العرب في بريطانيا | بيرنهام وترامب عند هرمز.. هل تقود حماية الملاحة...

تحليل: بيرنهام وترامب عند هرمز.. أين تنتهي حماية الملاحة وتبدأ الحرب؟

تحليل: بيرنهام وترامب عند هرمز.. أين تنتهي حماية الملاحة وتبدأ الحرب؟
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

لا يتحرك وزير الدفاع البريطاني ويس ستريتنغ في فراغ، ولا يفتح قناة مع إدارة دونالد ترامب من تلقاء نفسه. حين تعرض لندن التعاون في ملف مضيق هرمز، وحين يجري الحديث عن مؤتمر دولي في العاصمة البريطانية لبحث تأمين الممر البحري، فنحن أمام توجه حكومي، لا حماسة شخصية من الوزير ستريتنغ في منصبه الجديد.

لكن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت حكومة آندي بيرنهام تريد ترميم علاقتها بواشنطن. السؤال الأكبر: ما الثمن العسكري لهذا الترميم؟ وأين ينتهي دور بريطانيا في «حماية الملاحة» قبل أن يبدأ دورها، أو تُقرأ، على الأقل، طرفًا في حرب ترامب مع إيران؟

هذه هي المنطقة الرمادية في أزمة هرمز. فالحكومات عادةً تفضل العبارات الواسعة: حرية الملاحة، وأمن الطاقة، وحماية التجارة العالمية، ومهمة دفاعية متعددة الجنسيات. لكن ما تصفه لندن بأنه دفاع عن السفن قد تراه طهران دعمًا عسكريًا للولايات المتحدة. وما تراه واشنطن مساهمة حليفة في فتح المضيق قد يتحول داخليًا في بريطانيا إلى سؤال عن الانجرار إلى حرب لا تريد الحكومة أن تحمل اسمها.

فالحرب تحمل عبئًا أخلاقيًا في بدايتها، وعبئًا سياسيًا في إنهائها. وسيتساءل قطاع غير قليل من البريطانيين، إذا دخلت بلادهم هذه المواجهة، لماذا ندخل حربًا لا تستطيع الولايات المتحدة نفسها الخروج منها؟

هرمز ليس ممرًا بعيدًا

Strait of Hormuz | Satellite image of the Strait of Hormuz. … | Flickr
صور بالأقمار الصناعية لمضيق هرمز. الصورة| فليكر-CC BY 2.0 Creator: eutrophication&hypoxia

مضيق هرمز ليس تفصيلًا في خريطة الشرق الأوسط. إنه أحد أكثر الممرات حساسية في الاقتصاد العالمي، ويمر عبره نحو خُمس النفط العالمي. لذلك لا تستطيع بريطانيا أن تتعامل مع إغلاقه أو اضطرابه كأزمة إقليمية فقط. كل يوم توتر في المضيق يضغط على أسعار الطاقة، وأسواق التأمين والشحن، وحسابات التضخم، ثم يصل في النهاية إلى فواتير الأسر البريطانية.

من هذه الزاوية، تستطيع حكومة بيرنهام أن تدافع عن التعاون مع الولايات المتحدة باعتباره دفاعًا عن مصلحة بريطانية مباشرة. ففتح هرمز ليس خدمة مجانية لترامب، بل حماية لطريق تجاري يمر منه جزء كبير من الطاقة التي يتحرك بها الاقتصاد العالمي.

لكن هذه الحجة لا تلغي السؤال السياسي. فإذا كانت بريطانيا ستساهم، فكيف ستساهم؟ هل بإزالة ألغام؟ بدوريات بحرية؟ بالدفاع ضد المسيّرات؟ بتأمين سفن تجارية؟ أم بدعم عمليات أمريكية أوسع ضد قدرات إيرانية على الساحل؟

الفرق بين هذه المستويات ليس تفصيلًا عسكريًا. إنه الفرق بين مهمة دفاعية قابلة للتبرير، ومنطقة رمادية قد تُدخل بريطانيا في حسابات الحرب.

مهمة دفاعية أم دعم حرب؟

المدخل الأسلم لحكومة بيرنهام هو أن تحصر الدور البريطاني في حماية السفن وفتح الممرات: إزالة الألغام، ومراقبة التهديدات، والدفاع ضد المسيّرات، ومرافقة السفن، وتنسيق قوة دولية لا تُقدَّم كذراع بريطانية للحرب الأمريكية.

وقد أعلنت لندن سابقًا أن مساهمتها في مهمة متعددة الجنسيات لتأمين هرمز يمكن أن تشمل معدات مستقلة لصيد الألغام، وأنظمة مضادة للمسيّرات، وطائرات تايفون، ومدمرة بريطانية، بدعم جديد قدره 115 مليون باوند، مع وصف المهمة بأنها «دفاعية ومستقلة وذات مصداقية». هذه اللغة ليست بريئة. إنها محاولة لرسم خط واضح: بريطانيا لا تذهب إلى حرب على إيران، بل إلى مهمة لتأمين الملاحة. لكن هنا تبدأ مشكلة اللغة والتفسير؛ فما يُقرأ بالإنجليزية على أنه مهمة دفاعية قد يُقرأ بالفارسية على أنه إعلان حرب.

فالخط الذي يبدو واضحًا في لندن قد لا يبدو واضحًا في طهران. فالحرس الثوري الإيراني حذّر من أن بريطانيا ستكون «هدفًا مؤكدًا ومشروعًا» إذا دعمت الولايات المتحدة في حرب مع إيران. ومن هنا تأتي خطورة الدعم اللوجستي. ففتح قواعد، أو توفير معلومات، أو دعم ضربات توصف بأنها «دفاعية»، قد لا يظهر للجمهور البريطاني كمشاركة قتالية، وقد يُقرأ إيرانيًا كجزء من آلة الحرب الأمريكية.

ترامب يبحث عن مخرج.. وبريطانيا تبحث عن توازن

Iran: Trump signals talks and troops, Tehran doubts U.S. intent - The Watcher PostPhoto: Creator: rawpixel.com / National Archives and Records Administration (Source)
الرئيس الأمريكي ترامب| الصورة: Creator: rawpixel.com / National Archives and Records Administration (Source)

تريد واشنطن من حلفائها أن يشاركوا في تحمل عبء هرمز، لكن لندن تحاول أن تبيع المهمة لجمهورها بلغة مختلفة. فداونينغ ستريت ربطت التحرك في المضيق بـ«تأمين حركة الشحن» و«خفض التكاليف على الشركات والعائلات في أنحاء البلاد»، أي أنها لا تقدم هرمز كملف عسكري مجرد، بل كامتداد مباشر لفاتورة المعيشة في الداخل البريطاني.

هنا تكمن براعة الصياغة وخطورتها في الوقت نفسه. فالحكومة البريطانية الجديدة تحتاج إلى أن تثبت أن بريطانيا لا تزال حليفًا مهمًا لواشنطن، من دون أن تظهر كمن يوقّع شيكًا مفتوحًا لترامب، ومن دون أن تبدو في طهران كعدو على جبهة القتال. وبين خطاب «خفض التكاليف للعائلات» وخطر الرد الإيراني، تتحرك بريطانيا في مساحة ضيقة جدًا.

لهذا تبدو صيغة «حماية الملاحة» مريحة في البداية، لكنها لا تكفي وحدها. فكل مهمة بحرية تحتاج إلى قواعد اشتباك، وتحديد واضح لما يحدث إذا هاجمت إيران سفينة، أو استهدفت طائرة، أو ضربت قاعدة تُستخدم في الدعم. عند هذه اللحظة، لا يعود السؤال نظريًا: هل نشارك في الحرب؟ بل عمليًا: كيف نرد؟

اختبار بيرنهام الأول في السياسة الخارجية

حتى الآن، يحاول بيرنهام أن يقدم نفسه في الداخل كرئيس وزراء يريد تخفيف الضغط عن الناس. لكن هرمز يذكّره بأن فواتير البريطانيين لا تحددها الخزانة وحدها، بل تحددها أيضًا المضائق البحرية والقواعد العسكرية والتحالفات الكبرى.

لذلك لا يتعلق الخطر بما ستفعله بريطانيا فقط، بل بكيف سيُترجم فعلها في طهران. فالحرس الثوري الإيراني حذّر من أن بريطانيا ستكون «هدفًا مؤكدًا ومشروعًا» إذا دعمت الولايات المتحدة في حرب مع إيران. وهذا التحذير، حتى لو حمل جانبًا دعائيًا، يكشف جوهر المأزق: بريطانيا قد تدخل المهمة بلغة حماية الملاحة، ثم تجد نفسها داخل قاموس مختلف تمامًا، قاموس الردع والانتقام وتوسيع الحرب.

لذلك لا يختبر هرمز علاقة بيرنهام بترامب فقط، بل يختبر قدرته على رسم حد فاصل بين التحالف والتبعية، وبين حماية التجارة والمشاركة في القتال، وبين الدفاع عن المصالح البريطانية والانجرار إلى حرب لا تستطيع لندن التحكم في مسارها.

قد يكون مضيق هرمز جغرافيًا بعيدًا عن وستمنستر، لكنه سياسيًا قريب جدًا من حكومة بيرنهام الجديدة، التي تريد أن ترسم خطًا واضحًا يميزها عن حكومة ستارمر من دون أن تدفع ثمنًا أكبر من اللازم. وفي هذا الممر الضيق، ستُختبر واحدة من أصعب معادلاتها الأولى: أن تبقى بريطانيا حليفًا لواشنطن، من دون أن تتحول إلى جبهة إضافية في حرب ترامب. لذلك لا تملك حكومة بيرنهام ترف الحركة الغامضة في هرمز؛ فكل إشارة عسكرية هناك قد تُقرأ بأكثر من لغة، وكل خطوة غير محسوبة قد تحمل ثمنًا سياسيًا وأخلاقيًا وعسكريًا يتجاوز بكثير شعار «حماية الملاحة».


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 26 يوليو 2026
أثارت وزارة الداخلية البريطانية استياء عائلة فلسطينية بعد رفضها منح أم فلسطينية من القدس تأشيرة زيارة لابنها المقيم في لندن، في حين وافقت على منح زوجها التأشيرة رغم تقدمهما بالطلب نفسه، وبالمستندات ذاتها، وللغرض نفسه. وكان كريم عبد الله، الذي…
𝕏 @alarabinuk · 26 يوليو 2026
R to @AlARABINUK: للمزيد من التفاصيل: https://alarabinuk.com/?p=237705
𝕏 @alarabinuk · 26 يوليو 2026
ليلة قسنطينية ساحرة في قلب العاصمة البريطانية.. 🇩🇿 أجواء أندلسية وألحان المالوف القسنطيني أحيتها الفنانة دنيا الجزائرية في احتفالية مميزة بتنظيم مؤسسة "صوت المرأة الجزائرية في المملكة المتحدة"، وبحضور لافت للجزائريين في لندن. #شاهد أبرز محطات هذه الأمسية ⬇️ #العرب_في_بريطانيا…
𝕏 @alarabinuk · 26 يوليو 2026
“ليس هذا هو الوضع الطبيعي!” حذّرت الصحفية البريطانية من أصول باكستانية آني سايز من تنامي المحتوى المعادي للمسلمين على منصات التواصل، وذلك عقب تداول مقطع فيديو يُظهر اعتداءً أمام مسجد المدينة في العاصمة الأيرلندية دبلن، حيث أفادت منشورات متداولة بأن…
عرض المزيد على X ←