تقنين القتل الرحيم في بريطانيا.. أين تنتهي حرية المريض وتبدأ مسؤولية الدولة؟
يستعد نواب مجلس العموم للتصويت يوم الجمعة على مشروع قانون يهدف إلى تقنين القتل الرحيم للبالغين المصابين بأمراض مميتة في إنجلترا وويلز، في خطوة قد تعيد فتح نقاش برلماني ومجتمعي واسع حول الحق في إنهاء الحياة والضمانات اللازمة لحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر.
ويتيح مشروع القانون للبالغين الذين يُتوقع أن يتبقى لهم أقل من ستة أشهر على قيد الحياة التقدم بطلب للحصول على مساعدة لإنهاء حياتهم، بشرط استيفاء عدد من الضوابط والإجراءات الرقابية.
وتقود النائبة عن حزب العمال لورين إدواردز المحاولة الجديدة لتمرير مشروع القانون، مؤكدة أن استمرار تأخير إقراره يفرض “كلفة إنسانية حقيقية” على المصابين بأمراض مميتة وأسرهم. وقالت إدواردز إن مجلس اللوردات يؤدي دورًا مهمًا في مراجعة التشريعات وتحسينها، داعية أعضاءه إلى إدخال أي تعديلات يرونها ضرورية ثم إعادة المشروع إلى مجلس العموم لاتخاذ القرار النهائي.
مشروع قانون يواجه معارضة واسعة

يتضمن مشروع القانون عددًا من الضمانات، أبرزها اشتراط موافقة طبيبين ولجنة من الخبراء قبل السماح لأي شخص بالحصول على المساعدة لإنهاء حياته. لكن معارضي المشروع يرون أن هذه الإجراءات لا توفر حماية كافية للأشخاص المستضعفين، محذرين من احتمال تعرض بعض المرضى لضغوط مباشرة أو غير مباشرة لإنهاء حياتهم.
وقالت النائبة العمالية آشلي دالتون، التي عارضت المشروع في المرة السابقة، إن موقفها لم يتغير، واصفة التشريع بأنه “معيب بشدة وغير آمن”. وأضافت أن الضمانات الحالية لا تكفي لمنع تعرض الأشخاص، ولا سيما الأكثر ضعفًا، للضغط أو الإكراه على اللجوء إلى القتل الرحيم.
كما انتقد رئيس أساقفة الكاثوليك في إنجلترا وويلز، ريتشارد موث، المقترح، واعتبره “خاطئًا من حيث المبدأ” و”معيبًا بشدة”. وفي السياق ذاته، حذرت رئيسة أساقفة كانتربري، دام سارة مولالي، من أن إقرار القانون قد يبعث برسالة مفادها أن المجتمع يرى أن “بعض أشكال الحياة لا تستحق أن تُعاش”.
وأعربت جهات طبية، بينها الكلية الملكية للأطباء النفسيين والكلية الملكية للأطباء، عن مخاوف بشأن الضمانات التي يتضمنها المشروع.
مؤسسات الرعاية التلطيفية تدعو إلى تحسين الخدمات
وفي الوقت الذي تتخذ فيه بعض المؤسسات موقفًا محايدًا من مبدأ المساعدة على الموت، حذرت جمعيات الرعاية التلطيفية من أن المشكلة الأوسع تتمثل في عدم حصول جميع المرضى على رعاية مناسبة في نهاية حياتهم.
وقالت مؤسسات “ماري كوري” و”Hospice UK” و”St Christopher’s” إن الوصول إلى خدمات الرعاية الجيدة في نهاية الحياة لا يزال متفاوتًا في أنحاء البلاد، في ظل نقص حاد في التمويل. وقال الرئيس التنفيذي لـ”Hospice UK”، توني بورتر، إن الحديث عن “حق الاختيار” في نهاية الحياة يجب أن يشمل أيضًا حصول المرضى على رعاية تلطيفية جيدة، مشيرًا إلى أن عددًا كبيرًا منهم محرومون من هذا الخيار حاليًا.
لماذا عاد مشروع القانون إلى البرلمان؟
تأتي محاولة إقرار القانون بعد تعثر مشروع سابق في مجلس اللوردات، رغم موافقة مجلس العموم عليه في يونيو 2025 بأغلبية 23 صوتًا. وكان المشروع السابق، الذي قدمته النائبة العمالية كيم ليدبيتر، قد واجه أكثر من 1,200 تعديل في مجلس اللوردات، ما أدى إلى تعطيل مساره البرلماني. ويقول مؤيدو المساعدة على الموت إن بعض أعضاء مجلس اللوردات استخدموا أساليب للمماطلة لعرقلة المشروع، بينما يؤكد معارضوه أن التشريع لم يكن يتضمن ضمانات كافية لحماية المرضى.
وتسعى إدواردز إلى تقديم مشروع مطابق للمشروع الذي وافق عليه مجلس العموم في الدورة البرلمانية السابقة. وبموجب قوانين البرلمان، إذا أقر مجلس العموم مشروع قانون مطابقًا في دورتين برلمانيتين متتاليتين، فلن يتمكن مجلس اللوردات من منع تمريره في المرة الثانية، رغم احتفاظ أعضائه بحق اقتراح تعديلات يمكن لمجلس العموم قبولها أو رفضها.
وأعرب نواب من حزب العمال، بينهم غاريث سنيل المؤيد للمشروع ودام ميغ هيلير المعارضة له، عن مخاوف من أن يؤدي استخدام هذه الآلية إلى وضع النواب أمام خيار وصفاه بأنه “هذا المشروع أو لا شيء”.
تصويت حاسم يوم الجمعة لتشريع القانون

من المقرر أن يناقش النواب المبادئ الأساسية لمشروع القانون خلال القراءة الثانية يوم الجمعة، على أن يبدأ التصويت قبل الساعة 14:30 بتوقيت بريطانيا الصيفي. وفي حال حصول المشروع على أغلبية، فسيتجاوز أول عقبة رئيسية في طريقه، وينتقل إلى مرحلة اللجان التي يمكن خلالها بحث التعديلات المقترحة.
لكن التصويت لصالح المشروع في هذه المرحلة لا يعني بالضرورة أن النائب نفسه سيؤيده في القراءة الثالثة، ما يجعل مسار التشريع مفتوحًا على مزيد من التغييرات.
أما رفض المشروع يوم الجمعة فسيؤدي إلى سقوطه، رغم أن مؤيدي المساعدة على الموت تعهدوا بمحاولة تقديم تشريع جديد في أقرب فرصة ممكنة. ويتوقع أن تكون نتيجة التصويت متقاربة، وقد يتأثر الحسم بعدد النواب الذين سيحضرون الجلسة، خصوصًا أن يوم الجمعة يكون عادةً مخصصًا لعودة النواب إلى دوائرهم الانتخابية.
وأعلن رئيس الوزراء آندي بيرنهام أنه لن يشارك في التصويت على مشروع القانون يوم الجمعة، مؤكدًا أن القرار يعود إلى البرلمان وأن الحكومة ستلتزم الحياد رسميًا. وكان بيرنهام قد قال سابقًا إنه يرى ضرورة تحسين تمويل رعاية المرضى في نهاية الحياة في بريطانيا قبل المضي نحو تقنين القتل الرحيم.
وفي المقابل، دعت المذيعة المخضرمة دام إستر رانزن، البالغة من العمر 86 عامًا وأحد أبرز المؤيدين لتقنين القتل الرحيم، النواب إلى دعم مشروع القانون.
وقالت رانزن، التي تعاني سرطانًا في مراحله النهائية، إن حياتها أصبحت “لا تُحتمل”، وإن تدهور حالتها الصحية جعلها غير قادرة على السفر إلى عيادة للمساعدة على الانتحار في سويسرا، كما كانت تخطط.
وتعيد هذه التطورات قضية القتل الرحيم بمساعدة طبية إلى صدارة النقاش السياسي في بريطانيا، وسط انقسام حاد بين من يرون أن للمرضى الميؤوس من شفائهم حقًا في اختيار كيفية إنهاء حياتهم، ومن يحذرون من أن تقنين هذه الممارسة قد يعرّض الفئات الأكثر ضعفًا لضغوط يصعب اكتشافها أو منعها.
المصدر: بي بي سي
اقرأ أيضًا
الرابط المختصر هنا ⬇