تحليل: بيرنهام ومعركة بحر الشمال.. حين تصطدم فواتير الطاقة بوعود المناخ
لم تمضِ أيام كثيرة على دخول آندي بيرنهام داونينغ ستريت حتى وجد نفسه أمام سؤال لم يكن يريد تأجيله طويلًا: هل تبدأ «مساحة التنفّس» التي وعد بها البريطانيين من بحر الشمال؟
في الظاهر، يبدو الملف اقتصاديًا مباشرًا. أسعار الطاقة تضغط على الأسر، وأسعار النفط ترتفع عالميًا مع التوتر بين واشنطن وطهران، ومضيق هرمز يعود إلى قلب المخاوف الدولية. كما يشتعل تدريجيًا الوضع الأمني بين الحوثيين والمملكة العربية السعودية حول مضيق باب المندب. ما يحدث ما بين الخليج والبحر الأحمر لا يبقى في الخليج والبحر الأحمر؛ يصل إلى محطات الوقود، وفواتير الطاقة، وحسابات الحكومة في لندن.
في العمق، يفتح ملف حقلي روزبانك وجاكداو أول اختبار حقيقي للتوازن الذي يحاول بيرنهام بناءه بين تخفيف فواتير الناس واحترام وعود المناخ.
فبحسب التايمز، يدرس بيرنهام ووزيرة الطاقة مياتا فانبوله التحرك سريعًا نحو منح الضوء الأخضر لمشروعات نفط وغاز في بحر الشمال، وبينها روزبانك، الذي يوصف بأنه أكبر حقل نفط وغاز غير مطور في المملكة المتحدة، وجاكداو قبالة السواحل الاسكتلندية.
وهنا تبدأ المشكلة.
الفاتورة أولًا
منذ يومه الأول، حاول بيرنهام أن يقدم نفسه بوصفه رئيس وزراء يبدأ من حياة الناس اليومية: فواتير الطاقة، وأسعار الحافلات، والخدمات المتعثرة، والضغط الذي يصل إلى البيوت قبل أن يصل إلى نشرات الأخبار.
لذلك يمكن فهم إغراء بحر الشمال. فالموافقة على مزيد من الإنتاج المحلي تسمح لبيرنهام بأن يقول إنه لا يكتفي بخطابات عن كلفة المعيشة، بل يبحث عن أدوات عملية لتخفيفها، أو على الأقل للحد من هشاشة بريطانيا أمام أسواق الطاقة العالمية.
وتصبح هذه الحجة أكثر قوة حين تتحرك أسعار النفط قرب 100 دولار للبرميل، وسط مخاوف من اتساع المواجهة بين واشنطن وطهران حول هرمز، وتصاعد المواجهة بين الحوثيين والسعودية قرب باب المندب ومسارات البحر الأحمر. فهرمز يمر عبره أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا، ونحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط والمنتجات البترولية، بينما مرّ عبر باب المندب نحو 4.2 مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات النفطية في النصف الأول من 2025، وارتفعت أهميته مع تحوّل جزء من الصادرات السعودية إلى موانئ البحر الأحمر. في لحظة كهذه، يستطيع بيرنهام أن يقول إن الاعتماد الكامل على الواردات والأسواق المضطربة ليس سياسة اجتماعية عادلة، ولا سياسة اقتصادية آمنة.
لكن هذه هي نصف القصة فقط.

المناخ لا يختفي أمام الفواتير
روزبانك ليس مجرد مشروع طاقة عادي. إنه رمز لمعركة أوسع حول مستقبل الوقود الأحفوري في بريطانيا. فالمعارضون لا يرون فيه حلًا سريعًا للفواتير، بل تمديدًا لعمر نموذج طاقة يُفترض أن البلاد تتخلص منه تدريجيًا.وتزداد رمزية المشروع لأنه ضخم بالفعل. فقد قدّرت وثائق قضائية سابقة موارد روزبانك القابلة للاستخراج بأكثر من 300 مليون برميل مكافئ من النفط، وبعمر إنتاجي قد يصل إلى نحو 25 عامًا. لذلك فالمسألة ليست مجرد قرار قصير الأجل لعبور شتاء صعب، بل اختيار قد يمتد أثره لعقود.
وهنا لا تكمن المسألة فقط في كمية النفط أو الغاز، بل في الرسالة السياسية. إذا أعطى بيرنهام الضوء الأخضر لمشروع مثل روزبانك، فسيبدو، في نظر منتقديه، كأنه يقدم تنازلات ليربح معركة سريعة في مقابل خسارة كبيرة في قضية المناخ وزيادة الانبعاثات الضارة.
وقد زاد الحكم القضائي السابق في ملفي روزبانك وجاكداو من حساسية القرار. فالموافقات السابقة واجهت مشكلة قانونية لأنها لم تأخذ في الحسبان الانبعاثات الناتجة عن حرق النفط والغاز المستخرجين، لا الانبعاثات المباشرة من عملية الإنتاج وحدها. لذلك يعود القرار الآن إلى الحكومة ليس بوصفه إجراءً إداريًا بسيطًا، بل اختبارًا سياسيًا وبيئيًا في وقت واحد.

ثغرة «التراخيص الجديدة»
سيحاول بيرنهام، على الأرجح، أن يمشي على خط رفيع. فحزب العمال تعهد بعدم منح تراخيص جديدة للتنقيب عن النفط والغاز في بحر الشمال. لكن الحكومة قد تجادل بأن روزبانك وجاكداو ليسا «تراخيص جديدة» بالمعنى السياسي المباشر، بل مشروعات سبق أن قطعت مراحل تنظيمية وتحتاج إلى موافقات إنتاج أو تقييمات بيئية جديدة.
هذه الحجة قد توفر مخرجًا قانونيًا أو لغويًا. لكنها لا تحل المشكلة السياسية.
فالناخب لا يتابع دائمًا الفرق بين ترخيص استكشاف، وموافقة إنتاج، وربط بحقل قائم. والصراع المناخي لا يُدار بالحروف الصغيرة. ما سيُرى سياسيًا هو أن حكومة جاءت بخطاب عن التحول الأخضر قد تبدأ عهدها بتوسيع إنتاج النفط والغاز.
لهذا سيكون روزبانك، المعنى والدلالة، أكبر من روزبانك، الحقل والمكان.
بين البراغماتية والتراجع
إذا وافق بيرنهام على التوسع في بحر الشمال، سيحصل على إشادة حذرة من اليمين وقطاع النفط، وربما من نقابات ومجتمعات محلية تخشى فقدان وظائفها في شمال شرق اسكتلندا. لكنه سيخاطر بغضب الجناح الأخضر داخل حزب العمال، ومنظمات المناخ، وناخبين رأوا في نهاية عهد ستارمر فرصة لسياسة أكثر وضوحًا لا أقل.
وإذا رفض، فستكون كلفة الرفض فورية: سيُتهم بأنه يضحّي بأمن الطاقة والوظائف والفواتير من أجل التزامات مناخية لا يشعر بها المواطن في نهاية الشهر.
هذا ما يجعل موقع مياتا فانبوله مهمًا. فالوزيرة الجديدة جاءت من خلفية أكثر حساسية تجاه العدالة الاجتماعية والمناخ، لكن التايمز نقلت عنها قولها إن الأمر يتعلق بـ«البراغماتية». في المقابل، كان إد ميليباند قد وصف ترخيص روزبانك سابقًا بأنه «تخريب مناخي». بين العبارتين يظهر التحول: ما كان يُقرأ أمس كتنازل مناخي، قد يُقدَّم اليوم كواقعية سياسية في زمن توتر إقليمي وارتفاع أسعار الطاقة.
هذه هي معضلة بيرنهام الجديدة. فهو يريد أن يكون عمليًا لا أيديولوجيًا. لكن فخ الأيديولوجيا والانحياز يكمن في كل اختيار وسياسة. فالسياسة العملية في ملف الطاقة لا تعني غياب الأيديولوجيا؛ بل تعني أن كل قرار يحمل انحيازًا، حتى لو قُدّم بلغة الضرورة.
اختبار الدولة العملية
قبل أيام، كان سؤال بيرنهام: هل يستطيع أن يمنح البريطانيين «مساحة تنفّس» في كلفة المعيشة؟
اليوم يصبح السؤال أصعب: ما ثمن هذه المساحة؟
إذا كانت الفواتير هي مدخل بيرنهام إلى الشرعية، فإن معركة بحر الشمال قد تكون أول اختبار لحدود هذه الشرعية. فليس كل ما يخفف الضغط الآن يبني مستقبلًا أفضل لاحقًا. وليس كل حديث عن المناخ يقنع أسرة تخاف من فاتورة الشتاء المقبلة، خصوصًا حين ترى الأخبار تتحدث عن هرمز، وباب المندب، وإيران، وترامب، وأسواق نفط ترتفع قبل أن تهدأ.
هنا سيُعرف أي نوع من الحكومات يريد بيرنهام أن يقود: حكومة تطلب من الناس الصبر باسم التحول الأخضر، أم حكومة تخفف الألم سريعًا ولو بتنازلات مناخية، أم حكومة قادرة فعلًا على بناء طريق ثالث لا يجعل الفاتورة والمناخ خصمين دائمين.
روزبانك، بهذا المعنى، ليس حقلًا في بحر الشمال فقط. إنه أول مرآة لمعادلة بيرنهام كلها: كيف تخفف كلفة الحاضر من دون أن تزيد فاتورة المستقبل؟
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇