العرب في بريطانيا | التهديد الروسي لبريطانيا.. أين تقع القواعد العس...

التهديد الروسي لبريطانيا: أين تقع القواعد العسكرية وما مدى خطر استهدافها؟

التهديد الروسي لبريطانيا: أين تقع القواعد العسكرية وما مدى خطر استهدافها؟
فريق التحرير أغسطس 27, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

لم تكن التهديدات الروسية لدولة عضو في حلف الناتو أمرًا جديدًا، فقد حذرت موسكو الدول الأوروبية منذ سنوات بسبب دعمها الجيش الأوكراني بالمعدات العسكرية خلال السنوات الأربع الماضية. لكن التهديد هذه المرة يختلف عن التهديدات السابقة، التي كان من بينها التلويح باستخدام الأسلحة النووية التكتيكية. ومع ذلك، ظلت تلك التهديدات في إطار الردع والضغط السياسي، ولم تتحول إلى استخدام فعلي للسلاح النووي.

لكن الوضع خلال العام الحالي أصبح مختلفًا؛ فقد تلقت أوكرانيا دعمًا تقنيًا وماليًا كبيرًا من الدول الأوروبية، ما ساعدها على التوسع في تصنيع الطائرات المسيّرة واستخدامها ضد القوات الروسية. وتشير تقديرات مستقلة إلى أن أوكرانيا قد تصنع ما بين خمسة وستة ملايين طائرة مسيّرة خلال عام 2026، وهي طائرات أحدثت خسائر كبيرة وأسهمت في تغيير شكل أرض المعركة الحديثة.

وتعتبر موسكو أوروبا، وبريطانيا بصفة خاصة، شريكتين مباشرتين لأوكرانيا في الحرب الدائرة مع روسيا. وقد تحولت هذه الحرب، التي تمتد جبهتها لنحو 1200 كيلومتر، من مرحلة اتسمت بتقدم روسي إلى حرب استنزاف طويلة، سقط فيها مئات الآلاف من الجانبين بين قتيل وجريح.

وتشير تقارير غربية إلى أن وضع روسيا اليوم يختلف عن وضعها في بداية الحرب، وأن الوصول إلى حسم عسكري أو تسوية بشروط أفضل أصبح أكثر إلحاحًا بالنسبة إلى موسكو، خصوصًا في ظل الضغوط التي يتعرض لها حلف الناتو عبر ضفتي الأطلسي.

يمر حلف الناتو بمرحلة من التوتر الداخلي، مع تصاعد الخلافات بشأن الأولويات وتقاسم أعباء الدفاع ومستقبل الدور العسكري الأمريكي في أوروبا، وهي خلافات تكتسب أهمية مباشرة في حسابات موسكو، لأنها قد تفتح أمامها مساحة لاختبار تماسك الحلف وحدود استجابته لأي تصعيد. إذ تدفع واشنطن الحلفاء الأوروبيين إلى تحمل النصيب الأكبر من مسؤولية الدفاع التقليدي عن القارة، وتراجع انتشار قواتها في أوروبا وسط احتمالات بإجراء تخفيضات. وفي المقابل، تتبنى عواصم أوروبية عدة لهجة أكثر حدة تجاه روسيا، بينما تميل الإدارة الأمريكية إلى إعطاء أولوية أكبر للتفاوض وتجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة. ومن هذه الزاوية، قد ترى موسكو في تباين الأولويات بين ضفتي الأطلسي فرصة لزيادة الضغط على الدول الأوروبية الداعمة لأوكرانيا، من دون أن يعني ذلك أن الناتو يمر بأضعف مراحله تاريخيًا أو أن روسيا قررت بالفعل اختبار الحلف عسكريًا.

وفي ساحة المعركة، أصبحت الخسائر الروسية، وفق تقديرات استخبارية أمريكية، تتجاوز معدلات التجنيد خلال بعض الفترات، وهي حقيقة تزيد الضغط على المعنويات والدعم السياسي والاقتصاد الروسي. وفوق ذلك، تمكنت أوكرانيا مرارًا من استهداف مصافي النفط ومواقع استراتيجية أخرى في عمق الأراضي الروسية، ما وضع صورة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحت ضغط إضافي.

كما فاقم القرار البريطاني الأخير بدعم أوكرانيا بتكنولوجيا تصنيع صواريخ كروز بعيدة المدى الأزمة. فقد أشارت تقديرات استخبارية أمريكية حديثة إلى أن بوتين قد يكون أكثر استعدادًا للسماح بتنفيذ عمليات استفزازية تمتد إلى أراضي دول حلف الناتو، وتشمل هجمات سيبرانية وعمليات هجينة يمكن إنكار المسؤولية عنها، وربما تحركات عسكرية محدودة. وجاءت هذه التقارير في السياق نفسه الذي شهد تهديدًا روسيًا مباشرًا لبريطانيا بالقيام بعمل عسكري.

فالتحذير الروسي لبريطانيا لم يعد مجرد جزء من حرب التصريحات الدائرة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا. ففي 27 أغسطس/آب 2026، حذرت موسكو من إمكان استهداف منشآت عسكرية بريطانية داخل أوكرانيا وخارجها، ردًا على تصاعد الدعم البريطاني لكييف، ولا سيما ما يتعلق بتكنولوجيا صواريخ Storm Shadow/SCALP بعيدة المدى.

وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، إن بريطانيا وفرنسا “تلعبان بالنار”، بينما ربطت موسكو تهديداتها الأخيرة بقرار لندن إتاحة معلومات تقنية مصنفة لأوكرانيا تمهد لإنتاج صواريخ Storm Shadow محليًا.

ويرى بعض المحللين أن روسيا قد تسعى إلى اختبار تماسك حلف الناتو، وربما دفعه إلى مناقشة تفعيل المادة الخامسة من خلال تهديد مباشر لأحد أعضائه. وقد تراهن موسكو، في ضوء تصريحات الرئيس الأمريكي السابقة والمراجعة الجارية للانتشار العسكري الأمريكي في أوروبا، على أن يكون الرد الأمريكي محدودًا، بما يعمق الخلافات داخل الحلف ويدفع نحو تسوية للحرب بشروط أقرب إلى الرؤية الروسية، التي واجهت معارضة أوروبية شديدة.

لكن هذه تظل فرضية تحليلية لا تدعمها حتى الآن أدلة علنية. كما أن المادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي لا تعني إعلان الحرب تلقائيًا، وإنما تنص على أن تتخذ كل دولة عضو الإجراءات التي تراها ضرورية لمساعدة الدولة التي تعرضت للهجوم. وقد يؤدي استهداف دولة عضو إلى توحيد الحلف بدلًا من تمزيقه، ما يجعل أي محاولة روسية من هذا النوع مقامرة شديدة الخطورة.

دائرة التهديد الروسية

من قبرص وجبل طارق إلى القواعد الجوية والمنشآت العسكرية داخل المملكة المتحدة، تتسع دائرة التهديد الروسي لبريطانيا. لكن هل انتقلت موسكو من التحذير السياسي إلى الاستعداد لضربة فعلية؟

أين توجد القواعد البريطانية؟

تمتلك المملكة المتحدة شبكة عسكرية واسعة داخل أراضيها وخارجها، وتصف وزارة الدفاع البريطانية هذه الشبكة الخارجية بأنها جزءًا من “شبكة الدفاع العالمية المتكاملة”.

وتبرز في هذه الشبكة القواعد البريطانية في قبرص، حيث تملك بريطانيا منطقتي السيادة أكروتيري وديكيليا، وتوجد فيهما منشآت عسكرية تشمل أكروتيري وإبيسكوبي وديكيليا وأيوس نيكولاوس. وتبلغ مساحة منطقتي السيادة البريطانية في الجزيرة نحو 98 ميلًا مربعًا.

وتكتسب قبرص أهمية خاصة بسبب موقعها الجغرافي، إذ توفر لبريطانيا منصة عسكرية متقدمة في شرق المتوسط والشرق الأوسط. لكن من المهم التأكيد أن موسكو لم تنشر، وفق المعلومات المتاحة، قائمة محددة بأسماء القواعد البريطانية التي تعتزم استهدافها.

وتشمل الشبكة البريطانية أيضًا جبل طارق، حيث تحتفظ المملكة المتحدة بوجود عسكري وبحري وجوي، إضافة إلى منشآت في جنوب المحيط الأطلسي، ولا سيما في جزر فوكلاند.

أما في المحيط الهندي، فتظل دييغو غارسيا جزءًا مهمًا من البنية العسكرية البريطانية-الأمريكية، وقد أكدت وزارة الدفاع البريطانية استمرار إدراج إقليم المحيط الهندي البريطاني، بما في ذلك دييغو غارسيا، ضمن إحصاءاتها العسكرية لعام 2026.

ولا تقتصر الصورة على القواعد الخارجية. فداخل بريطانيا تنتشر منشآت للقوات الجوية والبحرية والجيش، ومراكز للقيادة والاتصالات والدعم اللوجستي. كما تنشر وزارة الدفاع سنويًا إحصاءات عن مواقع أفراد القوات المسلحة والموظفين المدنيين في مختلف أنحاء المملكة المتحدة والعالم.

هل كل قاعدة بريطانية هدف روسي محتمل؟

هنا تصبح الصورة أكثر تعقيدًا.

فالقول إن روسيا هددت “القواعد البريطانية” لا يعني أن موسكو أعلنت أسماء قواعد محددة أو وضعت خريطة معلنة للأهداف. كما أن المنشآت العسكرية البريطانية تختلف جذريًا في طبيعتها ووظيفتها.

فهناك قواعد جوية، وقواعد بحرية، ومراكز قيادة واتصالات، ومنشآت تدريب وإمداد، إضافة إلى البنية المرتبطة بالردع النووي البريطاني.

ولهذا فإن تصنيف قاعدة ما بأنها “الأكثر عرضة للقصف الروسي” سيكون استنتاجًا يتجاوز ما تسمح به المعلومات العلنية المتاحة.

لكن يمكن القول إن أهمية المنشأة بالنسبة إلى القدرة العسكرية البريطانية هي أحد العوامل التي تجعلها محل اهتمام في أي تحليل استراتيجي، من دون تحويل ذلك إلى قائمة أهداف.

بريطانيا كانت تستعد بالفعل

المفارقة الأبرز أن لندن أعلنت، قبل التهديد الروسي الأخير، استثمارات كبيرة في الدفاع ضد الصواريخ والطائرات المسيّرة.

ففي خطة الاستثمار الدفاعي التي أعلنتها الحكومة في يونيو/حزيران 2026، خصصت بريطانيا 790 مليون جنيه إسترليني على مدى أربع سنوات لتعزيز حماية الأراضي البريطانية والقواعد الخارجية من التهديدات الجوية والصاروخية والطائرات المسيّرة.

وتشمل الخطة رادارات وأجهزة استشعار جديدة، وتعزيز أنظمة مكافحة المسيّرات، وتطوير قدرات الدفاع الجوي والصاروخي، وإنشاء مركز عمليات متكامل للدفاع الجوي والفضائي والصاروخي.

وهذا لا يعني أن الحكومة البريطانية كانت تتوقع بالضرورة ضربة روسية وشيكة، لكنه يعكس تحولًا أوسع في طريقة تقييم لندن للتهديدات العسكرية.

فالخطة الدفاعية الجديدة تتحدث صراحة عن الانتقال إلى “الجاهزية لخوض الحرب”، والاستفادة من دروس الحرب في أوكرانيا، وزيادة مخزونات الأسلحة والذخائر وقدرات الضربات بعيدة المدى.

لماذا تصاعد الخطاب الروسي الآن؟

التوقيت ليس عشوائيًا.

ففي 24 أغسطس/آب، أعلنت بريطانيا دعمها لزيادة قدرة أوكرانيا على إنتاج صواريخ Storm Shadow داخل الأراضي الأوكرانية، في خطوة اعتبرتها موسكو تصعيدًا مباشرًا في مستوى المشاركة البريطانية في الحرب.

وقال الكرملين إن نقل التكنولوجيا البريطانية إلى أوكرانيا “يضيف وقودًا إلى النار”، فيما أكدت موسكو أنها تعمل على تحديد مواقع إنتاج الصواريخ داخل أوكرانيا.

ثم انتقل الخطاب الروسي في 27 أغسطس/آب إلى الحديث صراحة عن إمكان استهداف منشآت عسكرية بريطانية.

وهذا التطور مهم، لأنه يوسع مفهوم الرد الروسي المحتمل من استهداف أوكرانيا إلى التلويح بإمكان الضغط على الدول الداعمة لكييف.

هل يعني ذلك أن بريطانيا على وشك التعرض لضربة؟

لا توجد في المعلومات العلنية المتاحة أدلة كافية للقول إن روسيا اتخذت قرارًا بضرب قاعدة بريطانية داخل المملكة المتحدة.

وهنا يجب التمييز بين ثلاثة مستويات:

الأول: التهديد السياسي

وهو ما ظهر بوضوح في التصريحات الروسية الأخيرة.

الثاني: الردع العسكري

قد تستخدم موسكو التهديد بإمكان استهداف مصالح عسكرية بريطانية لدفع لندن إلى إعادة حساباتها بشأن نوعية الدعم الذي تقدمه لأوكرانيا.

الثالث: العمل العسكري المباشر

وهو مستوى مختلف تمامًا من التصعيد، وسيعني انتقال المواجهة الروسية-الغربية إلى مرحلة غير مسبوقة منذ الحرب الباردة.

ولذلك فإن التهديد الحالي ينبغي التعامل معه بجدية، لكن من الخطأ صحفيًا تحويله إلى توقع بأن “القصف الروسي لبريطانيا أصبح وشيكًا”.

الخطر لا يقتصر على الصواريخ

لا ينظر الأمن البريطاني إلى روسيا من زاوية الضربة الصاروخية فقط.

فالتهديد يمكن أن يأخذ شكل هجمات سيبرانية، أو عمليات تخريب وتجسس، أو حملات تضليل، أو استهداف للبنية التحتية الحيوية.

وقد أدان حلف شمال الأطلسي في يوليو/تموز 2026 أنشطة سيبرانية روسية عدائية ضد دول الحلف وشركائه، في مؤشر على أن المواجهة بين روسيا والغرب تجري بالفعل في مناطق تتجاوز ساحات القتال التقليدية.

وهذا يعني أن “التهديد الروسي لبريطانيا” لا ينبغي قياسه فقط بالسؤال: هل ستطلق موسكو صاروخًا على قاعدة بريطانية؟

بل بالسؤال الأوسع: إلى أي حد يمكن أن تتصاعد المواجهة غير المباشرة بين البلدين؟

من قبرص إلى بريطانيا: شبكة واحدة

تظهر الخريطة العسكرية البريطانية أن المملكة المتحدة لا تعتمد على قاعدة واحدة أو مجموعة صغيرة من المنشآت.

إنها شبكة مترابطة تمتد من القواعد الجوية والبحرية داخل المملكة المتحدة إلى قبرص وجبل طارق والمواقع العسكرية في جنوب المحيط الأطلسي والمحيط الهندي.

وتؤكد وثائق وزارة الدفاع أن هذه المواقع تشكل جزءًا من قدرة بريطانيا على تنفيذ عمليات عسكرية في مناطق مختلفة من العالم.

لكن هذه الشبكة نفسها تعني أن الحديث عن “هدف روسي” يجب أن يبقى دقيقًا. فوجود منشأة عسكرية في مكان ما لا يعني أنها هدف معلن، ولا يعني أن موسكو قررت استهدافها.

هل تصل المواجهة إلى الخطر النووي؟

يكمن الخطر في إمكان تحول أي عملية محدودة إلى حرب مفتوحة تستخدم فيها القدرات النووية.

ففي مايو/أيار 2026، أجرت روسيا وبيلاروسيا تدريبات واسعة لقواتهما النووية البرية والجوية والبحرية. وحاكت التدريبات استعداد القوات النووية للعمل في حال التعرض لعدوان، في رسالة ردع واضحة إلى الدول الغربية.

وهنا نتساءل: هل ترتبط هذه التدريبات بما يجري اليوم، أم أنها مجرد استعراض للقوة بهدف فرض شروط أفضل على أوكرانيا والدول الرئيسية الداعمة لها في الحرب مع روسيا؟

لا توجد معلومات علنية تسمح بإثبات علاقة مباشرة بين تدريبات مايو/أيار والتهديدات الروسية الأخيرة لبريطانيا، لكنها تكشف البيئة الاستراتيجية الأوسع التي تجري فيها هذه التهديدات، حيث تستخدم موسكو قدراتها النووية في الردع والضغط السياسي، من دون أن يعني ذلك أن استخدامها أصبح وشيكًا.

التهديد حقيقي، لكن الحرب ليست معلنة

يمثل التصعيد الروسي الأخير تطورًا جديًا في الخطاب تجاه بريطانيا، خصوصًا أنه جاء مباشرة بعد زيادة الدعم البريطاني لأوكرانيا وتوسيع التعاون في مجال الصواريخ بعيدة المدى.

لكن حتى الآن، لا توجد معلومات علنية موثوقة تثبت أن روسيا حددت قاعدة بريطانية بعينها لضربها، أو أن قرارًا اتُخذ لشن هجوم على الأراضي البريطانية.

وما يمكن إثباته هو أن لندن تستثمر بالفعل في الدفاع عن قواعدها وأراضيها ضد الصواريخ والمسيّرات والتهديدات الجوية، وأن روسيا رفعت سقف التحذيرات الموجهة إلى بريطانيا.

وبينما تبدو احتمالات الحرب المباشرة بين روسيا وبريطانيا محدودة مقارنة بحجم الضجيج السياسي والإعلامي، فإن الخطر الأكثر واقعية قد يكون في المنطقة الرمادية الواقعة بين الحرب والسلام: هجمات سيبرانية، وتخريب، وتجسس، وضغط على القواعد والمنشآت، ومحاولات لردع لندن عن مواصلة دعم أوكرانيا.

وبعبارة أخرى، فإن السؤال لم يعد فقط: هل تستطيع روسيا ضرب بريطانيا؟

بل أصبح: إلى أي حد تستطيع موسكو رفع كلفة دعم بريطانيا لأوكرانيا من دون إشعال حرب مباشرة مع دولة نووية وعضو في حلف الناتو؟

 


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا