كيف سيتعامل آندي بيرنام مع التحديات الاقتصادية والسياسية في بريطانيا؟
يستعد آندي بيرنام لدخول داونينغ ستريت رئيسًا للوزراء، متعهدًا بمنح البريطانيين “مساحة للتنفس” في مواجهة غلاء المعيشة، وبإعادة ترتيب أولويات الحكومة بعد فترة سياسية شهدت تعاقب سبعة رؤساء وزراء خلال عقد واحد.
ومن المتوقع أن يلقي بيرنام أول خطاب له أمام مقر رئاسة الحكومة بعد أن يتوجه كيير ستارمر إلى قصر باكنغهام لتقديم استقالته رسميًا، ثم يلتقي بيرنام بالملك لتكليفه بتشكيل الحكومة.
خطاب أول عن الاستقرار وغلاء المعيشة
يركز خطاب بيرنام الأول على الاعتراف بحجم التحديات التي تواجه البلاد، والدعوة إلى قدر من “التأمل والحسم” بعد سنوات من الاضطراب السياسي.
وسيقول رئيس الوزراء الجديد، بحسب المقربين منه، إنه يدرك بوضوح أن بريطانيا عاشت عقدًا مضطربًا سياسيًا، وأن المطلوب الآن ليس تغيير الوجوه فقط، بل استعادة الثقة في قدرة الحكومة على تحسين حياة الناس.
ويريد بيرنام أن يربط الاستقرار السياسي بنتائج ملموسة، خصوصًا في ملف تكاليف المعيشة، بحيث يشعر المواطنون بتحسن مباشر في دخلهم وفواتيرهم وقدرتهم على إدارة حياتهم اليومية.
انتقال رسمي من ستارمر إلى بيرنام

من المتوقع أن يلقي كيير ستارمر كلمة وداعية خارج داونينغ ستريت، قبل التوجه إلى قصر باكنغهام لتقديم استقالته.
وبعد ذلك، يلتقي بيرنام بالملك ضمن الإجراءات الدستورية المعتادة لتعيينه رئيسًا للوزراء، قبل أن يتوجه إلى داونينغ ستريت لإلقاء خطابه الأول.
وعلى خلاف خطاب استقالة ستارمر، لا يُتوقع أن تعطل الاحتجاجات الكلمات الرسمية هذه المرة، بعدما حظرت الشرطة استخدام مكبرات الصوت والموسيقى المضخمة في محيط داونينغ ستريت خلال عملية انتقال السلطة.
حكومة جديدة بعد انتقال سريع
يمثل يوم الاثنين نهاية انتقال سريع لبيرنام، الذي عاد إلى مجلس العموم قبل نحو شهر فقط بعد فوزه في الانتخابات الفرعية بدائرة ميكرفيلد.
ولم يمر بيرنام بسباق قيادة كامل داخل حزب العمال، وهو ما يجعل كثيرًا من ملامح برنامجه الحكومي غير واضحة بعد.
ومن المتوقع أن يعلن تشكيل حكومته بعد خطابه الأول، وسط ترقب لاختيار وزير الخزانة الجديد.
وتشير تقديرات سياسية إلى أن بيرنام كان يدرس تعيين وزير الطاقة إد ميليباند أو وزيرة الداخلية شابانا محمود في هذا المنصب، في إشارة إلى مركزية الاقتصاد والطاقة والهجرة في المرحلة المقبلة.
“مساحة للتنفس” بدل الهوية الرقمية
من أول القرارات المنتظرة في عهد بيرنام إلغاء مشروع الهوية الرقمية الذي كان قد طرحه ستارمر، وتحويل الموارد والاهتمام السياسي إلى ملف غلاء المعيشة.
ويقدم بيرنام هذا القرار بوصفه جزءًا من “إعادة ضبط الأولويات”، أي الابتعاد عن مشروع أثار مخاوف تتعلق بالخصوصية والبيانات، والتركيز بدلًا منه على الإجراءات التي يمكن أن تخفف الضغط عن الأسر.
وقال بيرنام في مقابلة صحفية إنه تحدث بالفعل مع وزارة الخزانة بشأن إعلاناته المرتقبة، مشددًا على أهمية أن “يشعر الناس بتحسن”.
وأشار إلى أن شكاوى المواطنين من تجميد عتبات الضرائب ظلت حاضرة في ذهنه منذ حملة ميكرفيلد، معتبرًا أن النقاش حول الضرائب لا يمكن اختزاله في وصفه بأنه سياسي يسعى إلى زيادتها.
الطاقة وفواتير الأسر

من بين الملفات التي قد تظهر مبكرًا في أجندة بيرنام ملف الطاقة، خصوصًا مع الحديث عن إجراءات لمساعدة الأسر على مواجهة الفواتير.
وتشير تقارير إلى أن دعم تكاليف المعيشة قد يشمل خطوات مرتبطة بأسعار الطاقة، وربما السماح بمزيد من التنقيب عن النفط والغاز في بحر الشمال.
لكن هذا المسار سيضع بيرنام أمام اختبار بيئي وسياسي، إذ يحثه ناشطون في مجال المناخ على الالتزام ببيان حزب العمال لعام 2024، الذي تعهد بعدم إصدار تراخيص جديدة للتنقيب في بحر الشمال.
ويقول منتقدو التوسع في التنقيب إن التراخيص الجديدة لن تخفض فواتير الطاقة بشكل فعلي، بينما قد تضعف التزامات بريطانيا المناخية.
لا مركزية السلطة و“داونينغ ستريت الشمال”
يريد بيرنام أن يجعل نقل السلطة بعيدًا عن وستمنستر إحدى أولوياته الأساسية.
ومن المتوقع أن يدفع هذه الأجندة عبر إنشاء ما يوصف بـ“داونينغ ستريت الشمال” في مانشستر، في خطوة رمزية وسياسية تعكس تجربته السابقة عمدةً لمانشستر الكبرى.
ويحاول بيرنام من خلال هذه الفكرة تقديم نفسه بوصفه رئيس حكومة لا يريد احتكار القرار في وايتهول، بل نقل قدر أكبر من السلطة إلى المناطق والمجتمعات المحلية.
لكن نجاح هذه الفكرة سيتوقف على ما إذا كانت ستتحول إلى صلاحيات وموارد فعلية، أم ستبقى مجرد لافتة سياسية جديدة.
مياه التايمز تحت الضغط
قد يواجه بيرنام سريعًا قرارًا حساسًا بشأن شركة مياه التايمز، التي تعاني من ديون تبلغ نحو 20 مليار باوند.
وتدور التكهنات حول احتمال تأميم الشركة مؤقتًا إذا فشلت محاولات إنقاذها، خاصة في ظل دعم بيرنام السابق لقدر أكبر من السيطرة العامة على الخدمات الأساسية.
وقال الدائنون الرئيسيون للشركة إنهم مستعدون لمناقشة الملف مع الوزراء الجدد، بهدف الوصول إلى خطة إنقاذ وتجنب دخول الشركة في نظام إدارة خاصة.
وسيكون هذا الملف اختبارًا مبكرًا لطريقة بيرنام في التعامل مع الخدمات العامة: هل يكتفي بإصلاح تنظيمي محدود، أم يذهب إلى تدخل حكومي أوسع عندما تتعثر المرافق الأساسية؟
الرعاية الاجتماعية وإرث الأزمة المؤجلة
من المتوقع أيضًا أن يضع بيرنام إصلاح الرعاية الاجتماعية ضمن أولوياته، وهو ملف قال سابقًا إنه مستعد لإنفاق رأس مال سياسي عليه.
ودعا زعيم حزب الديمقراطيين الأحرار إد ديفي بيرنام إلى إشراك الأحزاب الأخرى في حل أزمة الرعاية الاجتماعية، مطالبًا بضمان حقوق مقدمي الرعاية من أفراد الأسر، وإنشاء شبكة أمان عامة، وحماية الناس من التكاليف الكارثية للرعاية.
وتكمن صعوبة هذا الملف في أنه يحتاج إلى تمويل كبير وتوافق سياسي واسع، بينما تبدأ حكومة بيرنام عملها تحت ضغط اقتصادي ومالي واضح.
ضغط من المعارضة قبل البداية
لم ينتظر المحافظون دخول بيرنام داونينغ ستريت لبدء الضغط عليه.
فقد كتبت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوك إليه، قائلة إن حزبها مستعد للعمل معه لخفض فاتورة الرعاية الاجتماعية، لكنها دعته في الوقت نفسه إلى استبعاد زيادة الضرائب ودعم التنقيب الجديد عن النفط والغاز.
واتهمت بادينوك بيرنام بأنه يدخل منصبه من دون خطة واضحة للقضايا التي تواجه البلاد، وبأنه لم يخضع بما يكفي لأسئلة النواب أو التدقيق الإعلامي الجاد.
ويعكس هذا الهجوم طبيعة المرحلة المقبلة: بيرنام سيحاول تقديم نفسه كرئيس وزراء جديد بأولويات مختلفة، بينما ستسعى المعارضة إلى تصويره كزعيم وصل إلى الحكم من دون تفويض انتخابي مباشر أو برنامج مفصل.
أسبوع أول محمّل بالاختبارات
يدخل بيرنام رئاسة الحكومة وهو يحمل وعودًا كبيرة: تخفيف غلاء المعيشة، استعادة الثقة في السياسة، نقل السلطة إلى المناطق، وإصلاح الخدمات الأساسية.
لكن هذه الوعود ستصطدم سريعًا بأسئلة عملية: من أين سيأتي المال؟ هل ستزيد الضرائب؟ كيف ستنخفض فواتير الطاقة؟ وهل يمكن إصلاح الرعاية الاجتماعية من دون تحميل الأسر أو الخزانة أعباء جديدة؟
ولهذا لن يكون اختبار بيرنام الأول في بلاغة خطابه أمام داونينغ ستريت، بل في قدرته على تحويل عبارة “مساحة للتنفس” إلى سياسات يشعر بها الناس في فواتيرهم ورواتبهم وخدماتهم اليومية.
المصدر: ستاندرد
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇