اقتصاد بريطانيا يدفع ثمن الحرب الأمريكية الإيرانية
رغم عدم مشاركة بريطانيا في الحرب الأمريكية الإيرانية، بدأت تداعيات الصراع تنعكس على اقتصادها، مع ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد الضغوط التضخمية، وسط توقعات بتباطؤ النمو الاقتصادي وتراجع مستويات المعيشة.
وحذّر مكتب مسؤولية الميزانية (OBR)، في أحدث توقعاته الرسمية، من أن ارتفاع أسعار الطاقة يشكل أكبر المخاطر التي تواجه الاقتصاد البريطاني على المدى القريب، مع توقعات بارتفاع أسعار الفائدة وزيادة تكاليف الاقتراض وخدمة الدين الحكومي.
وقال وزير الخزانة جون هيلي: إن البلاد تواجه “تحديات حقيقية في المرحلة المقبلة”، معلنًا إجراءات تهدف إلى منح الأسر “متنفسًا” خلال الأشهر المقبلة.
وأضاف: “نواجه اليوم عواصف اقتصادية عالمية، ولا يمكننا أن نتمنى زوالها، بل علينا أن نختار المسار الذي نسلكه لتجاوزها”.
تباطؤ النمو الاقتصادي رغم تحسن توقعات العام الحالي
في أول تقييم للاقتصاد البريطاني منذ اندلاع الصراع في الشرق الأوسط، رفع مكتب مسؤولية الميزانية توقعاته للنمو الاقتصادي خلال العام الحالي، لكنه خفّض بشكل حاد توقعاته للعام المقبل من 1.6% إلى 1%، مع توقعات بانتعاش النمو في السنوات التالية.
ويؤثر النمو الاقتصادي في أداء الشركات وفرص العمل والأجور؛ إذ يدفع الشركات عادةً إلى زيادة استثماراتها وتوفير وظائف جديدة ورفع أجور العاملين، ما ينعكس إيجابًا على مستويات المعيشة في المتوسط، وإن كان ذلك يستغرق وقتًا ولا يستفيد منه الجميع بالضرورة.
كما تؤدي زيادة أرباح الشركات إلى ارتفاع حصيلة الضرائب التي تحصلها الحكومة، ما قد يتيح لها زيادة الإنفاق على الخدمات العامة. أما عندما يتباطأ النمو أو ينكمش الاقتصاد، فقد تحدث النتائج المعاكسة.
ارتفاع التضخم يهدد مستويات المعيشة

توقع مكتب مسؤولية الميزانية ارتفاع الأسعار بوتيرة أسرع مع انتقال الزيادة في فواتير الطاقة عبر سلاسل الإمداد إلى المستهلكين، ولا سيما خلال عام 2027، ما يزيد الضغوط على الأسر ويؤثر في النمو الاقتصادي.
ومن المتوقع أن يبلغ التضخم ذروته عند 3.8% في عام 2027، مع بقائه مرتفعًا مدة أطول مما كان متوقعًا سابقًا.
ورغم حزمة الدعم التي أعلنتها الحكومة لتخفيف تكاليف المعيشة، رأى خبراء الاقتصاد في مؤسسة بانثيون ماكروإيكونوميكس أن الإجراءات “محدودة الأثر مقارنة بالارتفاع الكبير في التضخم الذي نتوقعه خلال فصل الشتاء”.
وتشير التوقعات إلى أن متوسط التضخم سيبلغ 3.4% العام المقبل، قبل أن يتراجع إلى مستهدف بنك إنجلترا البالغ 2% قرب نهاية العقد.
ارتفاع أسعار الوقود يرفع كلفة السلع
بدأ ارتفاع أسعار النفط عالميًا ينعكس على سائقي السيارات في بريطانيا، إذ بلغ متوسط سعر البنزين نحو 1.73 باوند للتر، فيما اقترب سعر الديزل من 1.99 باوند.
ولا تقتصر آثار ارتفاع أسعار النفط على الوقود، إذ يمكن أن يؤدي استمرارها إلى زيادة أسعار مجموعة واسعة من السلع، ومنها المواد الغذائية، مع تحميل الشركات المستهلكين التكاليف الإضافية التي تتحملها.
وتُنقل السلع عادةً إلى وجهاتها باستخدام الشاحنات والشاحنات الصغيرة، ما يجعل ارتفاع أسعار الوقود عاملًا مؤثرًا في تكاليف النقل وسلاسل الإمداد وأسعار المنتجات النهائية.
الأسر محدودة الدخل الأكثر تضررًا

توقّع مكتب مسؤولية الميزانية تراجع مستويات المعيشة خلال العام المقبل، مع تأثير ارتفاع فواتير الطاقة في القدرة الشرائية للأسر.
ومن المرجح أن تتحمل الأسر ذات الدخل المنخفض العبء الأكبر، لأن تكاليف الطاقة تستحوذ على حصة أكبر من ميزانياتها الشهرية ودخلها المتاح للإنفاق.
ويُتوقع أن يبدأ الدخل الحقيقي المتاح للأسر، وهو أحد المؤشرات المستخدمة لقياس مستويات المعيشة، بالنمو اعتبارًا من عام 2027، لكن بمعدل أقل مما كان متوقعًا سابقًا.
ووصف ديفيد مايلز، المسؤول في مكتب مسؤولية الميزانية، الصورة الاقتصادية بأنها “قاتمة إلى حد كبير”، مشيرًا إلى أن الأفراد لم يحققوا “أي نمو يُذكر تقريبًا” منذ الفترة التي سبقت جائحة كوفيد-19.
وأضاف أن بريطانيا تمر بـ”فترة كئيبة في تاريخها الاقتصادي”.
توقعات بارتفاع أسعار الفائدة وكلفة الاقتراض
من المتوقع على نطاق واسع أن يرفع بنك إنجلترا أسعار الفائدة خلال الأسبوع المقبل، في ظل ارتفاع التضخم خلال الأشهر الأخيرة. وتبلغ أسعار الفائدة حاليًا 3.75%، لكن مكتب مسؤولية الميزانية يتوقع احتمال ارتفاعها إلى 4.5% خلال السنوات المقبلة.
ويمثل ذلك تحولًا عن التوقعات السابقة للمكتب، التي رجحت خفض أسعار الفائدة مرتين خلال العام الحالي.
ويؤدي ارتفاع الفائدة إلى زيادة كلفة الاقتراض، لكنه قد يعزز العوائد التي يحصل عليها أصحاب المدخرات.
كما يؤدي التضخم إلى زيادة كلفة اقتراض الحكومة، مع توقع ارتفاع الإنفاق على فوائد الدين، الأمر الذي يرفع إجمالي المبالغ التي ستقترضها الحكومة.
ومن المتوقع أن يرتفع الاقتراض الحكومي كل عام بمقدار أكبر مما توقعه مكتب مسؤولية الميزانية سابقًا. كذلك يُرجح أن يؤدي ارتفاع الإنفاق على الرعاية الاجتماعية ورواتب التقاعد نتيجة التضخم إلى زيادة الاقتراض، رغم توقع تراجعه كنسبة من حجم الاقتصاد خلال السنوات الخمس المقبلة.
مستقبل الحرب يهدد التوقعات الاقتصادية

حذّر مكتب مسؤولية الميزانية من أن توقعاته تظل تقديرات لما قد يحدث مستقبلًا، وليست نتائج مؤكدة، خصوصًا أن الحرب في الشرق الأوسط قلبت التوقعات السابقة رأسًا على عقب.
وقد يؤدي أي تغيير في مسار الحرب إلى تعديل توقعات التضخم والاقتصاد البريطاني خلال الفترة المقبلة.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أشار إلى أن الحرب ستنتهي بعد انتخابات التجديد النصفي المقررة الشهر المقبل.
وأقر مكتب مسؤولية الميزانية بوجود “حالة كبيرة من عدم اليقين” بشأن توقعاته، في ظل التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط وصعوبة التنبؤ بمآلات الصراع.
المصدر: بي بي سي
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
