من الملوك إلى النواب.. سجل يكشف أكثر من 10 آلاف اسم ارتبطوا بتجارة الرقيق البريطانية
كشف مشروع بحثي جديد أسماء أكثر من 10 آلاف شخص ارتبطوا تاريخيًا بتمويل تجارة الرقيق البريطانية عبر الأطلسي والاستفادة منها، بينهم ملوك ونواب ورجال دين وشخصيات بارزة في القطاع المالي، في محاولة لرسم واحدة من أشمل الصور حتى الآن للشبكة التي دعمت هذه التجارة على مدى قرون.
ويضم سجل تجار الرقيق البريطانيين (Register of British Slave Traders)، الذي أُطلق بعد ثلاث سنوات من البحث، معلومات تفصيلية عن نحو 10,500 شخص، بعدما تمكن الباحثون من تحديد قرابة 13 ألف مستثمر شاركوا في تمويل رحلات تجارة الرقيق البريطانية.
ويركز السجل على الدور البريطاني التاريخي في تجارة الرقيق عبر الأطلسي، من ستينيات القرن السادس عشر حتى إلغاء التجارة عام 1807، وهي الفترة التي نُقل خلالها قسرًا أكثر من ثلاثة ملايين إفريقي على متن سفن بريطانية إلى المستعمرات في الأميركتين ومنطقة الكاريبي.
ملوك وفلاسفة وشخصيات شهيرة

تكشف بيانات السجل أن المشاركة في تجارة الرقيق لم تقتصر على التجار وأصحاب السفن، بل امتدت إلى مستويات مختلفة من النخبة السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية البريطانية.
ومن أبرز الأسماء الواردة الملك جيمس الثاني، الذي قاد قبل اعتلائه العرش الشركة الملكية الإفريقية، وهي إحدى أكبر المؤسسات البريطانية العاملة في تجارة الرقيق. ويظهر أيضًا اسم الفيلسوف جون لوك والموسيقار جورج فريدريك هاندل، اللذين كانا مساهمين في الشركة الملكية الإفريقية.
ويظهر في السجل كذلك اسم إدوارد كولستون، التاجر والنائب عن بريستول الذي أصبح ارتباطه بتجارة الرقيق معروفًا على نطاق واسع بعد إسقاط تمثاله خلال احتجاجات عام 2020.
كما توصل الباحثون في أعمال مرتبطة بالمشروع إلى أن المهندس المعماري الشهير السير كريستوفر رين، مصمم كاتدرائية سانت بول، ترأس اجتماعًا للجمعية الملكية عام 1682 صوّت خلاله أعضاؤها على الاستثمار في الشركة الملكية الإفريقية.
ويضم السجل إجمالًا أكثر من 100 عضو في البرلمان، وعشرات الأشخاص الذين تولوا مواقع مرتبطة ببنك إنجلترا، إضافة إلى 45 رجل دين في كنيسة إنجلترا وأكثر من ألف امرأة.
كما توصل الباحثون إلى ارتباط 51 شخصًا تولوا منصب عمدة ليفربول بتجارة الرقيق، في انعكاس للدور الكبير الذي لعبته المدينة وميناؤها في التجارة عبر الأطلسي.
ولا تعني طبيعة الارتباط أن جميع الأسماء مارست الدور نفسه؛ فقد شملت الشبكة مستثمرين وممولين وتجارًا وأصحاب سفن وغيرهم ممن كانت لهم مصالح مالية مرتبطة بالرحلات والتجارة.
تجارة امتدت إلى قلب المجتمع البريطاني
وتكمن أهمية المشروع في أنه يحاول تجاوز التركيز التقليدي على أشهر تجار الرقيق وأصحاب المزارع، ليوضح مدى انتشار الاستثمارات المرتبطة بهذه التجارة داخل المجتمع البريطاني في ذلك الوقت.
فقد كان تمويل الرحلات يحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة وتوزيع المخاطر بين عدد من المستثمرين، ما سمح بمشاركة أشخاص لم يسافروا إلى إفريقيا أو الكاريبي بأنفسهم، لكنهم استثمروا أموالهم في السفن والرحلات والسلع المرتبطة بالتجارة.
ويتيح السجل تتبع أسماء هؤلاء الأشخاص وعلاقاتهم التجارية والعائلية، وهو ما يساعد الباحثين على دراسة الطرق التي انتقلت بها الثروات المتولدة من العبودية وتجارة الرقيق إلى أجيال ومؤسسات لاحقة.
لماذا تظهر هذه الأسماء الآن؟
اعتمد المشروع على مجموعة كبيرة من السجلات التاريخية، من بينها وثائق السفن والاستثمارات والشركات والمراسلات والبيانات المتعلقة بالموانئ والتجارة.
وساعد جمع هذه المصادر في قاعدة واحدة على الكشف عن أسماء لم تكن معروفة على نطاق واسع باعتبارها جزءًا من شبكة تجارة الرقيق البريطانية.
كما يسمح المشروع بإعادة النظر في العلاقة بين هذه التجارة وتطور بعض المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية البريطانية، بدل التعامل معها باعتبارها نشاطًا جرى بعيدًا عن بريطانيا واقتصر أثره على المستعمرات.
من التاريخ إلى نقاش التعويضات
ويأتي إطلاق السجل في وقت لا يزال فيه إرث العبودية والاستعمار موضوعًا لخلاف سياسي بين بريطانيا وعدد من دول الكاريبي.
فقد قدم وفد من جامايكا مؤخرًا عريضة إلى الملك تشارلز تطالب بريطانيا باتخاذ خطوات لمعالجة إرث العبودية، في ظل استمرار مطالبات دول الكاريبي بإجراء حوار حول التعويضات والاعتذار عن تجارة الرقيق والاستعمار.
وتقول الحكومات البريطانية المتعاقبة إنها لا تعتزم دفع تعويضات مالية عن العبودية، بينما تؤكد دول ومؤسسات في الكاريبي أن النقاش لا يقتصر بالضرورة على مدفوعات نقدية، وإنما يشمل قضايا مثل التنمية والصحة والتعليم ونقل التكنولوجيا وإلغاء الديون.
ويضيف السجل الجديد بعدًا آخر إلى هذا النقاش، لأنه يحول جانبًا من المسؤولية التاريخية من أرقام عامة عن السفن والرحلات إلى أسماء أفراد وشبكات مالية وسياسية محددة.
ماذا يغير السجل؟

لا يقدم الكشف دليلًا على مسؤولية قانونية معاصرة لأحفاد الأشخاص الواردة أسماؤهم، ولا يعني أن المؤسسات الحالية تتحمل تلقائيًا مسؤولية قانونية عن أفعال تعود إلى قرون مضت.
لكن الباحثين يرون أن توثيق شبكة المستفيدين والمستثمرين يساعد على فهم كيفية ارتباط تجارة الرقيق بتراكم الثروة وتطور مؤسسات بريطانية خلال تلك الفترة.
ويفتح نشر الأسماء أيضًا المجال أمام مزيد من الأبحاث في تاريخ العائلات والمؤسسات والأموال التي انتقلت عبر الأجيال، في وقت يتزايد فيه التدقيق في علاقة عدد من الجامعات والبنوك والمؤسسات الثقافية والعائلات البريطانية بالعبودية والاستعمار.
وبذلك لا يضيف السجل فصلًا جديدًا إلى معرفة حجم تجارة الرقيق البريطانية بقدر ما يقدم خريطة أكثر تفصيلًا للأشخاص الذين موّلوها واستفادوا منها، وهو ما قد يعيد طرح أسئلة المسؤولية التاريخية بصورة أكثر تحديدًا في بريطانيا.
المصدر الأساسي: الغارديان
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇