العرب في بريطانيا | التفاوت بين مناطق بريطانيا.. كيف يغيّر مكان الس...

تقرير: من العلاج إلى العمل والسكن.. لماذا تختلف فرص الحياة بين مناطق بريطانيا؟

من العلاج إلى العمل والسكن.. لماذا تختلف فرص الحياة بين مناطق بريطانيا؟

من العلاج إلى العمل والسكن.. لماذا تختلف فرص الحياة بين مناطق بريطانيا؟

محمد سعد سبتمبر 17, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

قد تفصل رحلة قصيرة بالقطار بين منطقتين في إنجلترا، لكن الفارق بين الحياة فيهما يمكن أن يُقاس بالسنوات، لا بالأميال.

في ريتشموند أبون تيمز جنوب غربي لندن، يبلغ متوسط العمر المتوقع الذي يقضيه الرجل بصحة جيدة 69.3 عامًا. وفي بلاكبول، لا يتجاوز 50.9 عامًا. أي أن الفارق في سنوات الحياة بصحة جيدة بين المنطقتين يزيد على 18 عامًا، وفق أحدث بيانات مكتب الإحصاء الوطني (ONS). أما النساء، فتظهر بينهن فجوات مشابهة، إذ تسجل ريتشموند 70.3 عامًا مقابل 51.8 عامًا في بلاكبول.

لكن الصحة ليست الخريطة الوحيدة التي تقسم البلاد. ضع إلى جوارها خرائط الدخل والعمل والسكن والوصول إلى الطبيعة، وستظهر صورة أكثر تعقيدًا: المكان الذي يعيش فيه الشخص في إنجلترا لا يحدد عنوان منزله فقط، وإنما يرتبط أيضًا بالفرص والخدمات والبيئة التي تحيط بحياته.

وفي بريطانيا تعبير شائع لهذه الظاهرة هو postcode lottery، أو «يانصيب الرمز البريدي»: فكرة أن الخدمة أو الفرصة التي يحصل عليها الإنسان قد تختلف باختلاف المنطقة التي يسكن فيها.

لكن هل أصبح هذا «اليانصيب» أكبر من مجرد تفاوت في الخدمات؟

18 عامًا من الحياة الصحية تفصل منطقتين

تكشف بيانات مكتب الإحصاء الوطني للفترة بين 2022 و2024 أن المناطق صاحبة أعلى متوسط للعمر المتوقع بصحة جيدة تتركز بدرجة كبيرة في لندن وجنوب شرق إنجلترا.

في المقابل، تظهر بلاكبول وهارتلبول وساندويل عند الطرف الآخر من الجدول. ففي هارتلبول، يبلغ العمر المتوقع بصحة جيدة 52.1 عامًا للرجال و51.2 عامًا للنساء، وفي ساندويل 52.7 و51.3 عامًا على التوالي.

ولا يتعلق الأمر فقط بالسن التي يبدأ عندها المرض في الظهور، بل أيضًا بالوصول إلى العلاج.

فقد خلص تحقيق اللورد دارزي في وضع هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) إلى أن سكان أكثر مناطق إنجلترا حرمانًا أكثر عرضة بمرتين للانتظار أكثر من عام للحصول على علاج غير عاجل مقارنة بسكان المناطق الأقل حرمانًا.

كما ترتفع بينهم زيارات أقسام الطوارئ إلى ما يقارب الضعف، بينما تزيد حالات الدخول الطارئ إلى المستشفيات بنسبة 68 في المئة. ووصف التقرير ذلك بالعودة إلى ما يُعرف في السياسات الصحية بـ«قانون الرعاية العكسي»: الأشخاص الأكثر حاجة إلى الرعاية يكون وصولهم إليها هو الأصعب.

وتنشر NHS حاليًا بيانات قوائم الانتظار موزعة وفق درجة الحرمان والمنطقة ومقدم الخدمة، في محاولة لإظهار هذه الفوارق بدل الاكتفاء بمتوسط وطني واحد.

وهكذا لا تبدأ المشكلة عندما يدخل المريض باب المستشفى؛ فالمكان يرتبط أصلًا باحتمال أن يعيش سنوات أطول بصحة جيدة، ثم قد يرتبط أيضًا بسرعة حصوله على العلاج عندما يحتاج إليه.

العمل أيضًا له جغرافيا

تتكرر الفوارق عندما ينتقل النظر من المستشفى إلى سوق العمل، وإن كانت الخريطة هنا أقل بساطة.

وأظهرت دراسة لمعهد الدراسات المالية (IFS) أن نسبة الشباب بين 18 و24 عامًا الذين يحصلون على إعانات مرتبطة بالابتعاد عن سوق العمل ارتفعت إلى 10.9 في المئة، بينما تشير البيانات الرسمية إلى ارتفاع نسبة الشباب خارج العمل أو التعليم أو التدريب من 10.8 في المئة عام 2022 إلى 12.8 في المئة بنهاية 2025.

لكن الأهم هو أن التراجع لم يحدث بالطريقة نفسها في كل مكان. فقد انخفضت نسبة الشباب المسجلين في وظائف مدفوعة الأجر بثلاث نقاط مئوية على الأقل في ثمانية من أقاليم المملكة المتحدة الاثني عشر التي درسها المعهد، ووصل الانخفاض إلى أربع نقاط في لندن. وفي شمال إنجلترا وويلز واسكتلندا، جاء جزء أكبر من الزيادة في مطالبات الإعانات من الإعانات المرتبطة بالعجز عن العمل، بينما ارتبطت النسبة الأكبر من الزيادة في لندن بالبطالة.

وتكشف بيانات أحدث نشرها مكتب الإحصاء الوطني في سبتمبر عن حجم الاختلاف على المستوى المحلي بصورة أوضح، وإن كانت تستند إلى بيانات تعداد 2021. ففي بلاكبول، بلغت نسبة الشباب خارج العمل أو التعليم أو التدريب 22.2 في المئة بين الذكور و20.4 في المئة بين الإناث، مقابل 6.1 في المئة للذكور في باث وشمال شرق سومرست، و4.6 في المئة للإناث في يورك.

لكن تحليل المكتب يحمل تحذيرًا مهمًا من القراءة السهلة لهذه الأرقام: عندما أخذ الباحثون الخصائص الفردية للسكان في الاعتبار، تقلص جزء كبير من الفروق الجغرافية.

بمعنى آخر، المكان مهم، لكنه ليس قدرًا مستقلًا عن الأشخاص الذين يعيشون فيه.

حتى المال لا يُوزع بالطريقة نفسها

الفارق الاقتصادي بين المناطق كبير بدوره.

وتظهر أحدث بيانات ONS أن متوسط الدخل المتاح للفرد، أي ما يتبقى في المتوسط للإنفاق أو الادخار بعد عمليات توزيع الدخل، بلغ 36,487 باوندًا في لندن عام 2024، مقابل 20,562 باوندًا في شمال شرق إنجلترا.

وعند النزول إلى المستوى المحلي تصبح الهوة أوسع: سجلت منطقة وستمنستر ومدينة لندن 84,292 باوندًا للفرد، أي أكثر من ثلاثة أمثال المتوسط البريطاني، بينما بلغ الرقم في ليستر 16,786 باوندًا فقط. وكانت المناطق الخمس ذات أدنى دخل متاح للفرد جميعها في ميدلاندز أو شمال إنجلترا.

لكن هنا تظهر واحدة من أهم مفارقات الخريطة البريطانية: ارتفاع الدخل في منطقة ما لا يعني أن سكانها محصنون من أزمات أخرى.

والدليل الأقوى يأتي من لندن نفسها.

لندن: الأغنى والأكثر ضغطًا في السكن

في نهاية مارس 2026، كان 135,580 أسرة في إنجلترا تعيش في مساكن مؤقتة، وهو أعلى مستوى مسجل، وبينها 86,460 أسرة لديها أطفال. وبلغ عدد الأطفال الذين يعيشون في هذه الأوضاع 177,530 طفلًا.

لكن الأزمة ليست موزعة بالتساوي.

على مستوى إنجلترا، كان هناك 5.5 أسر في مساكن مؤقتة لكل ألف أسرة. وفي لندن قفز المعدل إلى 21.1 لكل ألف.

وفي نيوهام بلغ 59.8 لكل ألف، وفي وستمنستر 48.6، وفي هاكني 32.8. وخارج لندن سجلت برايتون وهوف 16.2 وهستينغز 15.1 وكراولي 13.1 لكل ألف، وفق أحدث إحصاءات التشرد الرسمية.

وهنا تكاد الخريطتان تتصادمان: وستمنستر تقع ضمن المنطقة صاحبة أعلى دخل متاح للفرد في البلاد، لكنها تسجل في الوقت نفسه واحدًا من أعلى معدلات الاعتماد على السكن المؤقت.

وهذا يعني أن تقسيم بريطانيا ببساطة إلى «جنوب غني» و«شمال فقير» لا يكفي لفهمها. قد تتجاور الثروة الشديدة والضغط السكني الحاد داخل المدينة نفسها.

ولا تتوقف تكلفة السكن المؤقت عند وجود سقف فوق رأس الأسرة. وتحذر إرشادات حكومية صدرت هذا الشهر من أن الانتقال المتكرر بين العناوين يمكن أن يعطل متابعة الأطفال صحيًا والوصول إلى الخدمات المتخصصة ومواعيد NHS، فضلًا عن آثار الرطوبة والعفن والبرد والاكتظاظ وعدم الاستقرار السكني على الصحة.

وبذلك تبدأ الدوائر في الاتصال: السكن يمكن أن يصبح مشكلة صحية، والصحة يمكن أن تؤثر في العمل، والدخل يحدد بدوره الخيارات السكنية المتاحة.

حتى الحديقة القريبة ليست متاحة للجميع

ثم تأتي فجوة أقل ظهورًا في الحسابات الاقتصادية: ماذا يوجد خارج باب المنزل؟

كشف بحث نشرته مؤسسة Wildlife Trusts، الخميس 17 سبتمبر، أن 238 دائرة انتخابية إنجليزية، أي 44 في المئة من الدوائر، تضم مناطق يعيش فيها 20 في المئة على الأقل من الأسر على مسافة تزيد على 15 دقيقة سيرًا من مساحة خضراء أو زرقاء مثل الحدائق والأنهار والقنوات والبحيرات.

واللافت أن سبعًا من أكثر عشر دوائر حرمانًا اقتصاديًا ظهرت أيضًا ضمن المناطق ضعيفة الوصول إلى الطبيعة، ومنها برادفورد ويست وبرمنغهام بيري بار.

وتكتسب المسألة أهمية إضافية بعد موجات الحر التي شهدتها إنجلترا هذا الصيف؛ إذ لا تؤدي الأشجار والحدائق والمياه وظيفة ترفيهية فقط، وإنما توفر مناطق أكثر برودة في المدن خلال الحر الشديد.

وتؤكد البيانات الرسمية لوزارة البيئة بدورها أن الحكومة باتت تقيس الوصول إلى المساحات الخضراء والزرقاء على أساس هدف وجودها على مسافة 15 دقيقة سيرًا من المنازل.

وهكذا يصبح سؤال «هل توجد حديقة قريبة؟» جزءًا آخر من تفاوت المكان، لا مجرد تفصيل جمالي.

ليست بريطانيتين فقط

قد يكون من المغري، بعد كل هذه الأرقام، رسم خط على الخريطة والقول إن هناك بريطانيا مزدهرة في الجنوب وأخرى متروكة في الشمال.

لكن البيانات نفسها تقاوم هذه الخلاصة.

لندن صاحبة أعلى متوسط للدخل المتاح بين أقاليم المملكة المتحدة، لكنها تواجه أزمة سكن مؤقت شديدة. وتراجع تشغيل الشباب ظهر في لندن أيضًا، وليس فقط في شمال إنجلترا. وبعض الفروق في خروج الشباب من العمل والتعليم تتقلص كثيرًا عندما تؤخذ خصائص السكان أنفسهم في الحسبان.

الأدق إذن هو الحديث عن طبقات من عدم المساواة تتداخل بطرق مختلفة من مكان إلى آخر.

في منطقة، قد تكون المشكلة الأساسية ضعف سوق العمل. وفي أخرى السكن. وفي ثالثة الصحة أو النقل أو الوصول إلى المساحات الخضراء. وفي بعض الأماكن تتراكم عدة مشكلات فوق بعضها، فتجعل الخروج من الحرمان أصعب.

ولهذا ربما يكون تعبير «يانصيب الرمز البريدي» قاصرًا بدوره. فالقرعة توحي بالصدفة، بينما تكشف البيانات عن أنماط مرتبطة بالدخل والاستثمار والسكن والصحة والبنية التحتية تراكمت على مدى سنوات.

وفي بلد يستطيع فيه شخص أن يتوقع أكثر من 18 عامًا إضافية من الحياة بصحة جيدة مقارنة بشخص يعيش في منطقة أخرى، لم يعد السؤال فقط أين تسكن؟

بل: كم من فرص حياتك يتغير بسبب المكان الذي تسكن فيه؟

 


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا