خدمة وطنية للرعاية مقابل تعديل رواتب التقاعد.. رهان بيرنهام يفتح معركة التمويل
خدمة وطنية للرعاية مقابل تعديل معاشات التقاعد.. رهان بيرنهام يفتح معركة التمويل
وعد رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام بإنشاء «خدمة وطنية للرعاية» تقدم رعاية شخصية مجانية لكبار السن وفق احتياجاتهم لا قدرتهم على الدفع، على أن يبدأ تطبيقها تدريجيًا خلال الدورة البرلمانية المقبلة.
لكن الوعد، الذي وصفه بيرنهام بأنه إصلاح يضاهي في أهميته إنشاء هيئة الخدمات الصحية الوطنية، فتح معركة سياسية حول نطاق الخدمة وكلفتها وطريقة تمويلها، ولا سيما بعدما أعلن تعديل سياسة «القفل الثلاثي» لرواتب التقاعد اعتبارًا من أبريل/نيسان 2030، وتوجيه الوفر الناتج إلى المشروع الجديد.
وبذلك لا تقتصر الخطة على وعد بإصلاح نظام الرعاية المتعثر، بل تقترح مقايضة سياسية واضحة: استمرار ارتفاع رواتب التقاعد الحكومي سنويًا، ولكن وفق ضمان أقل كلفة من النظام الحالي، مقابل إنشاء خدمة يُفترض أن تحمي كبار السن من جانب من نفقات الرعاية.
ماذا وعد بيرنهام؟

قال بيرنهام، في خطابه أمام مؤتمر حزب العمال في ليفربول يوم الثلاثاء 29 سبتمبر/أيلول، إن الخدمة الجديدة ستقدم رعاية شخصية عالية الجودة تبدأ من المنزل، وتكون مجانية عند الاستخدام، مع تحسين أوضاع العاملين في قطاع الرعاية وربط عملهم بصورة أوثق بهيئة الخدمات الصحية الوطنية.
وتشمل الرعاية الشخصية المساعدة على أداء الاحتياجات اليومية الأساسية، مثل تناول الطعام والاستحمام وارتداء الملابس واستخدام المرحاض وتناول الأدوية.
وبحسب الإعلان الحكومي، ستُتاح هذه الرعاية لكبار السن بناءً على تقييم احتياجاتهم، بدل إخضاعها لاختبار قدرتهم المالية كما يحدث في النظام الحالي.
وحذّر بيرنهام من أن استمرار أزمة الرعاية الاجتماعية سيؤدي في النهاية إلى إنهاك هيئة الخدمات الصحية الوطنية، بسبب زيادة استدعاءات سيارات الإسعاف والضغط على أقسام الطوارئ، وبقاء مرضى في المستشفيات رغم جاهزيتهم طبيًا للخروج لعدم توافر الرعاية المناسبة في منازلهم.
وقال إن تخفيف هذه الضغوط قد يحقق وفرًا لهيئة الخدمات الصحية، إلى جانب تحسين حياة كبار السن وأسرهم.
هل ستكون جميع خدمات الرعاية مجانية؟

لا تعني الخطة المعلنة أن جميع أشكال الرعاية الاجتماعية أو الإقامة في دور المسنين ستصبح مجانية.
فالتفاصيل الحكومية المنشورة حتى الآن تتحدث تحديدًا عن توفير «الرعاية الشخصية» مجانًا لمن تجاوزوا 65 عامًا، وليس تحمل الدولة جميع تكاليف الإقامة والطعام والخدمات المنزلية والمساندة الاجتماعية.
ويكتسب هذا التمييز أهمية لأن تكلفة الإقامة في دار الرعاية لا تقتصر على المساعدة الشخصية أو التمريض، بل تشمل السكن والطعام وخدمات أخرى قد تبقى خاضعة للدفع أو لاختبار الموارد المالية.
وتشير مؤسسة نافيلد تراست إلى أن تجربة اسكتلندا توضح حدود الرعاية الشخصية المجانية؛ إذ لا يزال المقيمون في دور الرعاية يتحملون تكاليف الإقامة والمعيشة إذا تجاوزت أصولهم الحد المالي المقرر.
وفي إنجلترا، يخضع دعم المجالس المحلية حاليًا لاختبار مالي. ومن يملك أصولًا تزيد قيمتها على 23,250 باوندًا يُطلب منه عادة تحمل التكلفة الكاملة لرعايته، بينما قد يحصل من تقل أصوله عن هذا السقف على دعم كلي أو جزئي بحسب موارده واحتياجاته.
ولهذا لم يتضح بعد إلى أي مدى ستحمي الخطة الجديدة المنازل والمدخرات من تكاليف الرعاية المرتفعة، ولا سيما بالنسبة إلى المصابين بالخرف أو أصحاب الاحتياجات المعقدة الذين قد يحتاجون إلى دعم يتجاوز تعريف الرعاية الشخصية.
كما لا توضح الخطة حتى الآن مصير نحو 300 ألف شخص دون سن 65 عامًا يحتاجون إلى الرعاية والمساندة في إنجلترا.
تعديل القفل الثلاثي لتمويل الخدمة
على خلاف ما توحي به بعض التغطيات، حدد بيرنهام مسارًا رئيسًا لتمويل الخدمة، وإن لم تُحسم بعد جميع التفاصيل أو مواعيد التنفيذ.
وتعهد بالإبقاء على «القفل الثلاثي» بصورته الحالية حتى أبريل/نيسان 2030، التزامًا ببرنامج حزب العمال الانتخابي خلال الدورة البرلمانية الحالية.
ويضمن النظام الحالي زيادة راتب التقاعد الحكومي كل عام بأعلى نسبة من بين ثلاثة مؤشرات: التضخم، أو نمو الأجور، أو 2.5 في المئة.
أما بعد أبريل/نيسان 2030، فيقترح بيرنهام تعديل النظام بحيث يرتفع الراتب التقاعدي سنويًا بنسبة التضخم أو 2.5 في المئة، أيهما أعلى، مع إضافة آلية تحافظ على قيمته مقارنة بمتوسط الأجور على المدى الطويل.
ويعني ذلك أن الراتب التقاعدي سيستمر في الارتفاع ولن تنخفض قيمته الاسمية، لكنه لن يحصل بالضرورة على زيادة سنوية كاملة تعادل نمو الأجور كلما تجاوز هذا النمو التضخم و2.5 في المئة.
وتقدر الحكومة أن التعديل سيخفض الإنفاق المتوقع على رواتب التقاعد بنحو 15 مليار باوند سنويًا بحلول نهاية ثلاثينيات القرن الحالي، ترتفع إلى نحو 50 مليارًا سنويًا بحلول عام 2050.
ومن المقرر استخدام هذا الوفر في بناء خدمة الرعاية تدريجيًا، بالتوازي مع زيادة أعداد العاملين ورفع قدرة الجهات المقدمة للخدمة.
مراجعة كيسي تحسم شكل التطبيق
ستتولى اللجنة المستقلة التي ترأسها البارونة لويز كيسي وضع توصيات أكثر تفصيلًا بشأن نطاق الخدمة وطريقة تنفيذها ومراحل بنائها، ومن المقرر نشر تقريرها في صيف عام 2027 بدل الانتظار حتى عام 2028.
وقال بيرنهام إن المشروع سيمول بالكامل من دون اللجوء إلى الاقتراض، وإن التنفيذ سيجري على مراحل خلال الدورة البرلمانية المقبلة مع تزايد الوفر الناتج من تعديل القفل الثلاثي.
لكن هذا الجدول يعني أن الخدمة لن تبدأ قبل الانتخابات العامة المقبلة، وأن الوصول إلى تطبيقها الكامل قد يستغرق سنوات أخرى بعد ذلك.
كما تعتزم الحكومة التشريع خلال الدورة الحالية لتعديل القفل الثلاثي، بما يضع الأساس المالي للخطة قبل بدء تنفيذها.
تجربة شخصية وراء الوعد
ربط بيرنهام تعهده بتجربة أسرته مع نظام الرعاية، وتحدث عن معاناة جدته، ثم عن العاملين الذين اعتنوا بوالده روي، الذي كان مصابًا بألزهايمر وتوفي قبل انعقاد المؤتمر بأيام.
وقال إن هؤلاء العاملين حافظوا على استمرار نظام مهترئ رغم حصولهم على أجور متدنية، واعتذر إليهم عن إخفاق السياسيين طويلًا في الاعتراف بقيمة عملهم وتحسين أوضاعهم.
وتعهد بعدم مغادرة منصبه من دون بذل كل ما يستطيع لتغيير أوضاعهم، وقال إنه سيعمل على إنشاء الخدمة تخليدًا لذكرى والده واحترامًا لمن قدموا له الرعاية.
ولم يعلن بيرنهام حتى الآن جدول أجور محددًا للعاملين أو كيفية دمج القوى العاملة في قطاع الرعاية مع العاملين في هيئة الخدمات الصحية، على أن تتناول مراجعة كيسي هذه التفاصيل.
كم قد تكلف الخدمة؟
تعتمد الكلفة على الخدمات التي ستغطيها الدولة وعلى شروط الاستحقاق وسرعة التطبيق.
وتقدر نافيلد تراست أن تطبيق نموذج للرعاية الشخصية المجانية في إنجلترا قد يكلف نحو 7.5 مليار باوند سنويًا بحلول نهاية الدورة البرلمانية المقبلة.
أما التقديرات التي تقترب من 18.7 مليار باوند سنويًا فتتعلق بخدمة أشمل تغطي نطاقًا أوسع من احتياجات الرعاية، وليست تقديرًا محسومًا لكلفة الخطة التي أعلنها بيرنهام بصورتها الحالية.
وبلغ الإنفاق العام على الرعاية الاجتماعية للبالغين في إنجلترا نحو 27.8 مليار باوند خلال عامَي 2024/2025، لكن المجالس والأسر ومتلقي الرعاية ما زالوا يتحملون تكاليف أخرى خارج هذا الرقم.
وقد يؤدي إلغاء رسوم الرعاية الشخصية إلى زيادة الطلب؛ إذ قد يتقدم أشخاص كانوا يعتمدون على أسرهم أو يدفعون ثمن الرعاية بأنفسهم للحصول على الخدمة العامة. ولذلك لن تتوقف كلفة الإصلاح على عدد المستفيدين الحاليين، بل ستعتمد أيضًا على حجم الطلب الذي يظهر بعد إزالة الرسوم.
انتقادات من المعارضة وأسئلة بلا إجابة
هاجم حزب ريفورم تعديل القفل الثلاثي، معتبرًا أنه سيأخذ جزءًا من الزيادات المستقبلية التي كان المتقاعدون يتوقعون الحصول عليها، بينما حذر محافظون من أن وصف الرعاية بأنها مجانية يخفي الضرائب أو الوفورات التي سيتحملها الجمهور لتمويلها.
وفي المقابل، تقول الحكومة إن النظام الجديد يقدم صفقة أشمل لكبار السن: راتباً تقاعدياً يرتفع سنويًا ويحافظ على قيمته مقارنة بالأجور على المدى الطويل، إلى جانب رعاية شخصية مجانية تحمي أصحاب الدخول المحدودة من دفع الرسوم من رواتبهم التقاعدية الأساسية.
ورحبت نقابات عمالية وجماعات تعمل في قطاع الرعاية بالمبدأ، لكنها شددت على أن نجاحه يعتمد على توفير التمويل الكافي وتحسين أجور العاملين ومعالجة النقص المزمن في القوى العاملة.
وتبقى أسئلة أساسية من دون إجابة: ما الخدمات التي ستدخل تحت مظلة المجانية؟ ومن سيحدد درجة الحاجة؟ وهل ستظل تكاليف الإقامة في دور الرعاية بلا سقف؟ وماذا سيحدث لمن يحتاجون إلى الرعاية قبل سن 65 عامًا؟
قدم بيرنهام عنوانًا سياسيًا كبيرًا وحدد مصدرًا رئيسًا لتمويله، لكنه لم يقدم بعد نظامًا مكتمل التفاصيل. وستحدد مراجعة كيسي ما إذا كانت «الخدمة الوطنية للرعاية» ستصبح نظيرًا حقيقيًا لهيئة الخدمات الصحية، أم تظل برنامجًا محدودًا للرعاية الشخصية يحمل اسمًا أكبر من نطاقه.
المصدر: الموقع الحكومي الرسمي Gov.UK
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇