بـ”قباب الحرارة”، وهي مناطق من الضغط الجوي المرتفع تحبس الهواء الساخن فوق منطقة معينة لأيام أو حتى أسابيع.
هل سيؤدي تغير المناخ إلى تقليل الوفيات المرتبطة بالبرد؟
صحيح أن الطقس البارد يتسبب حاليًا في عدد وفيات يفوق تلك المرتبطة بالحر، حتى في المناطق الدافئة مثل أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا، إلا أن التوقعات المستقبلية لا تبعث على الاطمئنان.
فمع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، يُتوقع أن يرتفع عدد الوفيات المرتبطة بالحر بوتيرة أسرع بكثير من الانخفاض المحتمل في الوفيات الناجمة عن البرد.
وعند دراسة هذا التأثير في 854 مدينة أوروبية، توصل الباحثون إلى أن جميع سيناريوهات الانبعاثات المناخية تؤدي إلى زيادة صافية في الوفيات المرتبطة بدرجات الحرارة، حتى بعد احتساب قدرة المجتمعات على التكيف.
كيف يمكن التكيف مع موجات الحر؟

يؤكد الخبراء أن الحد من الاعتماد على الوقود الأحفوري يمثل الخطوة الأهم للحد من تفاقم موجات الحر مستقبلًا، إلى جانب حماية الغابات والأراضي الرطبة التي تمتص ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي.
كما يدعو مخططو المدن إلى إعادة تصميم البيئات الحضرية بحيث تحتوي على مساحات خضراء ومسطحات مائية أكثر، مقابل تقليل الاعتماد على الخرسانة والطرق المعبدة والسيارات.
ويساعد هذا النهج في الحد من ظاهرة “الجزيرة الحرارية الحضرية” التي تجعل المدن أكثر حرارة من المناطق الريفية المحيطة بها.
كذلك تسهم المباني المزودة بأنظمة تكييف فعالة أو وسائل تبريد طبيعية، إلى جانب خدمات الرعاية الصحية القوية وأنظمة الإنذار المبكر، في تقليل عدد الوفيات المرتبطة بموجات الحر.
هل يزيد استخدام التكييف من مشكلة الاحتباس الحراري؟
تعتمد الإجابة على مصدر الكهرباء المستخدم لتشغيل أجهزة التكييف. فإذا كانت الطاقة ناتجة عن الوقود الأحفوري، فإن ذلك يؤدي إلى زيادة الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري.
لكن مع التحول المتزايد نحو مصادر الطاقة النظيفة في العديد من الدول، بدأت الآثار البيئية المرتبطة باستخدام التكييف بالتراجع تدريجيًا.
ويرى عدد من الخبراء أن الفوائد الصحية لأجهزة التكييف، خاصة بالنسبة للفئات الأكثر هشاشة، قد تفوق الأضرار البيئية المحتملة في ظل الارتفاع المستمر لدرجات الحرارة.
وفي هذا السياق، أوصت لجنة تغير المناخ البريطانية هذا العام بتركيب أنظمة تكييف في جميع دور الرعاية والمستشفيات خلال السنوات العشر المقبلة، وفي جميع المدارس خلال 25 عامًا.
كيف تحمي نفسك وعائلتك خلال موجة حر؟
يوصي الخبراء باتباع مجموعة من الإجراءات البسيطة والفعالة للحد من مخاطر الطقس الحار:
- تجنب الخروج خلال ساعات الذروة الحرارية قدر الإمكان.
- البقاء في الظل عند الاضطرار إلى التواجد خارج المنزل.
- إغلاق النوافذ خلال ساعات النهار وفتحها بعد غروب الشمس عندما تصبح درجات الحرارة الخارجية أقل من الداخلية.
- استخدام الستائر أو المصاريع لحجب أشعة الشمس المباشرة.
- شرب الماء بانتظام حتى في حال عدم الشعور بالعطش.
- ارتداء ملابس خفيفة وفضفاضة تسمح بتهوية الجسم.
- متابعة أوضاع كبار السن والأشخاص الأكثر عرضة للمضاعفات الصحية والتأكد من سلامتهم.
ومع توقع استمرار موجات الحر في التزايد خلال العقود المقبلة، يؤكد الخبراء أن الوعي بالمخاطر واتخاذ الإجراءات الوقائية المبكرة سيبقيان خط الدفاع الأول لحماية الأرواح والحد من الآثار الصحية الخطيرة للحرارة المرتفعة.
المصدر: الغارديان
إقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇