تقرير: سجون عند 98% من طاقتها.. كيف وصلت الأزمة إلى هنا وما حلول حكومة بيرنهام؟
تواجه حكومة آندي بيرنهام واحدة من أكثر أزمات الخدمات العامة تعقيدًا، مع عمل سجون الرجال في إنجلترا وويلز عند نحو 98 في المئة من طاقتها حاليًا، واضطرار الحكومة إلى الموازنة بين تخفيف الاكتظاظ من جهة والحفاظ على ثقة الضحايا والجمهور في نظام العدالة من جهة أخرى.
وتكشف سلسلة القرارات الأخيرة حجم المعضلة. فالحكومة قررت أولًا توسيع الإفراج المبكر عن بعض السجناء لتوفير أماكن، ثم اضطرت بعد احتجاجات واسعة إلى استبعاد فئات إضافية من المخطط، ما يعني بقاء نحو 1400 سجين كان يمكن أن يستفيدوا منه خلف القضبان.
وفي الوقت نفسه، تعهد بيرنهام بإنهاء الآثار المستمرة لعقوبات السجن غير محددة المدة المعروفة باسم IPP، التي أُلغيت للمدانين الجدد منذ عام 2012، لكن لا يزال 856 سجينًا لم يفرج عنهم بموجبها حتى نهاية يونيو/حزيران 2026، إضافة إلى 1415 شخصًا أعيدوا إلى السجن بعد الإفراج عنهم.
كيف وصلت السجون إلى هذه النقطة؟

الأزمة الحالية ليست وليدة الأشهر الأخيرة.
تقول الحكومة إن إنجلترا وويلز دخلتا صيف 2024 وفي بعض الفترات بأقل من 100 مكان متاح داخل السجون، بعد سنوات من ارتفاع أعداد السجناء وبطء إضافة أماكن جديدة إلى النظام.
وبحسب وزارة العدل، لم يُضف صافي عدد الأماكن في السجون خلال أكثر من عقد سوى نحو 500 مكان، بينما استمر الطلب على السعة في الارتفاع.
وعلى مستوى مجمل منظومة السجون في إنجلترا وويلز، تبلغ الطاقة التشغيلية نحو 89 ألف مكان، بينما بلغ عدد السجناء قرابة 85.9 ألفًا في نهاية يونيو/حزيران. لكن هذه الصورة الإجمالية تخفي ضغطًا أشد داخل سجون الرجال، التي تعمل حاليًا عند نحو 98 في المئة من طاقتها.
ولا تتعلق المشكلة فقط بعدد الأسرة. فوزارة العدل تقول إن نحو ربع السجناء كانوا محتجزين في أماكن مصنفة رسميًا باعتبارها مزدحمة خلال 2024-2025، ما يضغط على الأمن والخدمات الصحية وبرامج إعادة التأهيل.
أحكام أطول زادت الضغط
ولا يفسر نقص الأماكن الأزمة وحده؛ إذ يرى قضاة وخبراء أن أحد أسباب ارتفاع أعداد السجناء هو الزيادة التدريجية في مدد الأحكام.
وحذر أربعة من رؤساء القضاء السابقين في إنجلترا وويلز عام 2024 من أن مدد أحكام السجن تضاعفت تقريبًا خلال نحو نصف قرن، معتبرين أن “تضخم الأحكام” أصبح عاملًا رئيسيًا في زيادة أعداد السجناء.
وتظهر إحصاءات وزارة العدل استمرار ارتفاع متوسط مدد الأحكام، إلى جانب زيادة استخدام السجن الفوري في بعض المحاكم.
ولا يعني ذلك أن تشديد العقوبات غير مبرر في كل حالة، لكن تراكم الزيادات في مدد الأحكام عبر سنوات أدى إلى بقاء عدد أكبر من الأشخاص داخل السجون لفترات أطول، ورفع الضغط على السعة المتاحة.
لماذا لم يكف بناء سجون جديدة؟

تقول الحكومة إنها أضافت أكثر من 3200 مكان منذ وصولها إلى السلطة، وتخطط لتوفير 14 ألف مكان جديد بحلول 2031.
لكن بناء السجون يستغرق سنوات، بينما أزمة السعة تحدث الآن.
ولهذا لجأت الحكومات المتعاقبة إلى إجراءات أسرع، بينها الإفراج المبكر وتغيير قواعد الأحكام، وهي حلول توفر أماكن خلال أشهر أو أسابيع، لكنها تحمل كلفة سياسية وأمنية أكبر.
وقد قالت وزارة العدل في يناير/كانون الثاني إن النظام كان سيواجه خطر نفاد الأماكن بالكامل بحلول الصيف لولا التغييرات التي أقرها قانون الأحكام الجديد.
الإفراج المبكر: حل اضطراري ثم تراجع
اعتمدت الحكومة نموذجًا جديدًا يسمح لبعض السجناء بالخروج في وقت أبكر، مع ربط الإفراج بالسلوك داخل السجن والإشراف المشدد بعد الخروج.
لكن الخطة تعرضت لضغوط شديدة بعدما تبين أن بعض المدانين في جرائم خطرة يمكن أن يستفيدوا منها، وبينهم أشخاص أُدينوا بالقتل غير العمد.
وبعد الجدل، قرر بيرنهام استبعاد جميع المدانين بالقتل غير العمد، إضافة إلى فئات أخرى مثل القتل نتيجة القيادة الخطرة والتسبب في وفاة طفل وبعض الجرائم الجنسية التاريخية.
ويعني ذلك خروج نحو 1400 سجين من نطاق المخطط، وانخفاض العدد المتوقع للمستفيدين من نحو 5900 إلى قرابة 4500 سجين خلال العام المقبل.
لكن القرار يعيد الضغط مباشرة إلى السجون؛ إذ تشير تقارير إلى أن عدد الأماكن المتاحة في سجون الرجال لا يتجاوز نحو 1665 مكانًا في الوقت الحالي.
ماذا عن أحكام IPP؟
على الجانب الآخر من الأزمة توجد مشكلة مختلفة تمامًا.
أُدخلت أحكام Imprisonment for Public Protection عام 2005، وكانت تسمح باحتجاز بعض المدانين إلى أجل غير محدد بعد انتهاء الحد الأدنى للعقوبة إذا اعتُبر أنهم ما زالوا يمثلون خطرًا.
أُلغيت هذه الأحكام للمدانين الجدد عام 2012، لكنها لم تُلغَ بأثر رجعي.
ولهذا ظل آلاف الأشخاص داخل النظام بموجبها، بعضهم تجاوز الحد الأدنى لعقوبته بسنوات طويلة.
وتظهر بيانات وزارة العدل أن عدد السجناء الذين لم يفرج عنهم بعد بموجب IPP انخفض من أكثر من 6000 في 2012 إلى 856 في يونيو/حزيران 2026، لكن 1415 آخرين كانوا في السجن بعد إعادتهم إليه من المجتمع.
وتعهد بيرنهام الآن بإنهاء ما تبقى من هذه الأحكام خلال الدورة البرلمانية المقبلة.
ويرى المدافعون عن الإصلاح أن استمرار هذه الأحكام يمثل ظلمًا لأشخاص أمضوا فترات تتجاوز كثيرًا العقوبات الأصلية، بينما يبقى التحدي أمام الحكومة هو كيفية التعامل مع الحالات التي لا تزال جهات الإفراج المشروط ترى أنها تمثل خطرًا على الجمهور.
أزمة أخرى: إعادة السجناء بعد الإفراج عنهم
حتى نجاح برامج الإفراج المبكر لا يضمن تخفيف الضغط إذا عاد عدد كبير من الأشخاص إلى السجون.
وتشير أرقام حديثة إلى وجود نحو 9900 شخص داخل السجون بعد إعادتهم بسبب خرق شروط الإفراج، وهو رقم تضاعف تقريبًا خلال خمس سنوات.
ولا تعني الإعادة إلى السجن دائمًا ارتكاب جريمة جديدة.
وتقول منظمة Nacro إن نحو 20 في المئة فقط من حالات الإعادة ترتبط بارتكاب جرائم جديدة، بينما يمكن أن تحدث في حالات أخرى بسبب خرق شروط الترخيص، مثل عدم حضور مواعيد المراقبة.
وترى المنظمة أن تقليل الإعادة إلى السجن في المخالفات الأقل خطورة يمكن أن يوفر آلاف الأماكن دون توسيع الإفراج عن مرتكبي الجرائم الخطرة.
هل تستطيع خدمة المراقبة استيعاب المفرج عنهم؟
هذه إحدى أضعف حلقات الخطة الحالية.
فكل سجين يخرج مبكرًا لا يختفي من النظام، بل ينتقل جزء من العبء من السجون إلى خدمات المراقبة في المجتمع.
وفي أغسطس/آب، صوت أعضاء نقابة Napo التي تمثل موظفي المراقبة بنسبة 91 في المئة لصالح اتخاذ إجراءات قد تصل إلى الإضراب، محذرين من أن أعباء العمل الحالية تعرقل قدرتهم على حماية الجمهور، وأن الإفراجات الجديدة ستزيد الضغط.
وهذا يعني أن حل أزمة السجون من خلال الإفراج المبكر يمكن أن ينقل المشكلة إلى خدمة أخرى إذا لم تزد الموارد والموظفون بالتوازي.
كيف تحاول الحكومة تقليل المخاطر؟
تراهن الحكومة على إشراف أكثر صرامة بعد الإفراج.
ومن المقرر إدخال مناطق تقييد جديدة اعتبارًا من أكتوبر/تشرين الأول تسمح لخدمات المراقبة بمنع بعض مرتكبي الجرائم الخطرة من دخول مناطق واسعة حول أماكن إقامة الضحايا.
ويمكن استخدام أجهزة تتبع GPS لمراقبة تحركاتهم، مع إمكانية إعادتهم إلى السجن إذا انتهكوا الشروط.
وتقول الحكومة أيضًا إن القواعد الجديدة ستعطي الضحايا دورًا في تحديد بعض حدود المناطق التي يُمنع الجاني من دخولها.
وما الحل طويل المدى؟

لا يوجد حل واحد يمكنه إنهاء الأزمة بسرعة.
تعتمد الخطة الحكومية على مزيج من المسارات: بناء سجون جديدة، وتغيير قواعد الإفراج، وإنهاء بعض الأحكام القديمة مثل IPP، وتقليل أعداد السجناء الذين يعادون إلى السجن دون جرائم جديدة، وتشديد الإشراف على من يخرجون إلى المجتمع.
وتضيف أزمة تضخم الأحكام سؤالًا آخر إلى النقاش: هل تستطيع الحكومة تخفيف الضغط من دون مراجعة أوسع لمدد العقوبات وطريقة استخدام السجن، إلى جانب زيادة الطاقة الاستيعابية؟
كما أطلقت الحكومة مراجعة مستقلة للسجون بقيادة وزيرة الداخلية السابقة أمبر رود، للنظر في مشكلات السعة والأمن والسلامة وإعادة التأهيل على المدى الطويل.
لكن التحدي السياسي سيظل قائمًا: بناء السجون يحتاج إلى سنوات وأموال ضخمة، بينما الإفراج المبكر يثير مخاوف الضحايا والجمهور، وإنهاء أحكام IPP يحتاج إلى تقييم المخاطر حالة بحالة، ونقل مزيد من السجناء إلى المجتمع يتطلب خدمة مراقبة قادرة على التعامل معهم.
ولهذا أصبحت أزمة السجون اختبارًا لحكومة بيرنهام يتجاوز سؤال عدد الزنازين المتاحة إلى سؤال أكبر: هل تستطيع تقليل أعداد السجناء بطريقة مستدامة من دون أن تخلق في المقابل مخاطر جديدة على سلامة الجمهور؟
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇