تحليل: لا أثق بأحد.. فانس يعيد تعريف العلاقة بين أمريكا وإسرائيل
لم تكن عبارة جي دي فانس: “لا أثق بأحد” مجرد رد عابر في مقابلة طويلة مع بودكاست بريطاني شهير.
كانت طريقة حذرة لقول شيء أخطر سياسيًا:
لم تعد إسرائيل تحظى، حتى داخل جزء من اليمين الأمريكي الحاكم، بثقة تلقائية أو تطابق كامل مع المصالح الأمريكية.
فحين سأله ستيفن بارتليت، مقدم البودكاست البريطاني “The Diary of a CEO“، عما إذا كان يثق بإسرائيل، لم يقل فانس نعم، ولم يقل لا، بل اختار صيغة أوسع: “لا أثق بأحد في السياسة الدولية والدبلوماسية”.

في الظاهر، تبدو الإجابة مجرد واقعية سياسية.
لكن أهميتها أنها جاءت في سياق حديث مباشر عن إسرائيل، وعن الخلاف بين واشنطن وتل أبيب بعد مذكرة التفاهم الأمريكية مع إيران، وعن غضب دونالد ترامب من ضربات إسرائيلية كادت تعطل مسار الاتفاق.
ولهذا لا تبدو الجملة مجرد تحفظ دبلوماسي.
بل علامة على تحول أعمق داخل حركة “ماغا” واليمين الأمريكي: المصالح الأمريكية لم تعد تُعرض بالضرورة كما لو كانت امتدادًا تلقائيًا للمصالح الإسرائيلية.
رسالة إلى بريطانيا والعالم الأنجلوساكسوني

ليست مصادفة أن يقول فانس ذلك في بودكاست بريطاني واسع الانتشار، يقدمه ستيفن بارتليت، أحد أشهر وجوه الإعلام الرقمي في بريطانيا.
فاللقاء لم يكن موجهًا إلى الداخل الأمريكي وحده، بل كان أيضًا رسالة إلى جمهور أنجلوساكسوني أوسع: بريطانيا، وكندا، وأستراليا، والناطقين بالإنجليزية الذين يتابعون السياسة الأمريكية بوصفها جزءًا من مستقبلهم السياسي والأمني.
من هذه الزاوية، بدا فانس كأنه يشرح النسخة الجديدة من شعار “أمريكا أولًا” خارج واشنطن.
إسرائيل حليف.. لكنها ليست أمريكا
أقوى ما قاله فانس في اللقاء لم يكن نقدًا مباشرًا لإسرائيل، بل إعادة تعريف للعلاقة معها.
فهو لم ينكر أهمية إسرائيل بوصفها حليفًا، وتحدث عنها باعتبارها دولة متقدمة، ذات اقتصاد قوي، وقدرات استخباراتية كبيرة، وشراكة واسعة مع الولايات المتحدة.
لكنه رفض الفكرة الأهم في الخطاب التقليدي المؤيد لإسرائيل داخل واشنطن: أن مصالح البلدين متطابقة دائمًا.
قال بوضوح إن الولايات المتحدة وإسرائيل دولتان مختلفتان، لهما احتياجات مختلفة، ومصالح مختلفة، وجغرافيا مختلفة.
هذه ليست جملة عادية، بل بداية فك ارتباط في المخيلة السياسية الأمريكية.
فطوال عقود، كانت قوة التحالف الأمريكي الإسرائيلي لا تقوم فقط على الدعم العسكري والسياسي، بل على رواية أوسع تقول إن ما تريده إسرائيل هو، في جوهره، ما تريده أمريكا أيضًا: أمن إسرائيل هو أمن أمريكا، وأعداء إسرائيل هم أعداء أمريكا، وأولويات إسرائيل الإقليمية جزء من أولويات واشنطن.
أقر بوجود نقاط التقاء واسعة، لكنه أكد أن التلاقي ليس تطابقًا.
وهذه المسافة الصغيرة في اللغة قد تكون كبيرة جدًا في السياسة.
“ليبيا على الطريقة الفارسية”
لا يمكن فصل كلام فانس عن لحظة ما بعد الحرب مع إيران.
فواشنطن كانت تريد تثبيت مذكرة تفاهم مع طهران، وفتح فترة تفاوض جديدة، وإعادة فتح مضيق هرمز، ومنع الحرب من التحول إلى صراع إقليمي مفتوح.
أما إسرائيل، أو على الأقل دوائر مؤثرة داخل حكومتها، فكانت تتحرك بمنطق مختلف: مواصلة الضغط العسكري على إيران وحلفائها حتى تفكيك إيران نفسها، وعدم السماح لمسار التهدئة بأن يقيد قدرتها على الضرب في لبنان أو غيره.
هنا ظهر التباين إلى السطح.
في حديثه عن بنيامين نتنياهو، لم يدّعِ فانس أنه يعرف بالضبط ما يريده رئيس الوزراء الإسرائيلي، لكنه قال إن بعض الدوائر داخل إسرائيل قد ترغب في تحويل إيران إلى “ليبيا فارسية”، أي دولة فاشلة كبيرة وممزقة.
ثم قال بوضوح إن هذا السيناريو ليس في مصلحة الولايات المتحدة.
هنا تكمن النقطة المركزية.
فانس لا يقول إن إسرائيل عدو.
ولا يقول إن التحالف انتهى.
بل يقول إن الهدف الإسرائيلي المحتمل بتفكيك إيران لا يجب أن يصبح هدفًا أمريكيًا.
الخلاف خرج من الغرف المغلقة
لكن هذه اللغة لا تمر بسهولة داخل اليمين الأمريكي.
ردود الفعل التي تلت تصريحات فانس كشفت أن حركة “ماغا” نفسها، واليمين الأمريكي عمومًا، لم يعودا كتلة واحدة في التعامل مع إسرائيل.
هناك تيار يرى أن دعم إسرائيل يجب أن يبقى شبه مطلق، وأن أي ضغط علني عليها في لحظة حرب هو خطأ سياسي وأخلاقي. ولا يزال هذا التيار قويًا داخل الحزب الجمهوري، وفي الإعلام المحافظ، وبين شخصيات دينية وقومية ترى إسرائيل جزءًا من هوية اليمين الأمريكي نفسها.
ولهذا جاء الهجوم سريعًا.
فقد وصف النائب الجمهوري راندي فاين تصريحات فانس بأنها غير مناسبة و”مقززة”، معتبرًا أن فانس بحاجة إلى العودة إلى التاريخ لفهم إسرائيل.
وفي الإعلام المحافظ، عبّر براين كيلميد عن صدمته من لهجة نائب الرئيس تجاه إسرائيل، متسائلًا لماذا لا يكون بهذه القسوة مع إيران.
أما نيوت غينغريتش، فرفض تحميل إسرائيل المسؤولية، معتبرًا أن الغضب يجب أن يوجَّه إلى النظام الإيراني لا إلى دولة تدافع عن نفسها.
توضح هذه الاعتراضات أن فانس لم يكن يتحدث داخل مساحة آمنة.
بل دخل حقل ألغام ومنطقة صراع داخل اليمين نفسه.
ففي مقابل التيار التقليدي المؤيد لإسرائيل بلا تحفظ تقريبًا، يظهر تيار آخر داخل حركة “ماغا” يريد إعادة ترتيب الأولويات: إسرائيل حليف، نعم، لكنها ليست صاحبة القرار في الحرب والسلم الأمريكيين. وأمن إسرائيل مهم، لكنه ليس مبررًا دائمًا لتعريض اتفاق أمريكي أوسع مع إيران أو المنطقة للخطر.
الناخب الأمريكي مستعد لسماع ذلك
ما كان يصعب قوله قبل سنوات، أصبح اليوم أكثر قابلية للطرح.
وليس السبب أن الناخب الأمريكي أصبح معاديًا لإسرائيل بالضرورة.
بل لأن تعبًا أعمق تراكم داخل المجتمع الأمريكي من الحروب المفتوحة، ومن دفع ثمن صراعات بعيدة، ومن الشعور بأن السياسة الخارجية تخدم أحيانًا حلفاء وشبكات ضغط أكثر مما تخدم المواطن الأمريكي.
فوفقًا لمركز بيو للأبحاث، أصبحت نظرة الأمريكيين إلى إسرائيل أكثر سلبية في عام 2026، إذ قال 60 في المئة من الأمريكيين إن لديهم رأيًا غير مؤيد لإسرائيل، مقابل 37 في المئة فقط لديهم رأي إيجابي.
والأهم أن هذا التحول لم يعد محصورًا في الديمقراطيين؛ فحتى بين الجمهوريين دون سن الخمسين، قال 57 في المئة إن لديهم رأيًا سلبيًا تجاه إسرائيل.
وفي ملف الحرب مع إيران، تظهر الصورة نفسها.
فقد وجد استطلاع آخر لمركز بيو أن 59 في المئة من الأمريكيين رأوا أن استخدام القوة العسكرية ضد إيران كان قرارًا خاطئًا، بينما وافق 38 في المئة فقط على القرار.
كما أظهر استطلاع أجرته “إبسوس” أن 66 في المئة من الأمريكيين يريدون إنهاء التدخل العسكري في إيران سريعًا، حتى لو لم تحقق واشنطن كل أهدافها.
ولم يكن فانس ليستخدم هذه اللغة لو لم يكن يدرك أن القاعدة الانتخابية التي أوصلت ترامب إلى البيت الأبيض أصبحت أكثر استعدادًا لسماعها.
فهذه هي الأرضية التي تقف عليها حركة “ماغا”.
فشعار “أمريكا أولًا” لا يعني فقط رفض الهجرة، أو انتقاد العولمة، أو مهاجمة المؤسسات.
إنه يعني أيضًا سؤالًا بسيطًا في السياسة الخارجية: ما الذي تكسبه الولايات المتحدة من هذا الالتزام؟
وعندما يُطرح هذا السؤال على أوكرانيا، يبدو مألوفًا.
وعندما يُطرح على الناتو، أصبح جزءًا من خطاب ترامب منذ سنوات.
لكن عندما يُطرح على إسرائيل، يصبح أكثر حساسية بكثير.
عبارة دفاعية بثمن محسوب
لهذا كانت عبارة “لا أثق بأحد” ذكية سياسيًا.
فلو قال فانس ببساطة إنه لا يثق بإسرائيل، لدفع ثمنًا فوريًا داخل اليمين الأمريكي، وربما داخل الحزب الجمهوري الأوسع.
لكنه وسّع العبارة.
لا أثق بأحد.
بهذه الطريقة، لم يجعل إسرائيل استثناءً سلبيًا، لكنه سحب منها الاستثناء الإيجابي أيضًا.
لم يقل إنها غير جديرة بالثقة وحدها.
لكنه قال إنها ليست فوق منطق الشك والمصلحة.
وهنا تصبح العبارة أقل استفزازًا، لكنها أكثر دلالة.
فهي تسمح له بأن يقول ما يريد، من دون أن يمنح خصومه جملة سهلة لاتهامه بالتخلي عن إسرائيل.
من التحالف المطلق إلى التحالف المشروط
بدأت ملامح نقاش كان مؤجلًا داخل البيت الجمهوري المحافظ.
نقاش حول ما إذا كانت إسرائيل حليفًا استثنائيًا فوق منطق “أمريكا أولًا”، أم حليفًا مهمًا يخضع لهذا المنطق مثل غيره.
وفي الحالتين، تبدو مرحلة التطابق التلقائي بين المصالح الأمريكية والإسرائيلية أقل رسوخًا مما كانت عليه.
ليس لأن التحالف انتهى.
بل لأن السؤال عنه بدأ يُطرح من الداخل.
ولأن نائب الرئيس الأمريكي اختار أن يطرحه، لا في جلسة مغلقة داخل واشنطن فقط، بل أمام جمهور بريطاني وأنجلوساكسوني أوسع، يتابع تحولات أمريكا لأنه يعرف أن ما يتغير في واشنطن لا يبقى في واشنطن وحدها.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇