العرب في بريطانيا | تحليل: انتهاء شهر العسل.. حكومة بيرنهام تنتقل م...

تحليل: انتهاء شهر العسل.. حكومة بيرنهام تنتقل من القرارات الشعبية إلى اختبارات الحكم

تحليل: انتهاء شهر العسل.. حكومة بيرنهام تنتقل من القرارات الشعبية إلى اختبارات الحكم
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

احتاج آندي بيرنهام إلى أيام قليلة فقط بعد دخوله داونينغ ستريت كي يترك بصمته على الحكومة الجديدة: خفض الضريبة على فواتير الكهرباء، وإعادة سقف تذكرة الحافلات إلى باوندين، وتخفيض ضرائب الأعمال على الحانات والنوادي وأماكن الموسيقى الحية، ثم إجراءات ضد الخصومات المضللة وفخاخ الاشتراكات.

كانت الرسالة بسيطة ومفهومة: الحكومة الجديدة تريد أن تفعل أشياء يشعر بها الناس سريعًا في حياتهم اليومية. وبالفعل، وصف بيرنهام استراتيجيته بأنها تراكم لـ«أشياء أصغر» يمكن أن تخفف في مجموعها الضغط عن الأسر.

لكن بعد أقل من شهر على وصوله إلى رئاسة الحكومة، تتغير طبيعة الأسئلة على مكتبه.

فالمشكلة في القرارات الأولى أنها كانت، سياسيًا على الأقل، قرارات يسهل قول «نعم» لها: فواتير أقل، وحافلات أرخص، ودعم للحانات، وتشديد على ممارسات تجارية لا يكاد أحد يدافع عنها علنًا.

أما الملفات التي تتقدم الآن إلى الواجهة فلا تسمح بهذه الرفاهية. في السجون، والهجرة، والطاقة، والموازنة، وحتى مستقبل شركات المياه، كل حل تقريبًا يحمل تكلفة، وكل تنازل لفئة يخلق مشكلة لفئة أخرى، وكل وعد يبدأ في الاصطدام بسؤال التمويل أو القانون أو القدرة الفعلية للدولة على تنفيذه.

وهذا هو المعنى الحقيقي لانتهاء شهر العسل بالنسبة إلى حكومة بيرنهام: ليس بالضرورة أن الجمهور انقلب عليها، وإنما أن مرحلة القرارات التي يمكن جمع مكاسبها السياسية بسهولة بدأت تفسح المجال لمرحلة أصعب، يصبح فيها الحكم عملية اختيار بين أولويات متعارضة ورغبات متصارعة.

السجون.. عندما يصطدم القرار الشعبي بحدود النظام

ربما تكون أزمة السجون أوضح مثال على التحول.

من السهل سياسيًا فهم غضب أسرة الشرطي أندرو هاربر والرأي العام من احتمال الإفراج المبكر عن بعض المدانين في مقتله، ومن السهل كذلك أن يقول رئيس الوزراء إنه لا يريد خروج مرتكبي الجرائم الخطيرة قبل إكمال عقوباتهم.

لكن الدولة تواجه في الوقت نفسه مشكلة أقل قابلية للشعارات: السجون ممتلئة.

الخطة الموروثة للإفراج المبكر تستهدف إخراج نحو خمسة آلاف سجين خلال عشرة أشهر بدءًا من أكتوبر/تشرين الأول لتوفير مساحات جديدة. وبعد تدخل بيرنهام، استُبعد بالفعل المدانون بالاغتصاب وبعض الجرائم الجنسية الخطيرة ضد الأطفال، فانخفض العدد المتوقع للإفراج عنه بنحو ألف شخص. وحذر مسؤولون في مصلحة السجون من أن إضافة استثناءات أخرى قد تعني ببساطة الحاجة إلى موجة جديدة من الإفراجات لاحقًا، لأن المشكلة الأساسية، وهي نقص الأماكن، لم تختفِ.

وهنا تظهر المعضلة التي لم تكن موجودة في خفض تذكرة الحافلة إلى باوندين.

إذا قررت الحكومة إبقاء مزيد من السجناء الخطرين خلف القضبان، فعليها إيجاد أماكن لهم. وإذا لم تستطع بناء تلك الأماكن بالسرعة الكافية، فمن الذي سيخرج بدلًا منهم؟

بل إن الأزمة تتقاطع مع أحد أول وعود بيرنهام نفسه. فقد جعل إنهاء النوم في الشوارع أولوية منذ خطابه الأول، لكن نحو واحد من كل ستة سجناء خرجوا في العام الأخير غادروا السجن من دون مسكن مستقر، ما يعني أن زيادة الإفراجات قد تدفع مشكلة السجون إلى الشارع وتضعف في الوقت نفسه سياسة أخرى تعهدت الحكومة بإنجاحها.

هذه هي طبيعة الحكم التي يصعب اختزالها في إعلان شعبي واحد: أحيانًا لا يكون السؤال ما القرار الصحيح، وإنما أي مشكلة ستقبل الحكومة بتحملها كي تحل مشكلة أخرى.

موازنة أكتوبر.. عندما تصل الفاتورة

إذا كانت السجون تكشف حدود القدرة التنفيذية، فإن موازنة 28 أكتوبر/تشرين الأول ستكشف حدود القدرة المالية.

حتى الآن استطاع بيرنهام تقديم سلسلة من الإجراءات التي تحمل أثرًا مباشرًا وواضحًا: إلغاء ضريبة القيمة المضافة على الكهرباء، وسقف الحافلات، وتخفيف ضرائب بعض الأعمال. لكنه بدأ بالفعل يعترف بأن المساحة المالية المتاحة أمام الحكومة محدودة، وقال هذا الأسبوع إنه يواجه «آفاقًا مالية صعبة» وإنه لن يقدم وعودًا لا يستطيع تمويلها.

والمشكلة لا تبدأ من الصفر.

فالحكومة الجديدة ورثت فجوة بنحو 4.7 مليارات باوند في خطط الإنفاق الدفاعي، في وقت تريد فيه بريطانيا زيادة الإنفاق العسكري والوفاء بالتزاماتها داخل الناتو، بينما تعهد بيرنهام ووزير الخزانة جون هيلي بالالتزام بالقواعد المالية القائمة.

وهنا يبدأ الاختبار الأثقل لرؤية بيرنهام الاقتصادية.

فهو يريد حكومة أكثر حضورًا في الإسكان والمياه والطاقة والنقل، ويريد تخفيف تكلفة المعيشة، وزيادة الاستثمار، وحماية الخدمات العامة، وفي الوقت نفسه تجنب العودة إلى زيادات ضريبية واسعة أو فتح الباب أمام اقتراض غير منضبط.

يمكن جمع هذه الأهداف في خطاب سياسي. الموازنة لا تسمح بذلك.

في أكتوبر/تشرين الأول ستتحول كل أولوية إلى رقم، وكل وعد إلى بند إنفاق، وكل تخفيف ضريبي إلى مال ينبغي العثور عليه في مكان آخر. عندها لن يعود السؤال: ماذا تريد حكومة بيرنهام أن تفعل؟ بل: ما الذي تعتبره أهم بما يكفي كي تنفق عليه، وما الذي ستقبل بتأجيله أو تقليصه؟

الهجرة.. توزيع العبء لا يلغي كلفته

ويظهر النوع نفسه من المفاضلات في ملف إسكان طالبي اللجوء.

بيرنهام طرح حجة يصعب تجاهلها: لا ينبغي أن تظل المجتمعات الأفقر، حيث الإيجارات أرخص، هي التي تتحمل بصورة غير متناسبة إسكان طالبي اللجوء.

ولهذا تدرس الحكومة رفع السقف الذي تستطيع وزارة الداخلية دفعه لاستئجار مساكن من القطاع الخاص، بحيث يمكن توزيع طالبي اللجوء على مناطق أوسع وأكثر ثراءً بدل تركيزهم في المناطق الأرخص، إلى جانب تقليل الاعتماد على الفنادق واستخدام بعض المواقع العسكرية السابقة.

لكن إصلاح عدم العدالة في التوزيع لا يجعل المشكلة تختفي.

إذا دفعت الحكومة إيجارات أعلى، ترتفع التكلفة على الخزانة. وإذا وزعت طالبي اللجوء على مناطق لم تكن تستقبل أعدادًا كبيرة من قبل، ستواجه اعتراضات محلية جديدة. وإذا استمرت في الاعتماد على المناطق الأرخص، ستبقي الضغط مركزًا في مجتمعات تشعر أصلًا بأنها تحمل نصيبًا أكبر من الأعباء العامة.

هنا أيضًا لا توجد إجابة تسمح للحكومة بإرضاء الجميع.

والاختبار بالنسبة إلى بيرنهام لن يكون في قدرته على القول إن «الجميع يجب أن يؤدي دوره»، وإنما في قدرته على تحديد كيف يُوزع هذا الدور، ومن يدفع تكلفته، وكيف يمنع محاولة تحقيق عدالة جغرافية أكبر من التحول إلى صراع سياسي جديد حول الهجرة والسكن.

بحر الشمال.. حين لم يعد المناخ قضية نشطاء فقط

لكن ربما يكون ملفا حقلي Rosebank وJackdaw النفطيان الاختبار الأكثر تعقيدًا لرؤية بيرنهام نفسها.

رئيس الوزراء تحدث عن التعامل مع نفط وغاز بحر الشمال بـ«براغماتية»، فيما ينتظر المشروعان، اللذان تعطلا بعد تحديات قضائية، قرارات جديدة تسمح بالمضي في تطويرهما. وتضغط مجموعات أعمال ونقابات من أجل الاستفادة من بحر الشمال لدعم الوظائف والصناعة وأمن الطاقة، وهي أهداف تنسجم مع وعد بيرنهام بإعادة تصنيع الاقتصاد البريطاني.

لو كانت هذه المناقشة تجري قبل سنوات، لكان من السهل تصويرها باعتبارها صراعًا بين مصالح صناعية من جهة ونشطاء بيئيين يطالبون بوقف النفط والغاز من جهة أخرى.

لكن صيف 2026 جعل هذه الثنائية أضعف بكثير.

إنجلترا وويلز سجلتا أحد أكثر أشهر يوليو/تموز جفافًا منذ بدء التسجيلات، ولم تحصل إنجلترا سوى على نحو 10 في المئة من معدل الأمطار المعتاد لذلك الشهر، فيما دخل أكثر من 70 في المئة من إنجلترا حالة جفاف، وواجه عشرات الملايين قيودًا على استخدام المياه.

وسبق ذلك تكرار موجات حر غير معتادة، ثم حرائق واسعة وتأثيرات مباشرة على الزراعة والمياه والصحة والحياة اليومية. وقد اضطرت الحكومة نفسها إلى عقد اجتماع طارئ للجنة «كوبرا» للتعامل مع موجات الحر والجفاف والحرائق، قبل إعلان دعم إضافي للمزارعين المتضررين من الجفاف.

والأهم سياسيًا أن هذا الصيف ترك أثرًا في الرأي العام. ففي استطلاع لـIpsos نُشر في أغسطس/آب، قال 74 في المئة من البريطانيين إنهم قلقون بشأن تغير المناخ، مقارنة بـ69 في المئة قبل الصيف، بينما قال 56 في المئة إن الطقس القاسي عطل بدرجة ما أنشطة يومية مثل العمل أو النوم أو ممارسة الرياضة.

أي أن تكلفة تغير المناخ لم تعد بالنسبة إلى كثيرين رسمًا بيانيًا عن درجات الحرارة في 2050، ولا قضية تخص جماعات البيئة وحدها. لقد ظهرت هذا الصيف في الحقول الجافة، وقيود المياه، والحرائق، والمنازل التي يصعب تبريدها، وفي القلق على المحاصيل وأسعار الغذاء.

لم يعد الخلاف بين الحكومة من جهة وناشطي البيئية من جهة بل أصبح التغيير المناخي قضية رأي عام| الصورة: توضيحية (AI)

وهنا تصبح «البراغماتية» التي يتحدث عنها بيرنهام أصعب بكثير في التطبيق.

فالموافقة على Rosebank وJackdaw يمكن الدفاع عنها بوظائف بحر الشمال، وأمن الطاقة، والحاجة إلى انتقال لا يدمر المجتمعات التي تعتمد على صناعة النفط والغاز. لكن القرار نفسه سيصدر بعد صيف رأى فيه الناس، بصورة مباشرة، وجهًا آخر لكلفة الاعتماد المستمر على الوقود الأحفوري.

أما رفض المشروعين، فسيفتح سؤالًا معاكسًا: كيف تتحدث الحكومة عن إعادة التصنيع وأمن الطاقة ودعم الوظائف الصناعية، ثم تستبعد موارد موجودة بالفعل في بحر الشمال؟

هذه ليست مواجهة بين بيرنهام ونشطاء البيئة فقط. إنها مواجهة بين أهداف يؤمن بها بيرنهام نفسه: الصناعة والوظائف وأمن الطاقة من جهة، والتحول الأخضر والاستجابة لمخاطر مناخية أصبحت أكثر حضورًا في حياة الناخب من جهة أخرى.

وفي القرارات السهلة يمكن للحكومة أن تعد بالاثنين. في Rosebank وJackdaw قد تضطر إلى تحديد أيهما يأتي أولًا.

Thames Water.. حين يصبح «التحكم العام» قرارًا ماليًا

ويظهر اختبار مشابه، وإن بصورة مختلفة، في مستقبل Thames Water.

بيرنهام تحدث طويلًا عن حاجة الدولة إلى استعادة قدر أكبر من السيطرة على الخدمات الأساسية، ورأى قبل دخوله داونينغ ستريت أن الملكية العامة قد تكون الحل الأفضل في حالة الشركة المثقلة بالديون.

لكن الوصول إلى الحكومة يحول الفكرة إلى سؤال عملي: هل تُؤمَّم الشركة؟ أم تقبل الحكومة خطة إنقاذ يقودها الدائنون مع رقابة عامة أقوى؟ وما التكلفة والمخاطر القانونية التي ستترتب على كل خيار؟

الدائنون قدموا بالفعل مقترحًا يمنح الدولة «حصة ذهبية» وصلاحيات أوسع في مقابل تجنب التأميم، وهدد بعضهم باللجوء إلى القضاء إذا اختارت الحكومة الاستحواذ على الشركة.

لا يحتاج هذا الملف إلى الغرق في مليارات الديون وتفاصيل إعادة الهيكلة كي يؤدي وظيفته في القصة. فهو يوضح ببساطة المسافة بين شعار جذاب مثل «إعادة السيطرة العامة» وبين اللحظة التي يتعين فيها على الحكومة أن تحدد شكل هذه السيطرة وثمنها ومن يتحمل مخاطرها.

من سياسة الجمع إلى سياسة الاختيار

خلال أسابيعه الأولى، استطاع بيرنهام أن يقدم السياسة باعتبارها عملية جمع: فواتير أقل، وحافلات أرخص، ودعمًا أكبر للمجتمعات، وسيطرة عامة أقوى، واستثمارًا أكثر، واقتصادًا أكثر عدالة.

المرحلة المقبلة ستكون أقل سخاء.

فالسجون ستجبره على الاختيار بين مطالب العدالة والقدرة الاستيعابية للنظام. والهجرة ستضع عدالة توزيع العبء في مواجهة التكلفة والقبول المحلي. وقرارات بحر الشمال ستختبر إمكانية الجمع بين إعادة التصنيع والسياسة المناخية. أما الموازنة فستحول جميع هذه التناقضات إلى أرقام لا يمكن الهروب منها، فيما تقدم Thames Water نموذجًا صغيرًا لما يحدث عندما ينتقل شعار «الدولة الأكثر حضورًا» من المنصة إلى دفتر الحسابات.

وهذا لا يعني بالضرورة أن البداية السريعة كانت مجرد «شهر عسل» خادع، أو أن القرارات الأولى بلا قيمة. العكس ربما يكون صحيحًا: بيرنهام تعمد أن يبدأ بأشياء ملموسة تستطيع الحكومة تنفيذها ويشعر بها الناخب سريعًا.

لكن الحكم لا يُقاس فقط بقدرة رئيس الوزراء على العثور على قرارات يحبها الناس. اللحظة الأصعب تأتي عندما تصبح الخيارات الجيدة نفسها متعارضة، ويصبح تنفيذ أحد الوعود مشروطًا بالتراجع عن آخر أو دفع ثمن سياسي ومالي واضح.

بعد الأسابيع الأولى، لم يعد التحدي أمام حكومة بيرنهام أن تثبت أنها مختلفة عن الحكومة السابقة. لقد نجحت إلى حد بعيد في صناعة هذا الانطباع.

التحدي الآن هو أن تثبت أن رؤيتها تستطيع البقاء متماسكة عندما تبدأ كلفة تطبيقها في الظهور. وهنا تحديدًا تنتهي مرحلة القرارات الشعبية، ويبدأ الحكم.

 


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا