تقرير يكشف: كيف تدار تغطية غزة في البي بي سي من خلال لقاءات مكثفة مع اللوبي الإسرائيلي؟
كشف طلب بموجب قانون حرية المعلومات عن طبيعة اللقاءات التي عقدتها اللجنة التنفيذية في بي بي سي (BBC) خلال السنة الأولى من العدوان الصهيوني على غزة، مسلطاً الضوء على تفاوت واضح في التواصل مع الجهات المختلفة.
الطلب، الذي تقدمت به منظمة “الحملة ضد التضليل في الشؤون العامة والإعلام والأخبار” (CAMPAIN) ومقرها بريطانيا، استفسر عن عدد الاجتماعات التي عقدها أعضاء اللجنة التنفيذية مع قائمة محددة من أبرز المنظمات اليهودية والمؤيدة للفلسطينيين في البلاد.
وتتطابق هذه القائمة مع الجهات التي سبق أن وصفتها BBC بـ”المجموعات التمثيلية” في إفاداتها أمام لجنة برلمانية العام الماضي بشأن تغطيتها لغزة.
تفوق واضح للاجتماعات مع جهات مؤيدة لإسرائيل

خلال الفترة الممتدة من 1 نوفمبر 2023 حتى 31 ديسمبر 2024، عقدت اللجنة التنفيذية تسعة اجتماعات مع مجموعات من الجالية اليهودية، مقابل اجتماع واحد فقط مع جهة تدافع عن الفلسطينيين.
ورغم تنوع الآراء داخل الجالية اليهودية في بريطانيا بشأن العدوان، فإن جميع المجموعات التي التقت BBC تُعرف بمواقف داعمة لإسرائيل.
وشملت الاجتماعات لقاءين مع كل من مجلس نواب يهود بريطانيا، والحاخام الأكبر، ومنظمة “الحملة ضد معاداة السامية”، إلى جانب ثلاثة اجتماعات مع “صندوق أمن الجاليات” (Community Security Trust).
في المقابل، اقتصر التواصل مع الجانب المؤيد للفلسطينيين على اجتماع واحد مع “مجلس التفاهم العربي البريطاني” (CAABU).
انتقادات لنهج الإدارة التحريرية
انتقد كريس دويل، مدير CAABU، هذا التفاوت، معتبراً أنه يعكس اهتماماً أكبر من إدارة BBC بشكاوى الجهات المؤيدة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مقارنة بالمدافعين عن حقوق الفلسطينيين.
وأشار دويل إلى أن هذا النهج يظهر في ضعف حضور الفلسطينيين على شاشة BBC، وغياب التركيز على القضايا القانونية الدولية، إضافة إلى التعامل الحذر مع توصيف ما يجري في غزة، بما في ذلك إسكات الحديث عن “الإبادة الجماعية”.
وأضاف أن التغطية لا تزال تُقدَّم كصراع بين روايتين، بدلاً من تناولها كقضية احتلال.
اجتماعات لاحقة واستمرار التفاوت

في إفادات لاحقة أمام البرلمان، أوضحت BBC أن أعضاء لجنتها التنفيذية عقدوا سبعة اجتماعات مع مجموعات يهودية بين يناير ونوفمبر 2025، مقابل أربعة اجتماعات مع جهات تمثل الفلسطينيين خلال الفترة نفسها.
وبحسب البروفيسور ديفيد موند، عضو اللجنة التنفيذية في CAMPAIN، فإن مجموع الاجتماعات عبر الفترتين بلغ 14 اجتماعاً مع مجموعات مؤيدة لإسرائيل مقابل خمسة مع جهات مؤيدة للفلسطينيين، مشيراً إلى أن التفاوت الأكبر كان في المرحلة الأولى التي ساهمت في تشكيل نبرة التغطية الإعلامية.
وتساءل موند عن مدى التزام BBC بالحياد، في ظل اعتمادها على مشاورات غير متوازنة مع جماعات ضغط من طرف واحد.
رد BBC وتبريراتها
من جانبها، أكدت BBC أنها تتواصل بشكل روتيني مع طيف واسع من المنظمات، مشيرة إلى أن بعض الاجتماعات لم يشملها نطاق طلب حرية المعلومات، مثل لقاء مع رئيس البعثة الفلسطينية خارج الفترة الزمنية المحددة.
كما شددت المؤسسة على التزامها بالحياد في تغطية العدوان، مؤكدة أنها قدمت تغطية شاملة تضمنت تقارير إخبارية وتحليلات وتحقيقات، إلى جانب إنتاج وثائقيات حائزة على جوائز مثل “Life and Death in Gaza” و“Gaza 101”.
وأوضحت أيضاً أن الطلب لم يشمل اجتماعات مع منظمات أخرى، مثل “مركز مراقبة الإعلام” (CfMM) التابع للمجلس الإسلامي في بريطانيا، أو لقاءات عقدها مسؤولون كبار خارج اللجنة التنفيذية.
لكن مراسلات بين CAMPAIN وBBC كشفت أن نطاق الطلب تم تقليصه بناءً على طلب BBC لتفادي تجاوز حدود التكلفة القانونية.
منظمات لم تُستشر رغم مواقفها
أشارت CAMPAIN إلى أنها تواصلت مع نحو عشر منظمات مؤيدة للفلسطينيين، من بينها CfMM، ولم تؤكد أي منها عقد اجتماعات مع اللجنة التنفيذية أو حتى طلب لقاءات خلال الفترة المعنية.
كما أفادت مجموعات يهودية متعاطفة مع الفلسطينيين، مثل “Jewish Voice for Liberation” و“Jews for Justice for Palestinians”، بأنها لم تتلق أي دعوة للتواصل من BBC.
في المقابل، بادر مجلس نواب يهود بريطانيا إلى اقتراح عقد اجتماعات دورية ربع سنوية مع BBC في أغسطس 2024.
اجتماعات وُصفت بأنها “شكلية”

حتى الجهات المؤيدة للفلسطينيين التي التقت مسؤولي BBC أعربت عن خيبة أملها من نتائج هذه اللقاءات.
وقال كريس دويل إن اجتماعه مع المدير العام آنذاك تيم ديفي وعدد من كبار المسؤولين بدا “إجراءً شكلياً” دون أي متابعة حقيقية أو تأثير ملموس.
من جهتها، أوضحت الدكتورة زينة آغا، المديرة المؤقتة للجنة الفلسطينية البريطانية، أن منظمتها عقدت اجتماعاً مع ديفي في مايو 2025، عقب جدل أثارته وثائقيات عن غزة وضغوط إعلامية.
وأشارت إلى أن BBC تعاملت مع اللقاء من منظور “توازن بين طرفين”، بدلاً من الاستماع لمطالب تتعلق بتحسين التغطية بشأن الإبادة في غزة، مؤكدة أن الاجتماع لم يسفر عن أي تغيير يُذكر.
جدل واسع حول التغطية الإعلامية
تواجه BBC انتقادات متواصلة من مختلف الأطراف بشأن تغطيتها لعدوان غزة.
ففي تقرير صادر عن “مركز مراقبة الإعلام” في يونيو الماضي، تبين أن تغطية BBC منحت وفيات الإسرائيليين اهتماماً أكبر بـ33 مرة مقارنة بوفيات الفلسطينيين.
كما أثارت بعض الوثائقيات جدلاً، من بينها “Gaza: How to Survive a Warzone” الذي سُحب من منصة BBC iPlayer بعد الكشف عن ارتباط عائلي لأحد المشاركين بحكومة تديرها حركة حماس.
وفي المقابل، تم تأجيل عرض وثائقي “Gaza: Doctors Under Attack” بحجة أنه قد يخلق انطباعاً بالتحيز، قبل أن يُعرض لاحقاً على قناة Channel 4.
ضغوط قانونية وانتقادات داخلية

تعرضت BBC أيضاً لضغوط من مكتب مفوض المعلومات بسبب عدم تقديم رد كافٍ على طلب حرية معلومات منفصل، حيث طُلب منها الكشف عن سجلات مكالمات محتملة بين السفارة الإسرائيلية وكبار مسؤوليها.
وفي سياق متصل، قضت المحكمة العليا لصالح الكاتب أوين جونز في جلسة تمهيدية ضمن قضية تشهير رفعها محرر شؤون الشرق الأوسط في BBC رافي بيرغ، على خلفية تقارير تتعلق بتغطية غزة.
وكان جونز قد أشار، استناداً إلى مقابلات مع أكثر من عشرة موظفين في BBC، إلى وجود ما وصفه بـ”ثقافة أوسع من الدعاية الإسرائيلية المنهجية” داخل المؤسسة، مع اتهام بيرغ بلعب دور رئيسي فيها.
انتقادات متزايدة لمواقف إعلاميين
على صعيد آخر، تعرض المذيع نيك روبنسون لانتقادات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعد تصريح قال فيه إن BBC “تقوم بعملها” بعدم استخدام وصف “الإبادة الجماعية” لما يجري في غزة.
ورأى البروفيسور ديفيد موند أن نتائج التحقيق تعكس نمطاً أوسع في تعامل BBC مع قضايا التحيز، مشيراً إلى أن قرار حجب وثائقي “Doctors Under Attack” بحجة تجنب الانطباع بالتحيز، أدى في الواقع إلى ترسيخ هذا الانطباع بشكل أقوى.
وختم بالقول إن ما يكشفه التقرير هو أن وزن الشكاوى وتأثيرها لدى BBC يختلف باختلاف الجهات التي تقدمها، وهو ما ينسجم مع نتائج طلب حرية المعلومات.
المصدر: declassifieduk
إقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇