تحليل: ما يحدث في سبتة لا يبقى في سبتة.. لماذا تحوّلت سبتة إلى جدل بريطاني؟
ما يحدث في سبتة لا يبقى في سبتة.
هذه هي المفارقة التي كشفتها الأزمة الحدودية الأخيرة في المدينة الواقعة شمال المغرب والخاضعة للإدارة الإسبانية. جغرافيًا، جرت الواقعة على أرض إفريقية، عند نقطة تماس بين المغرب ومدينة تديرها مدريد. سياسيًا، لم تحتج إلا ساعات قليلة كي تتحول إلى أزمة أوروبية، ثم إلى سؤال بريطاني عن الحدود والهجرة وأمن القنال الإنجليزي.
فما بدا في لحظته الأولى تدفقًا استثنائيًا عند حدود محلية شديدة الحساسية، اتسع سريعًا إلى ما هو أبعد من سبتة نفسها. رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز تحدث عن «انتهاك» لوحدة أراضي بلاده، وإيطاليا علّقت مؤقتًا ترتيبات شنغن مع إسبانيا، بينما التقطت الصحف البريطانية المحافظة المشهد بوصفه مادة جاهزة للهجوم على حكومة آندي بيرنهام.
لماذا حدث التدفق الآن؟

الأرقام تشرح حجم الصدمة، لكنها لا تكفي وحدها لتفسيرها. السلطات الإسبانية تحدثت عن عبور نحو 50 ألف شخص منذ صباح الخميس، بينما قدّر رئيس حكومة سبتة المحلية العدد بنحو 60 ألفًا خلال يومين. وقالت مدريد إن 48,300 شخص عادوا طوعًا إلى المغرب بحلول مساء الجمعة، في حين أُعلن انتشال 57 جثة على الجانب الخاضع للإدارة الإسبانية، مع احتمال وجود ضحايا آخرين على الجانب المغربي.
لكن السؤال الأهم: لماذا الآن؟
أحد المفاتيح كان حكمًا حديثًا للمحكمة العليا الإسبانية بشأن من يحاولون دخول سبتة ومليلية سباحة. الحكم لم يفتح الحدود، لكنه حدّ من الإعادة الفورية لمن يُعترضون في البحر، مقارنة بمن يتجاوزون الأسوار والمعابر البرية. وبحسب الحكومة الإسبانية، فإن شبكات تهريب البشر ضخّمت معنى الحكم، وقدّمته للمهاجرين كفرصة لا ينبغي تفويتها. وقال سانشيز إن هذا التفسير انتشر «كالنار في الهشيم» عبر شبكات الاتجار بالبشر.
بكلمات أبسط: لم تتغير الخريطة، لكن تغير تصور الفرصة. وفي ملف الهجرة، لا تتحرك الأعداد الكبيرة دائمًا بسبب تغيير قانوني مكتمل، بل أحيانًا بسبب إشاعة قوية، أو وعد مبالغ فيه، أو لحظة يعتقد فيها الناس أن الباب صار أقل إغلاقًا.
ثم جاءت العوامل الأعمق: البطالة، والفجوة الاقتصادية، وضغط شبكات التهريب، والحلم القديم بالوصول إلى إسبانيا ومنها إلى أوروبا. أحد العابرين قال لوكالة أسوشيتد برس: «لا يوجد شيء في الوطن. سأضطر إلى العمل 12 ساعة مقابل أجر ضئيل». هذه الجملة تشرح ما لا تقوله الأرقام وحدها: الحدود هنا لا تفصل فقط بين إدارتين، بل بين عالمين غير متكافئين، وفرق الأفضلية بينهما يكفي لدفع كثيرين إلى مغامرة قاتلة.
من أزمة إنسانية إلى لغة «الغزو»
لكن الأزمات الحدودية لا تبقى إنسانية فقط حين تدخل السياسة. في لحظة قصيرة، ينتقل النقاش من الناس الذين سبحوا أو اندفعوا أو غرقوا، إلى صورة «الحدود التي تُقتحم»، و«الدولة التي تفقد السيطرة»، و«المهاجرين الذين قد يتحركون لاحقًا نحو الشمال».
هذا ما حدث سريعًا في الخطاب البريطاني. بعض الصحف المحافظة لم تتعامل مع سبتة كخبر أوروبي بعيد، بل كصورة مسبقة لما قد تواجهه بريطانيا إذا لم تشدد حدودها. استخدمت ديلي ميل تعبير «غزاة الحدود الإسبانية»، وهي عبارة تكشف الانحياز الأيديولوجي قبل أن تشرح الواقع. فالمهاجر يتحول لغويًا من شخص يغامر بحياته إلى تهديد بغزو يتحرك نحو بريطانيا.
وليست هذه اللغة بريطانية وحدها. دونالد ترامب وصف مشاهد سبتة بأنها تبدو «كغزو»، محذرًا من أن الأمر نفسه قد يحدث في الولايات المتحدة «لكن أسوأ»، إذا لم يفز الجمهوريون في انتخابات التجديد النصفي. هكذا يوحّد اليمين عبارات الخوف قبل أن يوحّد سياساته: أزمة واحدة، وقاموس واحد، ورسالة واحدة تقريبًا عن الحدود التي تنهار.
هنا تصبح سبتة رمزًا لا مكانًا. والرمز في السياسة أقوى أحيانًا من الجغرافيا. فالأزمة لا تحتاج أن تبدأ على شاطئ كنت أو قرب دوفر كي تدخل قلب النقاش البريطاني. يكفي أن تقدم صورة حدود أوروبية مرتبكة، ورقمًا ضخمًا، وحكومة تبدو تحت الضغط، حتى تتحول إلى ذخيرة جاهزة في يد اليمين.
لماذا تهم بريطانيا؟
بريطانيا خارج شنغن، وخارج الاتحاد الأوروبي، ولا توجد علاقة طريق مباشرة وبسيطة بين سبتة والقنال الإنجليزي. ومع ذلك، وصلت الأزمة إلى لندن بسرعة؛ لأنها تمس خيالًا سياسيًا راسخًا: إذا عجزت دولة أوروبية عن السيطرة على حدودها، فهل تصبح بريطانيا الهدف التالي؟
هذا هو السؤال الذي يريد خصوم بيرنهام فرضه. ليس مهمًا، بالنسبة إليهم، أن الواقعة مرتبطة بحكم قضائي إسباني محدد، وبوضع سبتة، وبشبكات تهريب، وبعلاقة معقدة بين الرباط ومدريد. المهم أن تتحول القصة إلى دليل إضافي على أن «أوروبا تفقد السيطرة»، وأن الحكومة البريطانية مطالبة بالتشدد قبل أن يصل الأثر إلى شواطئها.
لذلك جاءت تصريحات المعارضة البريطانية وكأنها تختصر المسافة بين شمال المغرب وجنوب إنجلترا. التحذير ليس من سبتة بذاتها، بل من أن تتحول أي أزمة حدودية أوروبية إلى موجة مهاجرين كبرى داخل القارة، ثم إلى ضغط جديد على بريطانيا. ومن هنا تصبح الواقعة اختبارًا مبكرًا لبيرنهام، حتى إن لم تكن بريطانيا طرفًا مباشرًا فيها.
اختبار بيرنهام: من يملك لغة الأزمة؟
المشكلة أمام حكومة بيرنهام ليست فقط في متابعة ما يجري مع مدريد أو تبادل المعلومات مع الإسبان. المشكلة الأكبر هي من يملك لغة الأزمة داخل بريطانيا.
إذا ترك بيرنهام الصحف المحافظة وحزب ريفورم يوكيه يعرّفون ما حدث باعتباره «غزوًا»، فسيجد نفسه في موقع دفاعي: عليه أن يثبت أنه صارم بما يكفي، حتى لو كانت الأزمة لا تبدأ من حدوده. وإذا اكتفى بلغة إنسانية عامة، سيُتهم بالتهوين من خطر الحدود. وإذا بالغ في التشدد، سيمنح خصومه انتصارًا لغويًا مبكرًا: لقد جعلوه يتحدث بلغتهم ويتحرك وفق تعريفاتهم.
لذلك يحتاج بيرنهام إلى توازن دقيق. عليه أن يعترف بأن ما حدث في سبتة أزمة كبيرة، وأن أزمات الحدود الأوروبية قد تكون لها ارتدادات على بريطانيا. لكنه يحتاج أيضًا إلى منع تحويل كل مهاجر إلى تهديد، وكل أزمة أوروبية إلى ذريعة لهجوم يميني منسق.
فالدرس من سبتة ليس أن بريطانيا على وشك مواجهة المشهد نفسه غدًا. الدرس أن ملف الهجرة صار عابرًا للحدود سياسيًا، كما هو عابر للحدود جغرافيًا. كل صورة من سبتة، وكل تعليق من مدريد، وكل قرار من روما أو باريس بشأن الحركة مع إسبانيا، يمكن أن يتحول خلال ساعات إلى سؤال في وستمنستر: هل تفعل الحكومة ما يكفي؟
جغرافيا بعيدة وسياسة قريبة

بهذا المعنى، وصلت سبتة إلى لندن لا لأن الطريق من شمال المغرب إلى القنال الإنجليزي مباشر، ولا لأن كل من عبروا سيحاولون الوصول إلى بريطانيا. وصلت لأنها قدمت لليمين البريطاني ما يحتاجه دائمًا في ملف الهجرة: رقمًا كبيرًا، وصورة حدود مضطربة، ودولة أوروبية تطلب السيطرة، ومخاوف يمكن نقلها من سياق إلى آخر.
أما بيرنهام، الذي يستفيد من دفعة استطلاعات مبكرة، فيكتشف أن «قفزة» البداية لا تمنع خصومه من البحث عن أول ملف قادر على إعادته إلى الأرض. والهجرة، كما يعرف كل رئيس وزراء بريطاني حديث، من أسرع الملفات التي تسحب الحكومة من وعودها الواسعة إلى أسئلة السيطرة والردع والحدود.
ما يحدث في سبتة لا يبقى في سبتة؛ لأن الهجرة لم تعد حدثًا محليًا في مكان بعينه. إنها لغة سياسية متنقلة. تبدأ عند سور أو شاطئ أو معبر، ثم تسافر في العناوين، وتستقر حيث يوجد خوف جاهز لاستخدامها.
وهذا هو جرس الإنذار الحقيقي لبيرنهام: ليس أن سبتة ستصبح دوفر بالضرورة، بل أن خصومه سيحاولون جعل كل حدود أوروبية مضطربة مقدمة لمعركة بريطانية جديدة.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇