الإقامة الدائمة حول العالم 2026: كندا تتصدر وبريطانيا تضاعف سنوات الانتظار
بين جواز يفتح الأبواب وإقامة تمنح الاستقرار، يقف آلاف العرب في بريطانيا وأوروبا أمام سؤال واحد: أين يمكن بناء مستقبل دائم بأسرع وقت وأقل تعقيد؟ خريطة الإقامة الدائمة حول العالم تتغيّر بوتيرة متسارعة، وأحدث تحوّلاتها يجري الآن في بريطانيا نفسها، حيث تستعد الحكومة لمضاعفة المدة المطلوبة للحصول على الإقامة الدائمة «الإقامة غير المحدودة» (ILR) من خمس سنوات إلى عشر.
كندا في الصدارة… لكن المنافسة تشتد

لا تزال كندا أكثر الوجهات جاذبية بين الدول التقليدية لاستقطاب الكفاءات، إذ يتيح نظام «الدخول السريع» (Express Entry) لحاملي الخبرة العملية الماهرة التقدم للإقامة الدائمة ضمن مسار تنافسي قائم على نظام نقاط.
وتُجري السلطات الكندية سحوبات دورية كل أسبوعين تقريبًا لدعوة أصحاب أعلى الدرجات في نظام التصنيف الشامل للتقدّم بطلباتهم، وتستهدف كندا استقبال نحو مليوني مقيم دائم جديد ضمن خطة مستويات الهجرة للأعوام 2026-2028، مع تركيز خاص على قطاعات تقنية المعلومات والرعاية الصحية والهندسة والتجارة والمال.
غير أن خبراء الهجرة يحذّرون من أن المنافسة على هذا المسار باتت أشد من أي وقت مضى؛ بسبب الإقبال الكثيف من الطلاب والعمال الدوليين، ما رفع الحد الأدنى للنقاط المطلوبة للقبول.
في المقابل، تشير دراسات مقارنة حديثة إلى أن الإقامة الدائمة عبر مسارات مثل أوروغواي أو تأشيرة أستراليا للمواهب العالمية قد تُستكمل خلال أشهر معدودة فقط، في حين يحتاج مسار الخبرة الكندية إلى نحو عشرة أشهر من لحظة الدعوة الرسمية حتى صدور القرار، إذا احتُسب الزمن الفعلي الذي يقضيه المتقدمون فعليًا بدل التقديرات الحكومية المثالية.
وهذا يعني أن «السرعة» في الأوراق الرسمية لا تعكس دائمًا واقع التجربة على الأرض.
ألمانيا وأستراليا ونيوزيلندا: التوظيف بوابة العبور

تبقى البطاقة الزرقاء الأوروبية «EU Blue Card» الطريق الأكثر شيوعًا أمام الكفاءات الراغبة في الاستقرار بألمانيا، شريطة الحصول على عرض عمل بمستوى دخل محدد، فيما تعتمد أستراليا ونيوزيلندا على أنظمة نقاط ترتبط بالمهن المطلوبة والعروض الوظيفية الفعلية أكثر من ارتباطها بمدة الإقامة وحدها.
وتتشابه هذه المسارات في سمة واحدة: فهي مصممة لجذب مهارات محددة، لا لفتح الباب أمام الهجرة العامة.
بريطانيا: نهاية مسار السنوات الخمس كما عرفناه

الجزء الأكثر إلحاحًا بالنسبة للجالية العربية في بريطانيا يتعلق بالتحول الجاري في قواعد «الإقامة غير المحدودة».
فبعد أن كانت خمس سنوات من الإقامة على تأشيرة العامل الماهر كافية للتقدم بطلب الاستقرار، اقترحت الحكومة البريطانية في ورقتها البيضاء الصادرة في مايو 2025 تحت عنوان «استعادة السيطرة على نظام الهجرة» رفع هذه المدة القياسية إلى عشر سنوات، مع إمكانية تقصيرها أو تمديدها بحسَب معايير «المساهمة» الفردية التي تشمل الدخل والانضباط في الالتزام بقواعد الهجرة وعدم الاعتماد على الإعانات.
وذلك دون الحاجة إلى تشريع برلماني؛ لأن معظم هذه التغييرات يمكن إدخالها عبر تعديل لوائح الهجرة مباشرة، بحسَب ما أوردته مكتبة مجلس العموم البريطاني.
وقد انتقلت هذه الخطة من مرحلة الاقتراح إلى التأكيد الرسمي، إذ أعلنت وزيرة الداخلية شابانا محمود، في مقابلة صحفية أوائل مارس 2026، أن الحكومة ماضية في مضاعفة مدة التأهل للإقامة الدائمة، على أن تدخل القواعد الجديدة حيز التنفيذ في خريف 2026، وأنها ستشمل من هم بالفعل على الطريق نحو الاستقرار داخل البلاد، رغم الجدل الواسع الذي أثارته هذه الخطوة.
وكانت الوزيرة قد ألمحت في وقت سابق، خلال مؤتمر حزب العمال، إلى أن المؤهلين للإقامة الدائمة سيُطالَبون مستقبلًا بإتقان اللغة الإنجليزية بمستوى مرتفع، والالتزام بسجل جنائي نظيف، والانخراط في العمل التطوعي المجتمعي، إضافة إلى شرط العمل ودفع التأمين الوطني وعدم تلقي إعانات حكومية، وفق ما نقلته صحيفة «إندبندنت» البريطانية، في وقت وصف فيه معارضون هذه المقترحات بأنها تدفع نحو «مجتمع من درجتين».
هذا التحول أثار موجة قلق واسعة النطاق بين المقيمين الحاليين على مسارات العمل والدراسة، ودفع أكثر من 230 ألف شخص للتوقيع على عريضة تطالب الحكومة بالإبقاء على مدة السنوات الخمس وتقييد وصول حديثي الاستقرار إلى المساعدات الاجتماعية بدلًا من مضاعفة سنوات الانتظار، وهي العريضة التي جرت مناقشتها في قاعة وستمنستر هول أوائل فبراير 2026.
حتى كتابة هذا التقرير، لم يُعرض بعد على البرلمان «بيان التغييرات» الرسمي الذي يترجم هذه المقترحات إلى قواعد نافذة، ما يعني أن مسار السنوات الخمس الحالي لا يزال ساريًا على كل الطلبات القائمة، بانتظار ما ستستقر عليه الحكومة نهائيًا.
ما الذي يعنيه هذا لمن يخطط للاستقرار؟

الدرس الأبرز من هذه الخريطة المتغيرة هو أن «زمن الحصول على الإقامة» لم يعد رقمًا ثابتًا يمكن التخطيط على أساسه لسنوات مقبلة، بل صار مرتبطًا بمعادلات سياسية واقتصادية متحركة في كل دولة.
فبينما تراهن كندا وأستراليا على جذب الكفاءات عبر أنظمة نقاط مرنة، تتجه بريطانيا نحو نموذج «الاستحقاق المكتسب»، الذي يربط الاستقرار الدائم بمعايير أداء ومساهمة فردية أكثر تشددًا من أي وقت مضى.
وبالنسبة للعرب المقيمين في بريطانيا أو المخطّطين للانتقال إليها، فإن المتابعة الدقيقة لتفاصيل «بيان التغييرات» المرتقب في الأشهر المقبلة، ومعرفة ما إذا كانت هناك أحكام انتقالية تحمي أصحاب الطلبات القائمة، ستكون حاسمة في تحديد الخطوة التالية، سواء بالاستمرار في المسار الحالي أو إعادة النظر في وجهات بديلة تتيح استقرارًا أسرع وأقل تكلفة على المدى الطويل.
المصادر: مكتبة مجلس العموم البريطاني (House of Commons Library)، صحيفة إندبندنت البريطانية (The Independent)، وتقارير متخصصة في سياسات الهجرة العالمية (2026).
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇