بيرنهام ينقل خبرات وايتهول إلى المدن في أكبر اختبار لتفويض السلطة خارج لندن
يستعد أكثر من 100 موظف في الحكومة المركزية للانتقال مؤقتًا من وظائفهم الحالية للعمل داخل سلطات رؤساء البلديات في أنحاء إنجلترا، في خطوة جديدة يحاول من خلالها رئيس الوزراء آندي بيرنهام الوفاء بوعده بنقل مزيد من السلطة والقدرة على اتخاذ القرار بعيدًا عن وستمنستر، وتقليل اعتماد المدن والمناطق على الإدارة المركزية في لندن.
وبموجب برنامج تجريبي يبدأ في الخريف، سيحصل كل واحد من رؤساء البلديات الـ18 المشاركين على ما بين خمسة وعشرة موظفين حكوميين، في انتدابات تستمر من ستة إلى تسعة أشهر، مع السماح لرؤساء البلديات بطلب أصحاب الخبرات التي تحتاج إليها مناطقهم تحديدًا.
وبذلك لا يتعلق القرار بمجرد نقل موظفين من مكتب إلى آخر، وإنما بمحاولة حل مشكلة عملية تواجه سياسة تفويض السلطة نفسها: فإعطاء المدن مسؤوليات أكبر في مجالات مثل النقل والإسكان والنمو الاقتصادي يظل محدود الأثر إذا لم تمتلك في الوقت نفسه الموظفين والخبرات القادرة على تصميم المشروعات والتعامل مع الوزارات وجذب الاستثمارات وتنفيذ القرارات.
وتأتي الخطوة ضمن مشروع أوسع أطلقه بيرنهام منذ وصوله إلى داونينغ ستريت، يقوم على إعادة توزيع السلطة والموارد بين الحكومة المركزية والمناطق، بعدما تعهد بأن تصبح المدن ورؤساء البلديات أكثر قدرة على اتخاذ القرارات بأنفسهم بدل انتظار موافقة الجهاز الإداري المركزي بوايتهول على كل خطوة. وفي نهاية يوليو/تموز، أعلنت الحكومة خطة “إعادة توصيل الدولة” (Rewiring the State)، التي تنص صراحة على نقل السلطة والتمويل والمساءلة من وايتهول إلى القيادات المحلية.
ماذا سيفعل الموظفون في المدن؟

الصورة: ويكيميديا-Creator: Garry Knight
سيعمل الموظفون المنتدبون داخل السلطات التابعة لرؤساء البلديات بدل أداء مهماتهم المعتادة داخل أجهزة الحكومة المركزية، في محاولة لنقل جزء من خبرة وايتهول نفسها إلى المناطق.
ولن تحصل كل منطقة على النوع نفسه من الموظفين، إذ يستطيع رؤساء البلديات طلب مهارات محددة بحسب احتياجاتهم المحلية. فقد تحتاج إحدى السلطات – مثلًا – إلى متخصصين في النقل أو مشروعات البنية التحتية، في حين تحتاج أخرى إلى خبرات في الإسكان أو الاستثمار أو تصميم السياسات الاقتصادية.
وقالت الحكومة إن البرنامج جاء استجابة لطلبات طرحها رؤساء بلديات خلال اجتماعات المجلس الاقتصادي الوطني، في ظل رغبتهم في الحصول على دعم أكبر لتنفيذ الصلاحيات التي تنتقل تدريجيًا إليهم.
لماذا ترسل الحكومة موظفيها بدل منح الصلاحيات فقط؟
جعل بيرنهام منذ أيامه الأولى في رئاسة الحكومة تقليل المركزية واحدًا من أبرز عناوين برنامجه، مجادلًا بأن النمو والخدمات العامة لا يمكن أن تُدار بكفاءة إذا ظلت القرارات الأساسية مركزة في لندن.
وتقول خطة “إعادة توصيل الدولة” إن هدف الحكومة هو تغيير الطريقة التي تعمل بها الدولة نفسها، لا مجرد منح المناطق مجموعة محدودة من الصلاحيات، وذلك من خلال نقل مزيد من التمويل والمحاسبة والقدرة على اتخاذ القرار إلى القيادات المحلية.
وكان بيرنهام قد تحدث عند افتتاح مكتب “No 10 North” في مانشستر عن ضرورة إيجاد توازن أكبر بين لندن وبقية البلاد، واصفًا المكتب بأنه المكان الذي “يلتقي فيه وايتهول ببقية البلاد”، وبأنه مركز يفترض أن يجمع رؤساء البلديات وموظفي الوزارات حول طاولة واحدة لتسريع القرارات وتجاوز العقبات البيروقراطية.
ومن هذه الزاوية، يمثل إرسال الموظفين إلى المدن اختبارًا عمليًا لفكرة بيرنهام: فإذا كانت الحكومة تريد نقل القرار إلى المستوى المحلي، فإن عليها أيضًا نقل جزء من الخبرة الإدارية والمؤسسية اللازمة لاتخاذ هذا القرار وتنفيذه.
18 سلطة تشارك في التجربة
سيشارك في المرحلة الأولى 18 رئيس بلدية وسلطاتهم في مناطق مختلفة من إنجلترا، ومن اتجاهات سياسية متعددة.
وقال بيرنهام إن حكومته تريد جمع رؤساء البلديات من أحزاب مختلفة للعمل على المشكلات المحلية، مؤكدًا أن الناس يريدون حل المشكلات بدل الدخول في صراعات سياسية لا تنعكس على حياتهم اليومية.
ولا يعني الانتداب أن الموظفين سيتركون الخدمة المدنية أو ينتقلون بصورة دائمة إلى السلطات المحلية. فالبرنامج مؤقت في مرحلته الأولى، ويستمر كل انتداب ما بين ستة وتسعة أشهر، قبل تقييم النتائج وتحديد ما إذا كان النموذج يستحق التوسع لاحقًا.
وظائف حكومية أكثر خارج لندن
ولا تقف الخطة عند إرسال موظفين حاليين إلى المدن.
فالحكومة تعتزم أيضًا إنشاء مسار جديد لبرنامج التوظيف السريع في الخدمة المدنية (Civil Service Fast Stream) في يوركشاير وهامبر، إلى جانب توسيع برنامج لتدريب قيادات مستقبلية وإعدادها داخل السلطات المحلية.
والفكرة الأوسع هي تقليل اعتماد الإدارة الحكومية نفسها على لندن على المدى الطويل، بحيث يصبح من الممكن بناء مسارات مهنية رفيعة داخل الخدمة المدنية من مناطق أخرى، بدل ارتباط كثير من الوظائف العليا عمليًا بالعاصمة.
وتنسجم هذه الخطوة مع إنشاء مكتب “No 10 North” في مانشستر، الذي يعمل منه بيرنهام بصورة دورية، والذي قدمته الحكومة منذ افتتاحه بوصفه جزءًا من محاولة إنهاء احتكار منطقة SW1 في وسط لندن للسلطة وصناعة القرار.
من الصلاحيات على الورق إلى القدرة على التنفيذ

تحاول حكومة بيرنهام تقديم البرنامج باعتباره أكثر من مجرد إعادة توزيع لموظفي الدولة. فهو يأتي ضمن وعد سياسي أوسع بنقل السلطة من المركز إلى المناطق، ومنح رؤساء البلديات قدرة أكبر على إدارة اقتصاداتهم وخدماتهم المحلية.
لكن الاختبار الحقيقي لا يتعلق بعدد الموظفين الذين سيغادرون وايتهول، بل بما إذا كانت التجربة ستغير بالفعل قدرة السلطات المحلية على العمل.
فأكثر من 100 موظف موزعون على 18 سلطة يمثلون بداية محدودة مقارنة بحجم الجهاز الحكومي المركزي، كما أن الانتدابات مؤقتة ولا تستمر سوى بضعة أشهر.
ولهذا سيكون السؤال خلال المرحلة المقبلة هو ما إذا كانت هذه الفرق الصغيرة قادرة على تسريع مشروعات النقل والإسكان والاستثمار والنمو، أم أن رؤساء البلديات سيكتشفون أن تفويض السلطة يحتاج إلى نقل أكبر وأكثر ديمومة للموارد والكوادر، وليس فقط منحهم صلاحيات إضافية على الورق.
وتصف لويز هيغ، النائبة الأولى لرئيس الوزراء، التحرك بأنه جزء من أكبر عملية لنقل السلطة والموارد من وستمنستر منذ جيل.
وبالنسبة إلى بيرنهام، ستكون التجربة أيضًا اختبارًا مبكرًا لأحد وعوده السياسية الكبرى: هل يستطيع فعلًا إخراج جزء من السلطة من لندن، أم ستظل المركزية أقوى من الخطط التي تعلن الحرب عليها؟
المصدر: Civil Service World
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇