تقرير: الاقتصاد يتحسن والخزينة تتراجع.. كيف نفهم معضلة بيرنهام الاقتصادية؟
قدمت سلسلة من البيانات الاقتصادية الصادرة الجمعة الـ21 من أغسطس/آب صورة تبدو متناقضة للاقتصاد البريطاني: الشركات، ولا سيما في قطاع الخدمات، تسجل نشاطًا أفضل من المتوقع، وثقة المستهلكين ارتفعت إلى أعلى مستوى في عامين، لكن مبيعات التجزئة تراجعت في يوليو/تموز، في حين سجلت المالية العامة عجزًا مفاجئًا رغم ارتفاع الإيرادات الضريبية.
ولا تعني هذه الأرقام بالضرورة أن المؤشرات تتعارض مع بعضها. فبعضها يقيس ما حدث بالفعل خلال يوليو/تموز، في حين يرصد البعض الآخر أوضاع الشركات والمستهلكين خلال أغسطس/آب، كما أن قوة النشاط الاقتصادي لا تنتقل تلقائيًا وبالسرعة نفسها إلى حسابات الحكومة أو إنفاق الأسر.
ومع اقتراب أول موازنة لوزير الخزانة جون هيلي في الخريف، تقدم أرقام الجمعة واحدة من أكثر الصور اكتمالًا حتى الآن للاقتصاد الذي ورثته حكومة آندي بيرنهام: نمو أفضل مما كان متوقعًا قبل أسابيع، لكنه لا يزال مصحوبًا بضغوط على الإنفاق العام والأسعار وميزانيات الأسر.
قطاع الخدمات يفاجئ بالتوسع

جاءت أقوى الإشارات الإيجابية من المسح الأولي لمؤشرات مديري المشتريات الصادر عن S&P Global.
فقد ارتفع مؤشر نشاط قطاع الخدمات من 52.1 نقطة في يوليو/تموز إلى 52.8 نقطة في أغسطس/آب، وهو أعلى مستوى في ستة أشهر، مع أن استطلاعًا أجرته رويترز بين الاقتصاديين كان يتوقع انخفاضه إلى 51.8 نقطة.
وتعني قراءة أعلى من 50 نقطة أن غالبية الشركات المشاركة في المسح تسجل توسعًا في النشاط مقارنة بالشهر السابق، في حين تشير القراءة الأقل من 50 إلى الانكماش.
وارتفع المؤشر المركب، الذي يجمع الخدمات والتصنيع، من 52.2 إلى 52.5 نقطة، مسجلًا أعلى مستوى في أربعة أشهر، في حين تباطأ مؤشر قطاع التصنيع إلى 51.5 نقطة من 51.9 في يوليو/تموز.
وقال كريس ويليامسون، كبير اقتصاديي الأعمال لدى S&P Global Market Intelligence، إن النمو يستفيد من الطقس المشمس والاستثمار في التكنولوجيا، في حين بدأ الدفع الذي تلقاه التصنيع من بناء المخزونات الاحتياطية في التراجع.
وبحسب S&P Global، تتوافق نتائج المسح مع نمو اقتصادي في حدود 0.3 في المئة خلال الربع الثالث، وهي وتيرة قريبة من النمو المسجل في الربع الثاني.
لكن بيانات المسح لا تقدم صورة إيجابية بالكامل. فقد استمر انخفاض التوظيف في قطاع الخدمات، وإن كان بأبطأ وتيرة منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، كما ارتفعت ضغوط تكاليف المدخلات والأسعار مجددًا مع زيادة أسعار الطاقة واضطرابات مرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط. وفي المقابل، وصلت توقعات شركات الخدمات للعام المقبل إلى أعلى مستوى في سبعة أشهر.
المستهلكون أقل تشاؤمًا.. لكنهم لم يصبحوا متفائلين بعد

وجاءت الإشارة الإيجابية الثانية من مؤشر GfK لثقة المستهلكين، الذي ارتفع من ناقص 17 نقطة في يوليو/تموز إلى ناقص 14 نقطة في أغسطس/آب، وهو أعلى مستوى منذ أغسطس/آب 2024.
وهنا تظل دلالة الرقم مهمة: الوصول إلى أفضل مستوى في عامين لا يعني أن المستهلكين أصبحوا متفائلين بصورة عامة، فالقراءة ما زالت دون الصفر، ما يعني أن المشاعر السلبية لا تزال تفوق الإيجابية.
لكن الاتجاه تغير بصورة واضحة خلال الأشهر الأخيرة. فقد كان المؤشر عند ناقص 25 نقطة في إبريل/نيسان، قبل أن يتحسن تدريجيًا، مع ارتفاع تقييم الأسر لأوضاعها المالية وتوقعاتها للاقتصاد واستعدادها لإجراء مشتريات كبيرة.
ويأتي التحسن رغم استمرار ضغوط تكلفة المعيشة وأسعار الطاقة والغذاء، ما يجعل السؤال هو ما إذا كانت زيادة الثقة ستتحول بالفعل إلى إنفاق أكبر خلال الأشهر المقبلة.
إذا كانت الثقة تتحسن.. فلماذا انخفضت المبيعات؟
هنا يأتي أحد أكثر أرقام الجمعة إثارة للاهتمام.
فقد أظهرت بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية أن حجم مبيعات التجزئة انخفض بنسبة 0.5 في المئة في يوليو/تموز مقارنة بيونيو/حزيران، بعد شهر سابق استفاد من الطقس الحار والعروض التجارية المرتبطة بكأس العالم. وعلى أساس سنوي ارتفعت المبيعات 1.6 في المئة، وهي نسبة أقل من توقعات الاقتصاديين.
وكانت متاجر السلع غير الغذائية الأكثر تضررًا، ولا سيما الملابس والأحذية، بعدما قدم عدد من تجار التجزئة تخفيضاتهم الصيفية في يونيو/حزيران بدل يوليو/تموز.
لكن انخفاض مبيعات التجزئة لا يعني بالضرورة تراجع كل إنفاق المستهلكين.
فبيانات التجزئة تقيس أساسًا شراء السلع من المتاجر وعبر الإنترنت، ولا تشمل أجزاء كبيرة من الإنفاق على الخدمات مثل المطاعم والحانات والسفر والترفيه. ولذلك يمكن أن يتحول جزء من إنفاق الأسر من المتاجر إلى قطاع الخدمات من دون أن يظهر في أرقام التجزئة.
وخلال كأس العالم – على سبيل المثال – استفادت الحانات وأماكن مشاهدة المباريات من زيادة الإنفاق، في حين لا تدخل هذه المبيعات ضمن إحصاءات التجزئة نفسها.
ولهذا اعتبر مارتن بيك، كبير المستشارين الاقتصاديين في EY ITEM Club، أن تراجع يوليو/تموز قد يمثل توقفًا مؤقتًا بعد الأداء القوي في الشهر السابق، وليس بالضرورة بداية ضعف جديد في الاستهلاك.
ثم جاءت المفاجأة من خزينة الدولة

في الجانب الآخر من الصورة، لم تمنح أرقام المالية العامة وزير الخزانة القدر نفسه من الراحة.
فقد سجلت المالية العامة عجزًا صافيًا بلغ 1.8 مليار باوند في يوليو/تموز، وهو الشهر الذي تستفيد فيه الخزانة عادة من تدفقات كبيرة لضريبة الدخل المدفوعة عبر التقييم الذاتي.
وكان اقتصاديون استطلعت رويترز آراءهم يتوقعون ميزانية متوازنة تقريبًا، في حين كان مكتب مسؤولية الميزانية يتوقع فائضًا بنحو 500 مليون باوند.
وجاء العجز رغم تسجيل إيرادات قوية من الضرائب المدفوعة عبر التقييم الذاتي، إذ قال مكتب الإحصاءات الوطنية إن ارتفاع الإنفاق تجاوز نمو الإيرادات.
وارتفع الإنفاق الحكومي المركزي على الإعانات الاجتماعية بنحو ملياري باوند مقارنة بيوليو/تموز من العام السابق، في حين زاد الإنفاق على السلع والخدمات، الذي يشمل تكاليف العاملين، بنحو 1.2 مليار باوند.
وبلغ إجمالي الاقتراض خلال الأشهر الأربعة الأولى من السنة المالية 56.7 مليار باوند، أي أقل بنحو 6 مليارات من الفترة نفسها من العام الماضي، لكنه أعلى بـ2.3 مليار باوند من المسار الذي توقعه مكتب مسؤولية الميزانية.
وهذه النقطة تجعل صورة المالية العامة أكثر تعقيدًا من مجرد القول إن الاقتراض “يزداد”: الوضع أفضل مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، لكنه أسوأ من الخطة التي كانت الحكومة تعتمد عليها في حساباتها.
لماذا لا يؤدي تحسن الاقتصاد فورًا إلى تحسن الخزينة؟

الفرق بين المؤشرات يرجع جزئيًا إلى أنها تقيس أشياء مختلفة وفي أوقات مختلفة.
فبيانات الاقتراض ومبيعات التجزئة الصادرة الجمعة تتعلق أساسًا بيوليو/تموز، أما مؤشر الثقة ومسح الشركات فيعطيان قراءة عن أغسطس/آب.
كما أن بيانات مديري المشتريات تقيس ما إذا كان نشاط الشركات يتوسع أو ينكمش، وليس مقدار الضرائب التي تحصلها الحكومة منه. وفي المقابل تعتمد حسابات المالية العامة أيضًا على حجم الإنفاق على الإعانات والأجور والخدمات، وتكلفة خدمة الدين، والتضخم، وليس فقط على سرعة نمو الناتج الاقتصادي.
ولهذا يمكن للاقتصاد أن يسجل نموًا، في حين يظل عجز الحكومة مرتفعًا، ولا سيما إذا زادت المصروفات بالسرعة نفسها أو أسرع من الإيرادات.
وكانت بيانات يونيو/حزيران قد قدمت الصورة المعاكسة تقريبًا، عندما جاء الاقتراض أقل قليلًا من توقعات مكتب مسؤولية الميزانية، ويرجع ذلك جزئيًا إلى انخفاض تكاليف الفائدة المرتبطة بالتضخم. وهو ما يعكس أيضًا مدى تقلب أرقام المالية العامة من شهر إلى آخر.
اختبار أصعب قبل الموازنة
بالنسبة إلى هيلي، تكمن المشكلة في أن أرقام النمو الأفضل تساعد الإيرادات العامة على المدى المتوسط، لكنها لا تلغي الضغوط الموجودة بالفعل على الإنفاق والاقتراض.
وأكد وزير الخزانة بعد صدور البيانات أن “الانضباط المالي” يمثل أساس الاستقرار الاقتصادي، مجددًا التزام الحكومة بقواعدها المالية والاحتفاظ بهامش لمواجهة الصدمات العالمية.
وفي الوقت نفسه، تواجه الحكومة ارتفاعًا في تكاليف الاقتراض في أسواق السندات وضغوطًا للإنفاق على ملفات تشمل الدفاع والإسكان والخدمات العامة، وهو ما يجعل الموازنة المقبلة اختبارًا لكيفية الجمع بين خطط حكومة بيرنهام للنمو والحاجة إلى السيطرة على الدين والعجز.
وتزداد المعادلة صعوبة إذا استمرت تكاليف الطاقة في الضغط على التضخم. فقد أظهرت بيانات PMI أن تكاليف الشركات ارتفعت مجددًا في أغسطس/آب، وهو ما دفع S&P Global إلى القول إن بنك إنجلترا قد يظل حذرًا بشأن أي تغيير في أسعار الفائدة حتى تتضح مسارات النمو والأسعار.
أربعة أرقام.. وأربع رسائل مختلفة
لا تقدم بيانات الجمعة إجابة واحدة عن حالة الاقتصاد.
فقراءة 52.8 نقطة في مؤشر الخدمات تقول إن قطاعًا يمثل الجزء الأكبر من النشاط الاقتصادي يتوسع أسرع مما كان متوقعًا.
وقراءة ناقص 14 نقطة في مؤشر ثقة المستهلك تقول إن الأسر أقل تشاؤمًا مما كانت عليه منذ عامين، لكنها لم تصل بعد إلى حالة تفاؤل عام.
والانخفاض البالغ 0.5 في المئة في مبيعات التجزئة يقول إن هذا التحسن النفسي لم يتحول بصورة مستقيمة إلى شراء المزيد من السلع خلال يوليو/تموز.
أما العجز البالغ 1.8 مليار باوند فيقول إن تحسن أجزاء من الاقتصاد لم يصل بعد إلى المالية العامة بالقوة التي تحتاج إليها الحكومة.
وهكذا لا ترسم أرقام الجمعة اقتصادًا في حالة ركود، ولا اقتصادًا خرج بالكامل من مشكلاته. بل تظهر نشاطًا خاصًا بدأ يكتسب قدرًا أكبر من القوة، ومستهلكين أصبحوا أقل تشاؤمًا، في مقابل خزينة لا تزال تحت ضغط وتكاليف لم تختفِ.
ومن هنا قد يصبح السؤال في الأشهر المقبلة ليس فقط ما إذا كان الاقتصاد يستطيع مواصلة النمو، وإنما ما إذا كان هذا النمو سيصبح قويًا ومستدامًا بما يكفي لكي يظهر أثره في دخل الأسر والوظائف وفي حسابات الحكومة نفسها.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇