العرب في بريطانيا | بيرنهام وترامب.. هل تكفي لغة جديدة لإصلاح العلا...

تحليل: بيرنهام وترامب.. هل تكفي لغة جديدة لترميم علاقة كسرتها اندفاعات واشنطن؟

تحليل: بيرنهام وترامب.. هل تكفي لغة جديدة لترميم علاقة كسرتها اندفاعات واشنطن؟ الصورة| مولدة بالذكاء الاصطناعي.
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

يحاول آندي بيرنهام أن يبدأ علاقته مع دونالد ترامب بنبرة مختلفة: اتصال مبكر، وعبارات ودية، وحديث عن زيارة مستقبلية إلى مانشستر، ووزير دفاع جديد يقول إن أول ما يفعله الحليف الجاد هو ألا «يتملق» الرئيس الأمريكي، بل أن يعرف كيف يختلف معه بوضوح.

في الظاهر، تبدو هذه محاولة ذكية لإصلاح ما تضرر في علاقة لندن بواشنطن خلال الأشهر الأخيرة من حكم كير ستارمر. لكن الأزمة مع ترامب لم تكن مجرد سوء إدارة في اللغة، ولا خطأ بروتوكوليًا يمكن إصلاحه بدعوة إلى مانشستر أو مكالمة دافئة. كانت، في جوهرها، أزمة واقع: حرب إيران، واستخدام القواعد البريطانية، وغضب أمريكي من تردد الحلفاء، ورأي عام بريطاني لا يريد الانجرار إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط، وانتقادات أمريكية متكررة لطريقة إدارة ملف الهجرة في بريطانيا، واختلاف إدارة ترامب مع سياسات حزب العمال في الطاقة، وملف جزر تشاغوس، والإنفاق الدفاعي، وفوق ذلك كله الاندفاع الذي يميز السياسات الأمريكية في عهد ترامب.

لذلك، لا يواجه بيرنهام مشكلة علاقات عامة مع ترامب فقط. إنه يواجه رئيسًا أمريكيًا متقلبًا، وحربًا مفتوحة، وتحالفًا عسكريًا لا تستطيع بريطانيا مغادرته، ولا تستطيع أيضًا الانسياق خلفه بلا شروط.

النبرة الجديدة: صداقة بلا تملق

الفرق الأول بين بيرنهام وستارمر ليس في السياسة الصلبة بعد، بل في طريقة الكلام بشأن السياسة. بيرنهام بدأ سريعًا بإشارة شخصية إلى ترامب، وتحدث عن رغبته في أن يريه ما تستطيع مانشستر تقديمه في زيارة مستقبلية. هذه ليست جملة عابرة. فالرجل الذي كان ترامب قد اختصره ساخرًا في صورة «عمدة مدينة ما» يحاول الآن أن يحوّل تلك المدينة نفسها، مانشستر، إلى مسرح رمزي لعلاقة جديدة بينه وبين الرئيس الأمريكي الذي سخر منه ومن مدينته.

هنا لا تصبح مانشستر مجرد مكان لقمة أو زيارة. تصبح رسالة سياسية: بيرنهام لا يستقبل ترامب بوصفه رئيس وزراء فقط في لندن، بل بوصفه رجل الشمال الذي يريد أن يضع مدينته في قلب العلاقة الخاصة. إنها محاولة لتحويل الإهانة إلى منصة، والسخرية إلى فرصة.

لكن بيرنهام يعرف أن الدفء وحده قد يتحول إلى تهمة داخلية. لذلك قال، في مقابلته مع بي بي سي، إنه لا يستطيع أن يعد بأنه لن يختلف مع ترامب، وإنه سيطرح «الرأي المختلف» إذا كان ذلك هو الصحيح لبريطانيا. بكلمات أخرى: يريد أن يظهر ودودًا مع ترامب، لا تابعًا له.

ويس ستريتنغ قدّم النسخة الدفاعية من الخط نفسه. فهو لا يريد قطيعة مع واشنطن، لكنه لا يريد أيضًا صورة الحليف الذي يطارد رضا ترامب. قال إن بريطانيا لم تدعم عمليات هجومية في إيران «ولن تدعمها»، لكنه أضاف أن هناك أشياء كثيرة يمكن أن تفعلها لندن وواشنطن معًا. ثم صاغ القاعدة السياسية الأهم: إدارة ترامب لا تبحث عن حلفاء «يتملقونها»، بل عن حلفاء قادرين على عرض خلافاتهم بثقة.

هذه هي محاولة بيرنهام الأولى: صداقة بلا تملق، واختلاف بلا قطيعة.

لماذا لم تكن مشكلة ستارمر في الأسلوب وحده؟

لكن هذه الصيغة، مهما بدت أنيقة، لا تلغي حقيقة أن مأزق ستارمر لم يكن في النبرة فقط.

ستارمر لم يخسر ترامب لأنه كان باردًا أو قليل المجاملة. خسره، جزئيًا، لأنه حاول أن يدير حرب إيران داخل قيود لا يراها ترامب بالطريقة نفسها. رفض في البداية أن تكون بريطانيا جزءًا من الضربات الأولى على إيران، ثم قبل لاحقًا استخدام القواعد البريطانية في ما وصفه بأنه غرض دفاعي «محدد ومحدود» ضد قدرات صاروخية إيرانية تهدد السفن والمصالح الغربية. لكن ما بين الرفض المبدئي والقبول اللاحق، انكشفت حدود القدرة البريطانية التي لا تستطيع دفع ثمن تحدٍّ كامل للسياسات الأمريكية، حتى حين تكون هذه السياسات مثيرة للجدل والأزمات معاً.

هذه لم تكن مناورة سهلة. فمن ناحية، كانت واشنطن تريد حليفًا أسرع وأكثر وضوحًا. ومن ناحية أخرى، كان الرأي العام البريطاني معارضًا بقوة للحرب. أحد تحليلات تشاتام هاوس أشار إلى أن غالبية الناخبين البريطانيين عارضوا الصراع مع إيران، وأن موقف ستارمر عكس هذا المزاج العام بقدر ما كشف حدود النفوذ البريطاني.

لهذا كان من السذاجة، كما قالت الغارديان في تحليل سابق، التعامل مع ستارمر كأنه «ناصح ترامب المقرب» القادر على إقناع الرئيس الأمريكي بالتراجع عن قرارات متهورة لمجرد أنه يتحدث معه بهدوء. المشكلة لم تكن أن ستارمر لم يجد الكلمة المناسبة. المشكلة أن ترامب كان يدير حربًا يصعب ضبطها بالكلمات، وأن بريطانيا كانت محشورة بين التحالف والرأي العام والقواعد العسكرية والرد الإيراني المحتمل.

هنا يرث بيرنهام أزمة لا تُحل بمجرد أن يكون ألطف من سلفه. وربما يكون قد اكتشف فعلًا أن المشكلة أكبر من لطف الكلمات، وأنها تتعلق بطبيعة رئيس أمريكي تصبغ اندفاعاته كل ملف تقترب منه لندن.

هرمز: اختبار الصراحة لا المجاملة

Strait of Hormuz. NASA public domain image colelction. — PICRYL - Public Domain Media Search Engine
مضيق هرمز| صورة بالأقمار الصناعية- PICRYL – Public Domain

في مضيق هرمز تظهر حدود اللغة الجديدة بسرعة. تستطيع حكومة بيرنهام أن تقول إن التعاون مع واشنطن ليس مشاركة في حرب، بل دفاع عن الملاحة، وتأمين لحركة الشحن، وخفض للتكاليف على الشركات والعائلات، وحماية لطريق تمر منه طاقة العالم.

هذه لغة مفهومة داخليًا؛ لأنها تنقل هرمز من خريطة عسكرية بعيدة إلى فاتورة معيشة بريطانية. لكنها لا تمحو الخطر. فما تسميه لندن «حماية الملاحة» قد تقرأه طهران دعمًا عسكريًا للولايات المتحدة، وما يراه ترامب مساهمة حليف قد يراه قطاع من البريطانيين بداية انزلاق جديد نحو حرب لا يعرف أحد كيف تنتهي.

لذلك، لن يكون هرمز اختبارًا لقدرة بيرنهام على مجاملة ترامب، بل اختبارًا لقدرته على قول «نعم» محدودة ومشروطة: نعم لحماية السفن، نعم لتأمين الممرات، نعم لتقليل أثر الأزمة على الطاقة والأسعار، لكن لا لعمل هجومي مفتوح، ولا لتفويض عسكري غامض، ولا لتحويل بريطانيا إلى جبهة إضافية في حرب أمريكية.

هذه هي المنطقة التي ستكشف سريعًا ما إذا كانت «الصراحة مع ترامب» سياسة حقيقية أم عبارة مريحة للاستهلاك الداخلي.

اليمين يريد أفعالًا لا مكالمات

المشكلة أن ترامب، والصحف المحافظة في بريطانيا، لا يختبران العلاقة بالكلام فقط.

من اليمين تبدو الرسالة واضحة: مكالمة دافئة لا تكفي، ومحاولة ستريتنغ ترميم العلاقة لا تكفي. المطلوب أفعال: إنفاق دفاعي أسرع، واستغلال أكبر لاحتياطات النفط والغاز في بحر الشمال، وموقف أشد في ملف الهجرة، ودعم أوضح للحليف الأمريكي في لحظة الحرب.

هنا يصبح التقارب مع ترامب مكلفًا. ليس لأن بيرنهام مضطر إلى إعلان الولاء للرئيس الأمريكي، بل لأن أي محاولة لإصلاح العلاقة ستفتح فورًا سؤال الثمن: كم ستنفق بريطانيا على الدفاع؟ إلى أي مدى ستسمح باستخدام القواعد؟ هل ستقترب أكثر من أجندة الطاقة التي يفضّلها ترامب؟ وهل ستقبل أن تُقاس جديتها بمدى استعدادها لمجاراة واشنطن في الملفات التي تهم البيت الأبيض؟

بعبارة أخرى، اليمين لن يكفيه سماع بيرنهام يقول إنه يحترم ترامب. سيطالبه بأن يثبت ذلك في الموازنة، والبحر، والقواعد، والطاقة. وكل خطوة في اتجاه ترامب قد ترضي اليمين، لكنها ستُقرأ لدى قطاعات من اليسار بوصفها تبعية لا تحالفًا.

بحر الشمال: هدية جانبية لا صفقة كاملة

File:Oil platform in the North Sea.jpg - Wikimedia Commons
منصات تنقيب في بحر الشمال| الصورة: ويكيميديا

من هنا يدخل ملف بحر الشمال، لكن بحذر. فحديث بيرنهام عن تسريع مشروعات النفط والغاز أو تسهيلها يمنح ترامب نقطة امتداح مبكرة؛ لأنه يلامس غريزته السياسية المعروفة: احفر أكثر، وأنتج أكثر، وقلل الاعتماد على الخارج.

لكن سيكون تبسيطًا زائدًا أن نقول إن بيرنهام يغيّر سياسة الطاقة استجابة لترامب وحده. الحسابات البريطانية أوسع: فواتير الطاقة، وأمن الإمدادات، ووظائف الشمال الشرقي، وضغط الأسواق، والخوف من أن تتحول وعود خفض تكلفة المعيشة إلى كلام بلا أدوات.

لذلك يصلح بحر الشمال كإشارة تقارب جانبية مع إدارة ترامب، لا كدليل على صفقة سياسية. إنه يمنح بيرنهام شيئًا يمكن أن يعجب ترامب، لكنه لا يحل الأزمة الكبرى. فالرئيس الأمريكي قد يرحب بالتنقيب اليوم، ثم يطلب غدًا موقفًا أوضح في هرمز، وقواعد اشتباك أكثر عدائية تجاه إيران، أو إنفاقًا دفاعيًا أعلى، أو تسهيلات عسكرية أوسع.

وهنا تظهر حدود الهدايا الصغيرة في علاقة مع رئيس لا يكتفي بالرموز طويلًا.

بين الصراحة والتبعية

يحاول بيرنهام، إذن، أن يفعل ثلاثة أشياء متعارضة في وقت واحد.

يريد أن يقول لترامب إن بريطانيا عادت إلى البراغماتية، وإنها تفهم الدفاع والطاقة والملاحة بلغة المصالح لا بلغة الوعظ. ويريد أن يقول للجمهور البريطاني إن هذه البراغماتية ليست تبعية، وإنه لن يدعم عملًا هجوميًا في إيران لمجرد أن واشنطن تريده. ويريد أن يقول للأسواق إن حكومته لن تترك هرمز والطاقة والدفاع للفوضى.

هذه معادلة دقيقة. فإذا مال كثيرًا إلى ترامب، سيبدو كمن يرمم العلاقة الخاصة بثمن الحرب. وإذا ابتعد كثيرًا، سيبدو في واشنطن كنسخة أخرى من التردد الأوروبي الذي يهاجمه ترامب باستمرار. وإذا بالغ في الغموض، سينهار الغموض عند أول أزمة: ضربة على قاعدة، أو هجوم على سفينة، أو طلب أمريكي جديد لا يمكن تغطيته بعبارة «التعاون الدفاعي».

لذلك، لا يكفي أن تكون لغة بيرنهام ألطف من لغة ستارمر. ولا يكفي أن تكون مكالمته مع ترامب أكثر دفئًا. ولا تكفي دعوة مانشستر، ولا إشارة بحر الشمال، ولا حديث ستريتنغ عن عدم التملق. كل هذه أدوات مفيدة، لكنها أدوات حول المشكلة لا في قلبها.

قلب المشكلة يكمن في أن العلاقة مع ترامب ليست علاقة يمكن إصلاحها بإدارة أفضل فقط؛ لأن جزءًا من أزمتها في طبيعة ترامب نفسه: رئيس يخلط الأمن بالطاقة، والتحالف بالولاء، والاختلاف بالخيانة، وقد ينتقل من التهديد إلى الصفقة، أو من التهدئة إلى التصعيد، في وقت أسرع مما تستطيع لندن أن تبني بشأنه سياسة مستقرة.

لهذا، فإن سؤال بيرنهام مع ترامب ليس ما إذا كان يستطيع فتح صفحة جديدة. السؤال هو: هل يستطيع أن يملأ هذه الصفحة بسياسة لا تبدو في واشنطن ترددًا، ولا تبدو في لندن تبعية، ولا تُقرأ في طهران باعتبارها عدائية؟

فالعلاقة الخاصة لا تُرمم بالمجاملة وحدها، ولا تُدار بالعداء وحده. تُدار بخط واضح يعرف متى يقترب من واشنطن، ومتى يقول لها إن المصالح البريطانية لا تنتهي عند أبواب البيت الأبيض.


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 27 يوليو 2026
تخريب أحواض الزهور ورشق المارة بالطين... وثقت مشاهد مصورة أعمال تخريب وإتلاف متعمد للممتلكات العامة ارتكبها مراهقون في منطقة ساتون كولدفيلد - بيرمنغهام. وتضمنت الاعتداءات محاولات لتحطيم نوافذ الحافلات، إتلاف أحواض الزهور، ورشق النباتات والطين والحجارة على الطرقات وأمام المارة،…
𝕏 @alarabinuk · 27 يوليو 2026
📌صيف يضغط على الصحة والحياة... تستعد بريطانيا لموجة حارة جديدة هذا الأسبوع، في وقت لم تحصل فيه أكثر المناطق جفافًا في البلاد على أمطار كافية خلال الأيام الماضية، ما يزيد المخاوف من تفاقم الجفاف في جنوب إنجلترا ووسطها وشرقها. وبحسب…
𝕏 @alarabinuk · 27 يوليو 2026
R to @AlARABINUK: 🔗 اطلع على التفاصيل الكاملة لهذه الموجة والتحذيرات الصحية: https://alarabinuk.com/?p=238042
𝕏 @alarabinuk · 27 يوليو 2026
📰 من استقالة مبكرة تهدد حكومة بيرنهام إلى خطط متسارعة لإصلاح نظام الإعانات للشباب، وتحركات لإلغاء ضرائب تاريخية.. هكذا رسمت الصحف البريطانية ملامح المشهد السياسي والاقتصادي في البلاد لهذا اليوم. #العرب_في_بريطانيا #AUK
عرض المزيد على X ←