تحليل: حين تقول منظمة إنسانية «تواطؤ» في غزة.. لماذا أغضبت “أنقذوا الأطفال” حكومة ستارمر؟
في العادة، تتحدث المنظمات الإنسانية بلغة محسوبة: أطفال، جوع، نزوح، مستشفيات مدمرة، ومساعدات لا تصل.
لكن حين تستخدم منظمة بحجم «أنقذوا الأطفال» كلمة «تواطؤ» في وصف إرث رئيس وزراء بريطاني تجاه غزة، لا يعود الخلاف حول منشور على إكس فقط. بل يصبح الخلاف حول حدود ما يُسمح للضمير الإنساني أن يقوله للسلطة.
هذا ما حدث مع حكومة كير ستارمر في أيامها الأخيرة. منشور ساخر على هيئة لوحة زرقاء تذكارية قال إن «التاريخ لن ينسى التواطؤ»، في إشارة إلى مقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، بينهم آلاف الأطفال، وإلى استمرار بريطانيا في علاقاتها العسكرية والسياسية مع إسرائيل رغم بعض القيود على تصدير السلاح.
لم تكن الصورة وحدها هي المشكلة.
الكلمة كانت المشكلة: «التواطؤ».
أكثر من تقاعس
كلمة «تواطؤ» ليست مثل «قلق» أو «تقاعس» أو «فشل».
إنها لا تقول فقط إن الحكومة لم تفعل ما يكفي. بل تقول إن بعض ما فعلته، واستمرت في فعله، سار في اتجاه مساعدة إسرائيل عمليًا، بينما انتقدت بعض أفعالها علنًا.
وهنا جوهر الاتهام؛ فالحكومة البريطانية تقول إنها فرضت قيودًا على بعض تراخيص السلاح، وعلّقت مسارات تجارية، وفرضت عقوبات على شخصيات إسرائيلية، وقدمت مساعدات للفلسطينيين، واعترفت بدولة فلسطين. لكن منتقديها يرون أن هذه الخطوات لا تلغي استمرار التعاون العسكري والأمني مع إسرائيل، ولا تعالج الاستثناءات التي أبقت أجزاء حساسة من العلاقة قائمة.
في آذار/مارس 2025، وخلال نقاش في مجلس العموم عن التعاون العسكري مع إسرائيل، قال وزير القوات المسلحة لوك بولارد إن بريطانيا وإسرائيل تربطهما «شراكة استراتيجية واسعة وطويلة الأمد»، تشمل التعليم الدفاعي، والتدريب المشترك، وتطوير القدرات. كما قال إن سلاح الجو الملكي نفذ رحلات مراقبة غير مسلحة فوق شرق المتوسط، بما في ذلك أجواء إسرائيل وغزة، موضحًا أنها مخصصة لدعم عمليات إنقاذ الرهائن، وأن المعلومات لا تُمرر إلا إذا كانت متصلة بهذا الغرض وبما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني.
لكن هذه التطمينات لا تنهي السؤال؛ ففي النقاش نفسه، أقر الوزير بأن تعليق تراخيص التصدير لا يشمل مكونات برنامج إف-35 العالمي، مبررًا ذلك بالدور الاستراتيجي الأوسع للبرنامج داخل الناتو وبآثاره على الأمن الدولي. كما قال إن دعم الحكومة لإسرائيل يظل «ثابتًا» في مواجهة ما وصفه بالعدوان والإرهاب، مع الإبقاء على مراجعة التراخيص.

هذه ليست صورة امتناع فقط.
هذه سياسة قائمة: انتقاد في العلن لبعض ممارسات إسرائيل، مع استمرار شراكة دفاعية، ورحلات مراقبة، واستثناءات في صادرات عسكرية حساسة.
لماذا تخاف الحكومة من اللغة؟
تخاف الحكومة من كلمة «تواطؤ» لأنها تكسر صيغة مريحة: نحن قلقون، نضغط، نطالب بضبط النفس، ونراجع التراخيص.
هذه الصيغة تسمح للدولة بأن تبدو أخلاقية من دون أن تقطع أدوات العلاقة. أما كلمة «تواطؤ» فتسأل: ماذا تعني كل بيانات القلق إذا بقي التعاون العسكري والتقني والاقتصادي قائمًا؟ وماذا تعني القيود الجزئية إذا ظلت مكونات إف-35 خارج التعليق؟ وماذا تعني الدعوة إلى حماية المدنيين إذا ظلت بريطانيا جزءًا من بنية أمنية تساعد إسرائيل؟
لهذا أغضبت «أنقذوا الأطفال» الحكومة.
فالمنظمة لم تكتفِ بالحديث عن الضحايا. لقد نقلت النقاش من مشهد إنساني إلى مساءلة سياسية: بريطانيا ليست شاهدًا بعيدًا على الحرب، بل دولة تملك أدوات ضغط وسلاح وتجارة وعلاقات عسكرية، واختارت ألا تستخدمها كلها لوقف الكارثة.
التمويل كسؤال استقلال

يزيد الجدل حساسيةً أن «أنقذوا الأطفال» تلقت تمويلًا حكوميًا كبيرًا منذ عام 2024.
وهنا يظهر سؤال صعب: هل التمويل العام للمنظمات الإنسانية يشتري الخدمة فقط، أم يخلق توقعًا بالصمت السياسي؟
من الطبيعي أن تسأل الحكومة منظمة ممولة من المال العام عن حملة تراها حادة أو غير مسؤولة. لكن من الطبيعي أيضًا أن تسأل المنظمة: إذا كانت ترى أن سياسة الدولة تساعد، عمليًا، في استمرار ضرر يلحق بالأطفال، فهل يجب أن تخفف لغتها لأنها تتلقى تمويلًا من الدولة نفسها؟
كل منظمة إنسانية تعمل قرب الحكومات تعيش هذه المعادلة: تحتاج إلى تمويل رسمي كي تنقذ الأرواح، لكنها تحتاج إلى استقلال أخلاقي كي تقول إن السياسات الرسمية لا تكتفي بالفشل، بل قد تساهم في صناعة الأزمة.
وحين تضغط الحكومة على اللغة، يصبح السؤال أكبر من غزة: هل تريد الدولة شريكًا إنسانيًا مستقلًا، أم مقاول إغاثة لا يزعجها سياسيًا؟
سلامة السياسيين أم إسكات النقد؟
تدافع الحكومة أيضًا عن غضبها بالقول إن المناخ السياسي متوتر، وإن النواب يشعرون بقلق متزايد على سلامتهم، خصوصًا بعد مقتل شخصيات عامة وما يرافق ذلك من مخاوف أمنية.
هذا القلق مشروع.
لا يجوز أن تتحول السياسة إلى تحريض شخصي، ولا أن تُستخدم لغة الغضب لتبرير التهديد أو العنف ضد المسؤولين.
لكن هناك فرقًا بين التحريض على شخص، ومحاسبة سياسة. وبين استهداف رئيس وزراء كفرد، واتهام حكومته بالتواطؤ بسبب قرارات السلاح، والاستثناءات العسكرية، والتعاون الدفاعي، والدبلوماسية.
إذا انهار هذا الفرق، ستصبح أي لغة حادة ضد السياسات الحساسة قابلة للتصوير بوصفها تهديدًا للسلامة العامة. ويمكن إسكات أي نقد تحت ذريعة التحريض.
بيرنام يرث الكلمة الثقيلة
تأتي الأزمة بينما يستعد آندي بيرنام لدخول داونينغ ستريت، وبعد أيام من اعتذاره عن موقف حزب العمال الأولي من غزة. وهذا يجعل منشور «أنقذوا الأطفال» رسالة إلى الماضي والمستقبل معًا.
إلى ستارمر، تقول المنظمة: هذا إرثك.
وإلى بيرنام، تقول: لا تكرر المسار نفسه.
فالتحالف الإنساني الذي يضغط على الحكومة المقبلة لا يطلب عبارات تعاطف جديدة فقط. يطلب تعليقًا كاملًا لمبيعات السلاح إلى إسرائيل، وعقوبات تجارية، وردًا واضحًا على التزامات بريطانيا في ضوء القانون الدولي، وموقفًا أكثر صرامة من المستوطنات والانتهاكات في غزة والضفة الغربية.
أي أن بيرنام لن يرث مجرد ملف خارجي.
سيرث سؤالًا مباشرًا: هل يكتفي بتغيير نبرة الحكومة، أم يغيّر أدواتها؟
حين تصبح اللغة ساحة معركة

الخلاف بين الحكومة و«أنقذوا الأطفال» لا يتعلق بصورة ساخرة فقط.
إنه يتعلق بالسؤال الأوسع: من يملك حق تسمية المسؤولية؟
لهذا كانت كلمة «تواطؤ» ثقيلة؛
لأنها لا تطلب من ستارمر أن يشعر بالأسف.
بل تطلب من بريطانيا أن ترى نفسها طرفًا في القصة: دولة تنتقد إسرائيل بالكلمات، لكنها تساعدها بالأفعال.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇