اثنان من كلّ ثلاثة بريطانيين يعتقدون أن أبناءهم سيواجهون مستقبلًا أصعب وأكثر فقرًا
تصاعد القلق الشعبي مع اقتراب عدد الشباب خارج التعليم والعمل والتدريب من مليون شخص، تعيش بريطانيا حالة متزايدة من القلق الاجتماعي والاقتصادي مع ارتفاع المخاوف من أن الجيل القادم سيكون أقل حظًا وأكثر معاناة من الأجيال السابقة، في تحول يعتبره خبراء واحدًا من أخطر المؤشرات على تراجع الثقة بالمستقبل البريطاني.
وأظهرت استطلاعات وتقارير حديثة أن نحو ثلثي البريطانيين يعتقدون أن أبناءهم سيعيشون أوضاعًا أسوأ منهم اقتصاديًا واجتماعيًا، في وقت يقترب فيه عدد الشباب المصنفين ضمن فئة “غير الملتحقين بالتعليم أو العمل أو التدريب” من حاجز المليون شاب وشابة، وهو أعلى مستوى تشهده المملكة المتحدة منذ تداعيات الأزمة المالية العالمية.
وتعكس هذه الأرقام أزمة مركبة تمتد من ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن، إلى ضعف فرص العمل، وتدهور الصحة النفسية، وتراجع الحراك الاجتماعي الذي طالما شكل أحد أعمدة “الحلم البريطاني”.
ما المقصود بفئة الشباب خارج التعليم والعمل والتدريب؟

يطلق مصطلح “NEET” على الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و24 عامًا ممن لا يدرسون، ولا يعملون، ولا يشاركون في أي برامج تدريبية أو مهنية.
وبحسب بيانات مكتب الإحصاءات الوطني البريطاني، بلغ عدد هؤلاء الشباب نحو 957 ألفًا في أواخر عام 2025، أي ما يعادل 12.8 بالمئة من إجمالي الشباب في هذه الفئة العمرية. وتشير تقارير أخرى إلى أن الرقم اقترب في بعض الفترات من 987 ألف شاب، وهو مستوى يقترب من حاجز المليون للمرة الأولى منذ أكثر من عقد.
ويرى اقتصاديون أن هذه الظاهرة لم تعد مجرد مشكلة بطالة مؤقتة، بل باتت مؤشرًا على أزمة هيكلية عميقة تهدد مستقبل الاقتصاد البريطاني والاستقرار الاجتماعي في البلاد.
لماذا يخشى البريطانيون على مستقبل أبنائهم؟

أزمة السكن وغلاء المعيشة
أصبح امتلاك منزل في بريطانيا أكثر صعوبة بالنسبة للشباب مقارنة بأي وقت مضى خلال العقود الأخيرة، مع ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات بوتيرة تفوق نمو الأجور.
ويقول خبراء إن كثيرًا من الشباب باتوا عاجزين عن تحقيق الاستقلال المالي أو تكوين أسر في سن مبكرة، بينما يضطر عدد متزايد للبقاء في منازل آبائهم لفترات أطول.
كما أن ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء والنقل أدى إلى تآكل القدرة الشرائية للطبقة الوسطى، وهو ما عزز الشعور بأن الأجيال الجديدة لن تتمتع بالمستوى المعيشي الذي عاشه آباؤهم.
تراجع فرص العمل المستقرة
تشهد سوق العمل البريطانية تغيرات كبيرة، مع اختفاء وظائف تقليدية كانت تشكل مدخلًا سهلًا للشباب إلى سوق العمل، مثل الأعمال الصناعية والمكتبية منخفضة المهارات.
وفي المقابل، أصبحت معظم الوظائف الجديدة تتطلب خبرات أو مؤهلات أعلى، في وقت يعاني فيه كثير من الشباب من ضعف التأهيل أو نقص الفرص التدريبية.
وأشارت تقارير اقتصادية إلى أن عدد العاملين الشباب ضمن نظام الرواتب البريطاني انخفض بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، مع تراجع فرص التوظيف للفئة العمرية بين 16 و24 عامًا.
أزمة الصحة النفسية
يربط باحثون الارتفاع الكبير في أعداد الشباب خارج سوق العمل والتعليم بتدهور الصحة النفسية، خاصة بعد جائحة كورونا.
وتشير الدراسات إلى تزايد معدلات القلق والاكتئاب والعزلة الاجتماعية بين الشباب، ما أدى إلى انسحاب أعداد كبيرة منهم من سوق العمل أو الدراسة.
كما ارتفعت نسبة الشباب الذين يصنفون “غير نشطين اقتصاديًا” بسبب المرض أو الإعاقة طويلة الأمد، وهو ما اعتبرته مؤسسات بحثية تطورًا مقلقًا للغاية.
هل تواجه بريطانيا “جيلًا ضائعًا”؟

حذرت مؤسسات اقتصادية وبحثية من أن استمرار هذه الاتجاهات قد يؤدي إلى ظهور “جيل ضائع” يعاني من الفقر وضعف المهارات والاعتماد الطويل على الإعانات الحكومية.
وقالت مؤسسة “ريزوليوشن فاونديشن” إن المشكلة لا تتعلق فقط بارتفاع البطالة، بل بوجود أعداد متزايدة من الشباب الذين فقدوا ارتباطهم بسوق العمل بالكامل.
كما يرى خبراء أن الانقطاع المبكر عن التعليم أو العمل يزيد احتمالات الفقر طويل الأمد ويؤثر سلبًا على فرص الشباب المستقبلية، سواء في الدخل أو الصحة أو الاستقرار الأسري.
وتوصلت دراسة أكاديمية أوروبية إلى وجود علاقة مباشرة بين ارتفاع نسب الشباب خارج التعليم والعمل والتدريب وبين ارتفاع معدلات الفقر داخل المجتمعات الأوروبية.
تفاوت جغرافي وطبقي متزايد
تظهر الأزمة بشكل أكثر حدة في المناطق الصناعية السابقة وشمال إنجلترا وبعض المدن الساحلية الفقيرة، حيث تقل فرص العمل والاستثمار مقارنة بلندن وجنوب البلاد.
كما تؤكد تقارير اجتماعية أن الشباب المنحدرين من أسر منخفضة الدخل أو ممن يعانون ضعف التحصيل الدراسي هم الأكثر عرضة للوقوع خارج منظومة التعليم والعمل.
وفي بعض المناطق، تحولت أزمة المواصلات وارتفاع تكاليف تعلم القيادة إلى عائق حقيقي يمنع الشباب من الوصول إلى الوظائف المتاحة.
تأثير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي

يثير التوسع السريع في استخدام الذكاء الاصطناعي مخاوف إضافية بشأن مستقبل الوظائف المخصصة للمبتدئين والشباب حديثي التخرج.
ورغم أن خبراء الاقتصاد لا يعتبرون الذكاء الاصطناعي السبب الرئيسي للأزمة الحالية، فإنهم يحذرون من أن الأتمتة قد تؤدي إلى تقليص المزيد من الوظائف منخفضة المهارات مستقبلًا.
ماذا تفعل الحكومة البريطانية؟
أعلنت الحكومة البريطانية عن خطط وبرامج تستهدف إعادة دمج الشباب في التعليم وسوق العمل، من بينها توسيع برامج التدريب المهني والتوظيف المدعوم.
كما تحدثت الحكومة عن “ضمانة شبابية” تهدف إلى توفير فرص عمل أو تدريب أو تعليم لكل شاب ضمن الفئة العمرية الصغيرة، إلى جانب استثمارات بمليارات الباوندات لمواجهة الأزمة.
لكن منتقدين يرون أن الإجراءات الحالية لا تزال أقل من حجم المشكلة، خصوصًا في ظل استمرار أزمة السكن والضغوط الاقتصادية وضعف الخدمات النفسية والاجتماعية.
أزمة ثقة تاريخية في المستقبل البريطاني
يرى مراقبون أن أخطر ما تكشفه هذه الأرقام ليس فقط ارتفاع البطالة بين الشباب، بل انهيار الإيمان بفكرة أن كل جيل سيعيش حياة أفضل من الجيل الذي سبقه.
ولعقود طويلة، شكل هذا الاعتقاد جزءًا أساسيًا من الاستقرار الاجتماعي في بريطانيا. أما اليوم، فإن تزايد أعداد الشباب العاطلين عن العمل أو الدراسة، وارتفاع معدلات الفقر والديون، وتراجع فرص امتلاك المنازل، كلها عوامل تدفع البريطانيين إلى الاعتقاد بأن أبناءهم قد يكونون أول جيل يعيش أوضاعًا أسوأ من آبائه منذ الحرب العالمية الثانية.
المصادر
- مكتب الإحصاءات الوطني البريطاني
- هيئة الإذاعة البريطانية BBC
- صحيفة The Independent
- صحيفة The Guardian
- مؤسسة Resolution Foundation
- معهد الدراسات المالية البريطاني IFS
- اتحاد النقابات العمالية TUC
- دراسة أكاديمية منشورة عبر arXiv حول أثر ظاهرة الشباب خارج التعليم والعمل على الفقر في أوروبا
إقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇