تحليل: وظائف أقل مقابل أمن أكثر؟ الثمن الخفي لخطة تسليح بريطانيا
لا تأتي الأزمات فرادى. ففي اللحظة التي يحاول فيها الاقتصاد البريطاني التقاط أنفاسه وسط ضعف النمو، وارتفاع تكلفة الاقتراض، وضغط الخدمات العامة، تأتي أزمة الأمن لتضيف فاتورة جديدة فوق الفواتير القديمة.
فبريطانيا لا تواجه اليوم سؤالًا بسيطًا عن حجم جيشها أو عدد طائراتها أو قدرة أسطولها على مجاراة الحروب الجديدة. السؤال الأعمق هو: كيف تمول دولة مضغوطة اقتصاديًا سباق تسليح جديدًا من دون أن تدفع الثمن من وظائفها واستثماراتها المدنية؟
خطة الاستثمار الدفاعي التي أعلنها كير ستارمر تضيف 15 مليار باوند إلى الدفاع، وتقدمها الحكومة بوصفها استثمارًا في الأمن والصناعة معًا. وبحسَب الحكومة، فإن الخطة ستوفر نحو 60 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة بحلول نهاية العقد، وسترفع عدد الوظائف المرتبطة بالإنفاق الدفاعي في بريطانيا إلى أكثر من نصف مليون.
لكن هذه ليست القصة كاملة.
فالإنفاق الدفاعي قد يتيح وظائف، لكنه لا يأتي من الهواء. وإذا جاءت أمواله من خفض مشروعات في الطاقة والنقل والبنية التحتية، فإن السؤال لا يصبح: كم وظيفة سيوفرها الدفاع؟ بل: كم وظيفة ستخسرها القطاعات الأخرى في المقابل؟
الأمن لا يُموَّل مجانًا
لا يمكن إنكار أن بريطانيا تحتاج إلى إعادة تسليح.
الحرب في أوكرانيا، وتصاعد خطاب الردع تجاه روسيا، وانتشار الدرونز، والتوترات في الشرق الأوسط، كلها صنعت مناخًا سياسيًا يدفع أوروبا إلى إعادة التفكير في معنى الأمن. لم تعد المسألة مجرد خطاب انتخابي عن “القوة البريطانية”، لكنها أيضًا ليست حسابًا عسكريًا خالصًا؛ فالأزمات الأمنية، الحقيقية أو المضخمة سياسيًا، أصبحت تُستخدم لدفع الحكومات نحو إنفاق دفاعي أكبر في لحظة تعاني فيها الاقتصادات أصلًا من ضغوط ثقيلة.
ولهذا يمكن فهم حجة الحكومة حين تقول إن زيادة الإنفاق الدفاعي ضرورة.
لكن الضرورة لا تلغي الحساب.
فبحسَب رويترز والجارديان، تركت الخطة فجوة تمويلية قدرها 4.7 مليار باوند لم يُحدد مصدرها بعد. كما يتوقع أن يأتي جزء كبير من التمويل عبر إعادة توجيه إنفاق من وزارات ومشروعات أخرى، ويشمل ذلك نحو 6.8 مليار باوند من تخفيضات في الإنفاق الرأسمالي.
هنا يصبح الدفاع منافسًا مباشرًا لمشروعات مدنية: طريق لا يُستكمل، أو مشروع طاقة يتأخر، أو مستشفى ينتظر، أو استثمار محلي كان يمكن أن يتيح وظائف خارج القطاع العسكري.
المفارقة أن الحكومة تبيع الخطة بوصفها استثمارًا في الأمن والاقتصاد، إلا أن طريقة التمويل قد تجعلها اقتطاعًا من اقتصاد مدني يعاني أصلًا.
هل يتيح الدفاع وظائف أقل؟
الجدل الحقيقي لا يدور حول ما إذا كان قطاع الدفاع يتيح وظائف أم لا.
هو يتيح وظائف بالفعل.
لكن السؤال: هل يتيح وظائف أكثر من القطاعات التي تُقتطع منها الأموال؟
تحليل نقلته الجارديان عن (Transition Security Project) يقول إن تحويل 15 مليار باوند إلى الدفاع قد يتيح نحو 10 آلاف وظيفة دفاعية بحلول 2029-2030، لكنه قد يؤدي في المقابل إلى خسارة قرابة 20 ألف وظيفة في قطاعات أخرى، وبخاصة الطاقة والنقل، ما يعني صافي خسارة يقترب من 10 آلاف وظيفة.
هذه هي النقطة التي تكسر الخطاب الحكومي السهل.
فليس كل إنفاق عام متساويًا في أثره على العمل. بعض القطاعات كثيفة العمالة، وتتيح وظائف محلية كثيرة في البناء، والصيانة، والخدمات، وسلاسل الإمداد المدنية. أما الدفاع، فقد يعتمد أكثر على التكنولوجيا العالية، والعقود الطويلة، وسلاسل توريد دولية، وعدد أقل من الوظائف مقابل كل باوند من الإنفاق.
بمعنى آخر: قد تكسب بريطانيا وظائف في مصانع السلاح والدرونز والسفن، لكنها تخسر وظائف أكثر في محطات الطاقة، والطرق، والمشروعات المحلية.
وهكذا يصبح السؤال: هل نشتري أمنًا أكثر بوظائف أقل؟
بيرنام يرث كرة النار
تزداد حساسية المسألة لأنها تأتي في لحظة انتقال سياسي.
آندي بيرنام، إذا وصل إلى داونينغ ستريت، يريد أن يقدم نفسه بوصفه رجل نمو ولامركزية، لا مجرد مدير تقشف جديد. لكنه قد يبدأ حكمه أمام معضلة قاسية: خطة دفاعية ضخمة، وفجوة تمويل مفتوحة، وخيارات محدودة بين الضرائب، أو الاقتراض، أو خفض الإنفاق المدني.
وهذه بداية غير مريحة لزعيم يريد إقناع البريطانيين بأن لديه مشروعًا لعشر سنوات لإصلاح مستويات المعيشة.
فكيف يبدأ مشروع النمو إذا كانت أول فاتورة تنتظره هي تخفيض مشروعات قد تؤدي إلى إيجاد وظائف؟ وكيف يتحدث عن تنمية الأقاليم إذا كانت بعض الاستثمارات المحلية ستؤجل أو تُلغى باسم الأمن؟ وكيف يوازن بين الخوف من روسيا والخوف من ركود طويل يلتهم فرص العمل؟
هذه ليست مفاضلة سهلة بين “الدفاع” و”الوظائف”.
إنها مفاضلة بين نوعين من الأمن: أمن عسكري يحمي الدولة من الخارج، وأمن اقتصادي واجتماعي يحمي الناس من البطالة، وتراجع الخدمات، وضعف الاستثمار في المستقبل.
الأزمات حين تتزاحم
مشكلة بريطانيا اليوم أن الأزمات لا تصل في طابور منظم.
لا تنتظر أزمة الدفاع حتى تنتهي أزمة الاقتصاد. ولا تنتظر الضغوط الأمنية حتى تتعافى الخدمات العامة. ولا يمنح العالم الحكومات فرصة ترتيب الأولويات بهدوء.
ولهذا تبدو خطة التسليح اختبارًا أكبر من مجرد بند في الموازنة.
إنها تكشف مأزق دولة تريد أن تكون أكثر جاهزية للحرب، من دون أن تصبح أقل قدرة على بناء اقتصادها المدني. وتريد أن ترد على التهديدات الخارجية، من دون أن تضعف قدرتها على إيجاد فرص العمل في الداخل.
قد تكون زيادة الإنفاق الدفاعي ضرورية.
لكن الضرورة لا تعني أن الثمن غير موجود.
والثمن هنا ليس فقط 15 مليار باوند في حسابات الخزانة، بل سؤال سياسي واقتصادي أعمق: ماذا يحدث عندما تشتري الدولة مزيدًا من الأمن العسكري، لكنها تدفع جزءًا من الثمن من الطرق والطاقة والوظائف؟
إذا كان الهدف هو حماية بريطانيا، فالسؤال ليس كم تنفق على الدفاع فقط.
بل: أي بريطانيا تبقى بعد دفع الفاتورة؟
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇