العرب في بريطانيا | انتخابات هولبورن وسانت بانكراس.. من يفوز بمقعد ...

تقرير: انتخابات هولبورن وسانت بانكراس.. من يفوز بمقعد ستارمر؟

تقرير: انتخابات هولبورن وسانت بانكراس.. من يفوز بمقعد ستارمر؟
محمد سعد سبتمبر 3, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

نظرياً، يبدأ حزب العمال الانتخابات الفرعية في هولبورن وسانت بانكراس من موقع المرشح الأوفر حظًا؛ فالحزب لم يخسر الدائرة منذ إنشائها عام 1983، واحتفظ بها كير ستارمر في الانتخابات العامة الأخيرة بفارق تجاوز 11 ألف صوت.

لكن ما يبدو مقعدًا آمنًا عند النظر إلى تاريخه، يبدو أقل اطمئنانًا عند فحص تركيبته السكانية ونتائجه الأحدث. فقد تراجعت حصة العمال بوضوح في انتخابات 2024، وتقدم المستقل أندرو فاينشتاين إلى المركز الثاني، ثم ضيّق الخضر الفارق مع العمال في الانتخابات المحلية لعام 2026.

ومع إعلان زعيم حزب الخضر زاك بولانسكي اعتزامه خوض السباق، تتحول الانتخابات إلى اختبار لقدرة العمال على استعادة ناخبين ابتعدوا عنهم في عهد ستارمر، واختبار مقابل لقدرة الخضر على جمع أصوات اليسار والناخبين المؤيدين لفلسطين خلف مرشح واحد.

فالسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الدائرة تميل إلى اليسار؛ فهذا واضح من تاريخها ونتائجها. السؤال هو: أي جناح من هذا اليسار يستطيع توحيد أصواته يوم الاقتراع؟

دائرة شابة متعلمة.. لكن تفاوتاتها حادة

تقع هولبورن وسانت بانكراس بالكامل داخل منطقة كامدن، وتمتد من بلومزبري وهولبورن وكوفنت غاردن جنوبًا، مرورًا بكينغز كروس وسانت بانكراس وكامدن تاون، وصولًا إلى كنتيش تاون وأجزاء من بريمروز هيل شمالًا. وتضم جامعات ومستشفيات تعليمية وثلاثًا من أكبر محطات القطارات في لندن، إلى جانب أحياء ثرية ومناطق إسكان اجتماعي تعاني ضغوطًا اقتصادية مختلفة تمامًا.

وتساعد البيانات السكانية المجمعة من تعداد 2021 في تفسير طبيعة المنافسة. فمتوسط العمر في الدائرة نحو 32.6 عامًا، ويشكل من تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا قرابة 47.7 في المئة من السكان، بينما يحمل 51 في المئة مؤهلًا جامعيًا أو أعلى.

والأكثر لفتًا أن نحو 75.6 في المئة من السكان يعيشون في مساكن مستأجرة، بينهم 43.3 في المئة في مساكن اجتماعية و32.2 في المئة في القطاع الخاص، مقابل 23.2 في المئة فقط يسكنون منازل مملوكة لأصحابها. كما تشير تقديرات التصويت في استفتاء الاتحاد الأوروبي إلى أن نحو 73.3 في المئة أيدوا البقاء.

وتُظهر بيانات تعداد 2021 التي نشرتها مكتبة مجلس العموم أن المسلمين يشكلون 21.7 في المئة من سكان الدائرة، بما يعادل 20,906 أشخاص. وهذه نسبة من إجمالي السكان وليست من الناخبين المسجلين، كما أن المسلمين لا يصوتون بوصفهم كتلة واحدة. ومع ذلك، يمنحهم هذا الحضور وزنًا انتخابيًا قد يصبح مرجحًا في انتخابات فرعية منخفضة الإقبال ومتقاربة النتائج، ولا سيما مع بروز غزة ملفًا مؤثرًا في المنافسة، واحتمال دخول أندرو فاينشتاين السباق، وطرح اسم ساجال عبدي-والي لتمثيل العمال.
وينعكس الحضور الإسلامي في شبكة من المساجد والمراكز المجتمعية الممتدة من جنوب الدائرة إلى شمالها. ففي هولبورن يقع مسجد هولبورن في بروكس كورت بمنطقة بالدوينز غاردنز، ويذكر المسجد أنه يخدم مجتمع وسط لندن منذ عام 1996 ويستقبل مئات المصلين أسبوعيًا. وبالقرب من محطتي كينغز كروس وسانت بانكراس، يعمل مسجد كينغز كروس والمركز الثقافي الإسلامي من مقره في مبنى ساندفيلد بشارع كرومر، ويقدم إلى جانب الصلوات دروسًا وأنشطة مجتمعية.

وفي يوستن، يوجد مسجد شاه جلال الجامع، المعروف أيضًا بمسجد يوستن، في نورث غاور ستريت، بمدخل من ستاركروس ستريت. ويخدم مسجد بيت الأمان في كنتيش تاون شمال كامدن من مقره في ويدنغتون رود، فيما يقع مسجد الرحمن والمركز المجتمعي في غودوين كورت على كرونديل رود، قرب مورنينغتون كريسنت. وتبين مطابقة الرموز البريدية لهذه المؤسسات مع الحدود البرلمانية المعتمدة منذ انتخابات 2024 أنها تقع داخل هولبورن وسانت بانكراس.

ولا يعني وجود هذه المؤسسات أن المساجد تعمل بوصفها هيئات حزبية أو أن المسلمين يتحركون انتخابيًا بصوت واحد. لكنه يوضح أن الحضور المسلم في الدائرة ليس مجرد رقم سكاني؛ فهناك شبكات محلية مستقرة قد تصبح قنوات للتواصل المجتمعي وتعبئة الناخبين، ولا سيما في معركة منخفضة الإقبال. ومع ذلك، سيظل تأثيرها مرهونًا بمواقف المرشحين من غزة والقضايا المحلية، لا بهويتهم الدينية وحدها.

هذه التركيبة تجعل الإيجارات والإسكان وتكاليف المعيشة والخدمات العامة وقضايا المناخ وفلسطين ملفات ذات وزن واضح. وهي تبدو، للوهلة الأولى، بيئة مثالية للخضر: دائرة شابة، حضرية، متعلمة، مؤيدة للبقاء في الاتحاد الأوروبي وتعتمد بدرجة كبيرة على الإيجار. لكن العمال يملكون في المقابل جذورًا عميقة بين سكان الإسكان الاجتماعي والنقابات والأقليات، فضلًا عن شبكة حزبية محلية بُنيت عبر عقود.

معقل عمالي خسر جزءًا من صلابته

لم يمثل هولبورن وسانت بانكراس منذ إنشاء المقعد سوى نائبين، كلاهما من العمال: فرانك دوبسون بين عامي 1983 و2015، ثم كير ستارمر حتى استقالته من مجلس العموم.

وبلغت حصة العمال 70.1 في المئة في انتخابات 2017، وتشير النتائج التقديرية على الحدود الحالية للدائرة إلى حصولهم على 66.3 في المئة عام 2019. لكن النسبة هبطت في انتخابات 2024 إلى 48.9 في المئة، بانخفاض قدره 17.3 نقطة مئوية، وإن ظل ستارمر متقدمًا بفارق 11,572 صوتًا، وفق النتائج الرسمية للبرلمان.

ولم ينتقل هذا التراجع إلى حزب واحد. فقد حصل أندرو فاينشتاين، الذي خاض الانتخابات مستقلًا على برنامج ركز على غزة والسياسة الخارجية، على 18.9 في المئة، بينما حصل مرشح الخضر على 10.4 في المئة. وبلغ مجموع أصواتهما 29.3 في المئة، أي أقل من حصة العمال بنحو 19.6 نقطة.

وتشير هذه الأرقام إلى أن احتجاج ناخبي اليسار والمؤيدين لفلسطين كان قويًا، لكنه ظل منقسمًا وغير كافٍ لإسقاط ستارمر. كما لا يمكن افتراض انتقال أصوات فاينشتاين تلقائيًا إلى بولانسكي؛ فالناخبون ليسوا طرودًا بريدية تُسلَّم من مرشح إلى آخر.

ماذا كشفت انتخابات كامدن المحلية؟

جاء التحول الأوضح في مايو/أيار 2026. فعند جمع نتائج الأحياء الواقعة داخل الدائرة، حصل العمال على نحو 38.8 في المئة، مقابل 28.8 في المئة للخضر، و10 في المئة للمحافظين، و8.5 في المئة لحزب ريفورم، و6.9 في المئة للديمقراطيين الأحرار.

وحصد الخضر المقاعد الثلاثة في حي هولبورن وكوفنت غاردن، بعدما حصلوا على نحو 41.6 في المئة مقابل 30.5 في المئة للعمال. كما تقدموا في ريجنتس بارك، واقتربوا من العمال في بلومزبري وكامدن سكوير وكنتِش تاون ساوث وعدة أحياء أخرى.

ومع ذلك، قدمت ريجنتس بارك تحذيرًا للخضر أيضًا. فبعد إعادة انتخاب أحد مقاعد الحي في يوليو/تموز، استعاد العمال المقعد بنسبة 32.4 في المئة مقابل 27.2 في المئة للخضر، وبفارق 94 صوتًا فقط، وفق نتيجة مجلس كامدن. وحصل مرشح مستقل على 22.9 في المئة، ما أظهر مرة أخرى مدى تأثير دخول مرشح ثالث قوي في توازن المنافسة.

وتثبت هذه النتائج أن تقدم الخضر ليس دعاية فارغة، لكنه ليس موجة كاسحة أيضًا. فالعمال ظلوا متقدمين بعشر نقاط على مستوى الدائرة في مايو/أيار، وأظهروا بعد شهرين قدرتهم على استعادة مقعد خسره الحزب.

كما ينبغي التعامل بحذر مع المقارنة بين الانتخابات المحلية والبرلمانية؛ فالإقبال مختلف، والناخب يستطيع في بعض الأحياء اختيار أكثر من مرشح، وتلعب القضايا المحلية والشخصيات المعروفة دورًا أكبر. وحتى الآن، لم يُنشر أي استطلاع رأي خاص بالانتخابات الفرعية، ولذلك فإن منح أي مرشح نسبة دقيقة للفوز سيكون أقرب إلى التخمين منه إلى القياس.

العمال: الأفضلية قائمة والمرشح قد يوسعها أو يهدرها

يدخل العمال السباق بثلاث مزايا رئيسة: تاريخ انتخابي لم ينقطع منذ أكثر من أربعة عقود، وقاعدة محلية لا تزال الأكبر، وقيادة حكومية جديدة تأمل في استعادة بعض الناخبين الذين ابتعدوا عن الحزب احتجاجًا على ستارمر.

ولم يحسم الحزب مرشحه بعد، لكن اسم ساجال عبدي-والي، زعيمة مجلس كامدن، يتقدم بين الأسماء المطروحة. وقد يمنحها حضورها المحلي وقصتها بوصفها لاجئة صومالية سابقة وقدرتها المحتملة على التواصل مع المسلمين والأقليات أفضلية لا يملكها مرشح يأتي من خارج الدائرة.

كما يمكن لاختيارها أن يصعّب على الخضر تقديم السباق باعتباره مواجهة بين مؤسسة عمالية بعيدة عن المنطقة وحركة محلية صاعدة. لكنها ستدخل الانتخابات أيضًا وهي تحمل سجل مجلس كامدن في ملفات الإسكان والخدمات، فضلًا عن قربها من ستارمر، وهو ما يمنح منافسيها مساحتين واضحتين للهجوم.

أما إذا اختار العمال شخصية ضعيفة الصلة بالدائرة، فقد يقدمون لبولانسكي هدية انتخابية ملفوفة بشريط أحمر؛ إذ يستطيع عندها تحويل السباق إلى مواجهة بين مرشح يقول إنه عاش وعمل في المنطقة ومرشح فُرض عليها من قيادة الحزب.

بولانسكي: الدائرة تناسبه لكن الحسابات لا تكفي وحدها

أعلن زاك بولانسكي اعتزامه الترشح، وإن ظل اختياره الرسمي مرهونًا بأعضاء الخضر المحليين الذين تشير التقديرات إلى أن معظمهم يدعمونه.

ويملك بولانسكي مزايا يصعب تجاهلها: فهو زعيم حزب يتمتع بحضور إعلامي واسع، ويمثل سكان لندن في الجمعية التشريعية على مستوى المدينة، ويخوض السباق في دائرة تتطابق تركيبتها إلى حد بعيد مع شرائح صعود الخضر بين الشباب والخريجين والمستأجرين والناخبين اليساريين.

كما أثبت فوز الخضر في انتخابات غورتون ودنتون الفرعية في فبراير/شباط 2026 أن الحزب أصبح قادرًا على تركيز موارده والمتطوعين في معركة واحدة وانتزاع مقعد عمالي، بدل الاكتفاء بتسجيل نتيجة رمزية.

لكن طريق بولانسكي لا يزال حاد الانحدار. فالخضر بدأوا من 10.4 في المئة فقط في الانتخابات العامة الأخيرة، وحتى نتيجتهم المحلية البالغة 28.8 في المئة تركتهم خلف العمال بعشر نقاط. ولكي يفوز، لا يكفيه رفع أصوات الخضر التقليدية؛ بل يحتاج إلى استيعاب معظم مؤيدي فاينشتاين، وجذب قسم إضافي من ناخبي العمال، وتحويل الحماس الإعلامي إلى عملية ميدانية فعالة في انتخابات يُحتمل أن يكون إقبالها منخفضًا.

وسيكون حضوره الوطني سلاحًا ذا حدين: فهو يمنح الخضر تغطية لا يحصل عليها مرشح محلي عادي، لكنه يسمح للعمال بتقديم الانتخابات باعتبارها محاولة من زعيم حزب لاستخدام الدائرة بوابة إلى مجلس العموم.

فاينشتاين.. المرشح المحتمل الذي قد يحدد الفائز

لم يؤكد أندرو فاينشتاين حتى الآن دخوله الانتخابات، لكنه يملك رقمًا لا يستطيع الخضر تجاهله: 7,312 صوتًا حصل عليها في 2024، وضعته في المركز الثاني أمام مرشحهم.

وتحدثت تقارير عن اتصالات بينه وبين الخضر لتجنب تقسيم أصوات اليسار والمؤيدين لفلسطين. وإذا خاض الانتخابات مستقلًا في مواجهة بولانسكي، فقد يعيد إنتاج الانقسام الذي خدم العمال عام 2024، وربما يصبح أكبر عائق أمام فوز الخضر حتى لو لم تكن لديه فرصة كافية للفوز بنفسه.

أما إذا انسحب أو أعلن دعمه لبولانسكي، فستصبح المنافسة أكثر تقاربًا، لكن جمع نسبتيهما في انتخابات 2024 على الورق لا يصنع نتيجة مضمونة. بعض ناخبي فاينشتاين صوتوا له بسبب شخصه أو بسبب مواجهته المباشرة لستارمر، وقد لا ينتقلون جميعًا إلى زعيم الخضر بعد رحيل رئيس الوزراء السابق.

ولهذا يبدو فاينشتاين في هذه المرحلة أقرب إلى صانع نتيجة منه إلى المرشح الأوفر حظًا: دخوله المنفرد يرجح كفة العمال، بينما قد يؤدي اتفاقه مع الخضر إلى تحويل السباق من دفاع عمالي مريح إلى معركة حقيقية.

هل تملك الأحزاب الأخرى فرصة؟

لا تمنح النتائج الأخيرة المحافظين أو حزب ريفورم أو الديمقراطيين الأحرار طريقًا واقعيًا للفوز حتى الآن. ففي انتخابات 2024 حصل المحافظون على 7.2 في المئة، وريفورم على 6.1 في المئة، والديمقراطيون الأحرار على 5.8 في المئة.

ويملك المحافظون حضورًا أفضل في بريمروز هيل وبعض الجيوب الأكثر ثراءً، لكن انهيارهم على مستوى الدائرة يجعل دورهم أقرب إلى التأثير في حجم الفارق. أما ريفورم، فتواجه تركيبته الانتخابية المعتادة صعوبة في دائرة شابة ومتعلمة وشديدة التأييد للبقاء في الاتحاد الأوروبي. وقد يجد الديمقراطيون الأحرار مساحة نظرية بين الناخبين المؤيدين لأوروبا، لكن استقطاب السباق بين العمال والخضر يهدد بسحق هذه المساحة تحت التصويت التكتيكي.

من يملك الفرصة الأكبر؟

يبقى العمال المرشح الأوفر حظًا، استنادًا إلى نتيجة 2024 وتقدمهم في الانتخابات المحلية وعمق تنظيمهم داخل كامدن. لكن وصف المقعد بأنه “آمن” بالمعنى القديم لم يعد دقيقًا؛ فالخضر يملكون الآن قاعدة محلية متنامية ومرشحًا مرتفع الحضور، بينما أثبت فاينشتاين أن كتلة كبيرة من الناخبين مستعدة للتصويت خارج العمال.

وسيصبح فوز العمال أكثر ترجيحًا إذا اختاروا مرشحًا محليًا قويًا، واستفادوا من الزخم الأول لحكومة آندي بيرنهام، ودخل فاينشتاين السباق في مواجهة بولانسكي. وعلى العكس، قد تصبح المنافسة شديدة التقارب إذا توحدت الأصوات المؤيدة لفلسطين واليسار خلف بولانسكي، وفشل مرشح العمال في إقناع الناخبين بأن تغيير القيادة يعني تغييرًا حقيقيًا في السياسات.

الدائرة لم تخرج بعد من قبضة العمال، لكنها لم تعد تنام مطمئنة داخلها. العمال يملكون الأفضلية، وبولانسكي يملك أرضًا انتخابية خصبة، وفاينشتاين قد يملك المفتاح الذي يحدد أيهما يصل أولًا إلى مجلس العموم.


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا