تقرير: خطة بيرنهام تعيد الجدل حول «هيمنة لندن» على النمو في بريطانيا
أعادت خطة رئيس الوزراء آندي بيرنهام لنقل مزيد من المال والصلاحيات من وستمنستر إلى المدن الإنجليزية جدلًا اقتصاديًا قديمًا إلى واجهة النقاش في بريطانيا: هل تتركز فرص النمو والاستثمار بصورة مفرطة في لندن والجنوب الشرقي، أم أن المشكلة الحقيقية ليست في قوة العاصمة، وإنما في أن مدنًا كبرى مثل مانشستر وبرمنغهام وليدز لا تزال أضعف اقتصاديًا مما يفترض أن تكون عليه؟
عاد هذا النقاش إلى الواجهة مع جولة بيرنهام في أنحاء البلاد ووعده بتحقيق «نمو جيد في كل رمز بريدي»، وهو الشعار الذي وضع تقليص الفوارق الجغرافية في قلب المشروع الاقتصادي للحكومة الجديدة. وفي مقال بصحيفة الغارديان، وصف الكاتب المتخصص في قضايا التنمية الإقليمية بيتر هيذرينغتون المشكلة بأنها أشبه بـ«قوة جذب» تمارسها لندن على الاستثمار والبنية التحتية والعمالة الماهرة.
وتريد حكومة بيرنهام أن يحصل رؤساء البلديات للمرة الأولى على حصة من ضريبة الدخل، وأن تحتفظ مناطقهم بجزء أكبر من عائدات ضرائب الأعمال، على أن يبدأ التغيير الأخير من الربيع المقبل، فيما تُعلن تفاصيل تقاسم إيرادات ضريبة الدخل ضمن خريطة طريق في الموازنة. وتشمل الخطة أيضًا صلاحيات أوسع في النقل والإسكان والمهارات والتوظيف.
وبرر بيرنهام الخطوة بالقول إن من يعيشون في المناطق هم الأقدر على معرفة احتياجاتها، وإن الهدف هو أن تستفيد المجتمعات مباشرة عندما ينمو اقتصادها.
لكن خطة بيرنهام لا تبدأ الجدل من الصفر؛ بل تدخل في نقاش بريطاني قائم حول ما يسميه البعض «قوة الجذب» التي تمارسها لندن على الاستثمار والوظائف والمهارات.
هل أصبحت لندن قوة جذب يصعب مقاومتها؟

أعاد الكاتب المتخصص في التنمية الإقليمية بيتر هيذرينغتون طرح القضية في مقال نشرته صحيفة الغارديان، الثلاثاء 11 أغسطس/آب، متسائلًا كيف يستطيع بيرنهام الوفاء بوعده بتحقيق النمو «في كل رمز بريدي» بينما تواصل العاصمة جذب استثمارات ضخمة في التكنولوجيا والبنية التحتية.
ويضرب هيذرينغتون مثالًا بمشروع Lower Thames Crossing، الذي تتراوح تكلفته المقدرة بين 10 و11 مليار باوند حول شرق لندن، مقابل مشروعات بنية تحتية أُلغيت أو تقلصت في مناطق شمالية.
لكن حجته لا تعتمد على الإنفاق الحكومي وحده.
ويقول أستاذ الجغرافيا الاقتصادية بجامعة كامبريدج رون مارتن إن لندن تمر بعملية إعادة تشكيل جديدة، بعدما تحولت خلال القرن الماضي من مركز للصناعات الاستهلاكية إلى عاصمة للخدمات المالية، ثم أصبحت الآن مركزًا عالميًا متناميًا للتكنولوجيا. وتشير أرقام أوردها المقال إلى أن «المثلث الذهبي» بين لندن وأوكسفورد وكامبريدج استحوذ على قرابة 70 في المئة من الاستثمار في قطاعات التكنولوجيا عالية النمو عام 2023.
بالنسبة إلى أصحاب هذا الاتجاه، المشكلة تشبه دائرة تغذي نفسها: رأس المال يذهب إلى الأماكن التي تتوافر فيها الشركات والبنية التحتية والمهارات، فتجذب هذه الأماكن مزيدًا من الشركات والعمالة والاستثمار.
المستثمرون يرون لندن «أكثر أمانًا»
وتقدم أبحاث معهد الدراسات المالية (IFS) تفسيرًا آخر لهذه الفجوة.
فالباحثتان سونيا كروتيكوفا وشياووي شو استعرضتا في يناير/كانون الثاني أبحاثًا تشير إلى أنه منذ الأزمة المالية عام 2008 أصبح المستثمرون ينظرون إلى لندن باعتبارها أقل مخاطرة من عدد من المدن البريطانية الأخرى، ولذلك يقبلون بعوائد أقل على الاستثمار فيها، بينما يطلبون عائدًا أعلى لوضع أموالهم خارج العاصمة.
ويصف البحث النتيجة بأنها انقسام فعلي إلى «عالمين ماليين»: لندن والمناطق المحيطة بها من جهة، ومدن ومناطق تواجه تكلفة أعلى لجذب رأس المال من جهة أخرى. ويربط الباحثون ذلك جزئيًا بالتمركز الشديد للمؤسسات المالية البريطانية في لندن، بما يجعل المستثمرين أكثر معرفة بالعاصمة وأقل قدرة على تقدير المخاطر في المدن الأخرى.
ولا يتوقف الأمر عند رأس المال. فبحسب الأبحاث نفسها، يعيش 44 في المئة من الخريجين بعيدًا عن مناطق نشأتهم بحلول سن 32 عامًا، وينتهي ما يقرب من ثلث الخريجين المنتقلين من خارج العاصمة في لندن بحلول سن 27 عامًا.
وهكذا قد تفقد المنطقة الأضعف الاستثمار والعمالة الماهرة معًا.
لكن هل المشكلة فعلًا أن لندن «قوية أكثر من اللازم»؟

هنا يظهر اتجاه آخر في النقاش.
يقول مركز الأبحاث Centre for Cities إن ضعف المدن البريطانية الكبرى خارج لندن يمثل في حد ذاته واحدة من أكبر مشكلات الاقتصاد البريطاني، لكنه يرى مؤشرات على أن الصورة بدأت تتغير.
وبحسب الباحث يونزه وانغ، أظهرت البيانات الرسمية للمرة الأولى منذ أكثر من عقد تقاربًا في الإنتاجية بين لندن والمدن الكبرى الأخرى، مع نمو إنتاجية المدن الكبيرة خارج العاصمة بسرعة تعادل نحو ضعف بقية البلاد، بينما أصيبت إنتاجية لندن بالركود.
ومن هذه الزاوية، لا يكون الهدف جعل لندن أقل نجاحًا حتى تضيق الفجوة على الورق.
فالتقارب الناتج عن توقف العاصمة عن النمو لا يعالج مشكلة الاقتصاد البريطاني؛ المطلوب هو أن تصبح مانشستر وليدز وبرمنغهام وليفربول وغيرها أكثر إنتاجية وقدرة على جذب الشركات والعمالة الماهرة.
وحتى Centre for Cities يتعامل بحذر مع أرقام اللحاق بلندن، معتبرًا أن الاتجاه ما زال حديثًا وهشًا وليس تحولًا محسومًا.
ماذا تغير خطة بيرنهام؟

هنا يأتي الرهان الذي تطرحه الحكومة الجديدة.
فبدل اعتماد المدن بصورة كبيرة على منح تقررها وستمنستر، تريد خطة بيرنهام منحها مصدرًا ماليًا مرتبطًا مباشرة بنمو الاقتصاد المحلي.
ويرى توماس بوب، نائب كبير الاقتصاديين في معهد الحكومة، أن منح رؤساء البلديات حصة من ضريبة الدخل وضرائب الأعمال قد يكون «الجزء الأكثر جذرية» في أجندة بيرنهام، لأنه يمنح المناطق تمويلًا طويل الأجل وحافزًا للاستثمار في النمو، مع حرية أكبر من القيود التي ترتبط عادة بالمنح المركزية.
لكن بوب يحذر من مفارقة واضحة: المناطق الأسرع نموًا ستجمع ضرائب أكثر، وبالتالي قد تحصل على مزيد من الأموال، بينما تحصل المناطق المتأخرة على أقل.
ولهذا يرى معهد الحكومة أن النظام سيحتاج إلى منح أو آلية لمعادلة التمويل تعوض المناطق الأضعف، إضافة إلى ترتيبات أقوى للمحاسبة المحلية. وإلا فقد تنتهي سياسة صُممت لتضييق الفجوة إلى توسيعها.
ولندن أيضًا تريد مزيدًا من السلطة
اللافت أن العاصمة نفسها لا تعارض مبدأ نقل السلطة من وستمنستر.
ووصف ستيفن كوان، رئيس منظمة London Councils التي تمثل مجالس العاصمة، منح السلطات الإقليمية حصة من ضريبة الدخل بأنه «تقدم حقيقي نحو تفويض حقيقي»، مطالبًا بأن تحصل لندن نفسها على مزيد من الاستقلال المالي، وأن تشارك مجالس أحيائها في تحديد كيفية إنفاق الإيرادات الجديدة.
وهذا يضيف طبقة أخرى إلى الجدل: القضية ليست ببساطة صراعًا بين لندن التي تريد الاحتفاظ بالسلطة ومدن أخرى تريد انتزاعها.
بل إن لندن ومانشستر ومدنًا أخرى تطالب جميعها بدرجات أكبر من الاستقلال عن الحكومة المركزية، بينما يبقى السؤال عن كيفية منع قوة الاقتصاد المحلي من تحديد مقدار السلطة والمال اللذين يمكن لكل منطقة استخدامهما.
أكثر من مجرد «شمال ضد جنوب»
وتشير أبحاث معهد الدراسات المالية إلى أن الحل بدوره لا يمكن اختزاله في نقل الضرائب.
فكروتيكوفا وشو تريان أن الفوارق الإقليمية ناتجة عن قيود متشابكة تشمل التمويل والمهارات والوظائف والتعليم وهجرة العمالة، ولذلك لا يكفي إصلاح عامل واحد. وتحذران من أن تحسين مهارات الشباب مثلًا لن يحل المشكلة إذا لم توجد وظائف محلية تجعلهم يبقون في مناطقهم.
لكن الأبحاث تحمل إشارة لافتة لمصلحة نموذج التفويض أيضًا: المنطقتان الحضريتان خارج لندن اللتان بدأت تكلفة الاستثمار فيهما تقترب من مستويات العاصمة هما مانشستر الكبرى وويست ميدلاندز، وهما من أكثر المناطق الإنجليزية حصولًا على صلاحيات مفوضة.
وفي الوقت نفسه، يشدد الباحثون على أن تحسن الاستثمار لم يتحول بعد بالضرورة إلى نتائج أفضل لجميع السكان المحليين.
وهكذا يصبح الجدل الذي تعكسه خطة بيرنهام أوسع من العبارة البريطانية التقليدية عن «فجوة الشمال والجنوب».
أحد الاتجاهات يرى أن عقودًا من تركيز الاستثمار والقرار والتمويل حول لندن خلقت قوة جذب يصعب على المناطق الأخرى منافستها. واتجاه آخر يرى أن إضعاف هذه القوة لن يجعل بريطانيا أغنى، وأن المطلوب هو منح المدن الأخرى الأدوات التي تسمح لها ببناء مراكز نمو منافسة.
وبين الاتجاهين تراهن حكومة بيرنهام على أن نقل جزء من المال والقرار من وستمنستر يمكن أن يبدأ تغيير المعادلة. لكن حتى المؤيدين للفكرة يحذرون من أن نجاحها سيعتمد على ما هو أكثر من مجرد إعادة توزيع الضرائب: البنية التحتية، والاستثمار، والمهارات، وقدرة المناطق الأضعف على ألا تبدأ السباق وهي متأخرة أصلًا بعدة أشواط.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇