تحليل: غزة في قلب السياسة البريطانية.. لماذا اعتذر آندي بيرنام الآن؟
لم تعد غزة في السياسة البريطانية ملفًا خارجيًا بعيدًا؛ فقد صارت وزنًا انتخابيًا داخليًا.
هذه هي الدلالة الأهم في اعتذار آندي بيرنام عن موقف حزب العمال الأولي من الحرب الإسرائيلية على غزة. فالرجل لا يعتذر فقط عن خطأ سياسي قديم، ولا يراجع موقفًا أخلاقيًا من مأساة إنسانية هائلة؛ بل يتحرك داخل إدراك متزايد في حزب العمال بأن غزة أصبحت قضية قادرة على كسر الثقة، وتحريك كتل من الناخبين، وإعادة رسم العلاقة بين الحزب وجزء من قاعدته التقليدية.
بمعنى آخر: غزة لم تعد خلفية باهتة لمشهد بريطاني أكبر؛ أصبحت جزءًا من المشهد نفسه.
اعتذار بلغة سياسية جديدة
قال بيرنام إن كثيرين شعروا بأن حزب العمال “لم يكن على صواب” في بداية العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، وإنه آسف لأن استجابة الحزب “لم تكن جيدة بما يكفي”. وأضاف أن بريطانيا كانت “بطيئة جدًا” في المطالبة بوقف إطلاق النار، وأن عليها أن تفعل المزيد للضغط على الحكومة الإسرائيلية.
هذه ليست مجرد جملة اعتذار، إنها محاولة لفتح صفحة جديدة مع ناخبين شعروا أن حزب العمال، في لحظة اختبار أخلاقي كبرى، تأخر في قول ما كان يجب أن يقال مبكرًا: وقف إطلاق النار، حماية المدنيين، ومحاسبة إسرائيل على ما يجري في غزة.
لكن الاعتذار يحمل أيضًا قراءة انتخابية واضحة؛ فبيرنام يدرك أن الموقف من غزة لم يعد ملفًا يخص السياسة الخارجية وحدها، ولا قضية تخص “جالية” بعينها. لقد تحول إلى معيار للحكم على بوصلة الحزب: هل يقف مع حقوق الإنسان عندما يكون الضحايا فلسطينيين؟ وهل يستطيع أن ينتقد إسرائيل من دون أن يرتبك أو يختبئ خلف لغة دبلوماسية باردة؟
الجرح الذي تركه ستارمر
بيرنام لا يتحرك في فراغ، هو يحاول أن يضع مسافة بينه وبين لحظة كير ستارمر الأولى في الحرب، حين بدا حزب العمال لكثيرين أقرب إلى منطق الدولة والحليف الغربي منه إلى منطق العدالة والحماية المتساوية للمدنيين.
اللحظة التي علقت في ذاكرة كثيرين جاءت مبكرًا، بعد بداية الحرب الإبادية في أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين قال ستارمر في مقابلة إذاعية إن لإسرائيل “الحق” في قطع الكهرباء والمياه عن غزة، قبل أن يوضح فريقه لاحقًا أن التصريحات أُسيء فهمها. لكن الضرر كان قد وقع؛ فالصورة التي وصلت إلى قطاعات واسعة من الناخبين، خصوصًا المسلمين واليسار التقدمي، أن حزب العمال لم يتردد فقط في المطالبة بوقف إطلاق النار، بل بدا مترددًا في إظهار التعاطف السياسي والإنساني مع الفلسطينيين.
ثم جاء تمرد وقف إطلاق النار داخل الحزب، واستقالة عدد من نواب الصف الأمامي، ليكشف أن الجدل لم يكن خارجيًا فقط، بل انقسامًا عميقًا داخل حزب يفترض أنه يتحدث باسم العدالة الاجتماعية.
غزة كخسارة انتخابية
الأرقام جعلت الإنكار أصعب، في انتخابات 2024، تراجع تصويت المسلمين لحزب العمال بوضوح في عدد من الدوائر، وخسر الحزب مقاعد كانت تُعد آمنة أمام مرشحين مستقلين خاضوا حملاتهم على موقف مؤيد لغزة. وفي دوائر ذات كثافة مسلمة، تراجعت أغلبيات عمالية كبيرة، وتحولت مقاعد مطمئنة إلى ساحات قلق.
الأمر لا يتعلق فقط بالمسلمين، رغم أن وزنهم الانتخابي مهم بسبب تركزهم في مدن ودوائر بعينها. في نظام انتخابي مثل النظام البريطاني، حيث يمكن لتحولات محلية محدودة أن تقلب مقاعد، يصبح الغضب المنظم أكثر تأثيرًا من حجمه العددي العام.
غزة، بهذا المعنى، أصبحت دائرة انتخابية غير معلنة: لا تملك مقعدًا واحدًا في البرلمان، لكنها تستطيع التأثير في مقاعد كثيرة.
وهنا يفهم بيرنام أن وراثة حزب العمال لا تعني فقط وراثة أغلبيته البرلمانية، بل وراثة غضب تراكم في الشوارع، والجامعات، والمساجد، والنقابات، وبين شباب رأوا في غزة اختبارًا أخلاقيًا فشل الحزب في اجتيازه مبكرًا.
ليست قضية جالية فقط
الخطأ السياسي سيكون اختزال غزة في “تصويت المسلمين”.
هذا جزء مهم من الصورة، لكنه ليس الصورة كلها.
غزة تحولت إلى قضية تجمع بين العرب والمسلمين، وقطاعات من اليسار، والناشطين الحقوقيين، والشباب، وناخبين لا يرون أنفسهم جزءًا من صراع هوياتي، بل من سؤال أبسط: هل تزن بريطانيا حياة المدنيين بالمعيار نفسه؟
ولهذا يصبح الاعتذار مهمًا. ليس لأنه يسترضي كتلة انتخابية محددة، بل لأنه يعترف ضمنيًا بأن السياسة الخارجية يمكن أن تتحول، في لحظة أخلاقية كبرى، إلى سياسة داخلية بكل معنى الكلمة.
حين يشعر ناخب بريطاني أن حزبه يتعامل ببرود مع كارثة إنسانية، فإن السؤال لا يبقى عن غزة وحدها. يصبح سؤالًا عن معنى التمثيل السياسي داخل بريطانيا: هل يسمع الحزب غضب ناخبيه عندما يكون الغضب من أجل فلسطين؟ أم يعتبره تفصيلًا عاطفيًا سيهدأ مع الوقت؟
حدود الاعتذار
مع ذلك، الاعتذار وحده لا يكفي…
بيرنام وعد بالنظر في مزيد من العقوبات على المتورطين في العنف في غزة، وبإجراءات قد تشمل حظر التجارة مع المستوطنات غير القانونية. لكنه توقف أيضًا عند نقطة مهمة: لم يصف ما يجري في غزة بأنه إبادة جماعية، وقال إن هناك أدلة متزايدة على جرائم حرب، لكن الحكم النهائي يجب أن يكون للمحاكم الدولية لا للسياسيين.
هذه الصيغة قد تبدو حذرة ومسؤولة عند البعض، لكنها قد تبدو لآخرين استمرارًا للتهرب السياسي نفسه: الاعتراف بالألم من دون الذهاب إلى أقصى نتائجه.
وهنا سيكون اختبار بيرنام الحقيقي.
هل يتحول الاعتذار إلى سياسة مختلفة؟ هل يعني ضغطًا أقوى على إسرائيل، ومراجعة أوضح للتجارة مع المستوطنات، وتشددًا أكبر في ملف السلاح، ولغة أكثر صراحة عن حقوق الفلسطينيين؟ أم يبقى محاولة انتخابية لاستعادة ناخبين غاضبين من دون دفع كلفة سياسية كاملة؟
ثقل لا يمكن تجاوزه
أهمية اعتذار بيرنام أنه يكشف أن غزة لم تعد قضية يمكن دفنها تحت عناوين الاقتصاد والهجرة والخدمات.
إنها الآن سؤال سياسي بريطاني مباشر.
تجبر زعيمًا محتملًا لحزب العمال على الاعتذار، وتضغط على الحزب كي يراجع علاقته بناخبين كان يعتبرهم مضمونين، وتثبت أن القضايا الأخلاقية البعيدة جغرافيًا قد تصبح قريبة جدًا من صندوق الاقتراع.
بيرنام لا يعتذر فقط عن الماضي.
هو يحاول أن يقول إن حزب العمال فهم الدرس: غزة صارت ثقلًا سياسيًا لا يمكن تجاوزه.
ومن لا يفهم وزنها، قد يدفع ثمنها في الصندوق.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇