هل أسعار الكهرباء في بريطانيا مرتبطة بالغاز؟ وماذا يعني ذلك؟
في الوقت الذي تواصل فيه بريطانيا سباقها نحو التوسع في الطاقة المتجددة، يبرز تساؤل ملح يتردد في أروقة السياسة البريطانية وعلى طاولات العائلات: لماذا لا تزال فواتير الكهرباء في بريطانيا من بين الأغلى في العالم، رغم الاعتماد المتزايد على طاقة الرياح والشمس؟
الحقيقة التي تكشفها أزمة الطاقة الحالية ليست مجرد نقص في الإمدادات، بل هي أزمة “ارتباط بنيوي”؛ حيث لا تزال أسعار الكهرباء في بريطانيا مقيدة بأسعار الغاز العالمية. فمنذ تفجر الأزمة الناجمة عن الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران وتأثيرها على شحنات الغاز المنقولة بحرًا من الخليج، تضاعفت أسعار الجملة، ما انعكس فورًا على التكاليف التي يتحملها المستهلك البريطاني. في هذا التقرير، نكشف كيف أصبح الغاز “المتحكم” في فاتورة الكهرباء، وما الخطة الحكومية الرامية لكسر هذا الارتباط “المكلف”.
اللغز: لماذا تتحكم محطات الغاز في سعر الكهرباء؟

يكمن جوهر المشكلة في آلية تسمى “التسعير الهامشي”. في سوق الكهرباء البريطاني، لا يُحدَّد السعر بناءً على متوسط تكلفة إنتاج الكهرباء، بل بناءً على “المصدر الأغلى” الذي يُستدعى لتلبية الطلب.
ولتوضيح الصورة، يمكن تشبيه نظام الطاقة بـ “ركلات الترجيح”؛ حيث يميل النظام لاختيار الطاقة المتجددة منخفضة التكلفة أولًا. ولكن في لحظات ذروة الطلب، “يتقدم الغاز لتنفيذ الركلة”، وسعره هو الذي يحدد النتيجة النهائية للفاتورة.
ولعل الأرقام صادمة؛ ففي عام 2023، كان الغاز هو المحدد لسعر الكهرباء في 98 المئة من الوقت، وهي نسبة هي الأعلى في أوروبا، مقارنة بـ 40 في المئة كمتوسط في دول الاتحاد الأوروبي الأخرى التي تعتمد على مزيج طاقة أكثر تنوعًا (مثل الطاقة النووية في فرنسا أو المتجددة بالكامل في إسبانيا).
بريطانيا والغار: اعتماد كلّي
لا يقتصر تأثير الغاز على توليد الكهرباء فحسب، بل هو العمود الفقري للاقتصاد البريطاني؛ إذ يمثل ثلث الطاقة الأولية، ويعتمد عليه 85 في المئة من المنازل للتدفئة والماء الساخن عبر 23 مليون غلاية غاز. وعلى الرغم من أن 80 في المئة من الغاز يأتي من بحر الشمال والنرويج، إلا أن “سوق السعر الموحد” يعني أن أي اضطراب عالمي يرفع التكاليف محليًّا.
أمام هذا التحدي، تحركت الخزانة البريطانية بمجموعة من الإجراءات لفك الارتباط بين الغاز والكهرباء:
1. عقود السعر الثابت: تسعى الحكومة لدفع مشاريع الطاقة المتجددة القديمة (التي تعمل بنظام دعم قديم) للتحول إلى عقود “سعر ثابت” بدلًا من تقلبات السوق. وهذا يشمل 30 في المئة من إجمالي قدرة التوليد.
2. ضريبة الأرباح الاستثنائية: قررت وزيرة الخزانة، راشيل ريفز، رفع الضريبة على الأرباح الفائضة لمنتجي الكهرباء من 45 في المئة إلى 55 في المئة، مع وعود بتخصيص العوائد لدعم الأسر المتعثرة.
3. الاحتياطي الاستراتيجي: يطرح خبراء -مثل كريس هايز من مركز (Common Wealth)- فكرة وضع محطات الغاز في “احتياطي استراتيجي” لا تعمل إلا عند الضرورة القصوى، ما يمنعها من التأثير على أسعار السوق اليومية.
ماذا يعني هذا بالنسبة لـ “جيب” المواطن؟

الإجابة المباشرة قد تكون محبطة للمستهلكين؛ فالتوقعات تشير إلى ارتفاع سقف فواتير الطاقة المنزلية إلى نحو 1,836.84 باوند سنويًّا. الإجراءات الحكومية الحالية -رغم أهميتها- تعتبر خطوات طويلة المدى، ولن يلمس المواطن أثرها في المدى القريب.
كما تتسم الحكومة بالحذر في إبرام صفقات العقود الثابتة في ظل الأسعار المرتفعة حاليًّا، خشية توريط البلاد في تكاليف باهظة لسنوات.
وبينما تستغرق الحلول الهيكلية سنوات لتؤتي ثمارها، تتجه الحكومة نحو “لامركزية الطاقة”، عبر تسهيل تركيب شواحن السيارات الكهربائية والألواح الشمسية المنزلية. ومن المقرر أن يُسمح هذا الصيف بتركيب “قنوات أرضية” لتمرير كابلات الشحن خارج المنازل دون تصاريح تخطيط، لتشجيع التحول نحو الكهرباء الرخيصة وتخفيف العبء عن الشبكة الوطنية.
لا تزال بريطانيا تدفع ثمن اعتمادها الطويل على الغاز كلاعب رئيسي في نظام الكهرباء. وبينما توفر الطاقة المتجددة أملًا في التحرر من هذا الارتباط، فإن الطريق لا يزال طويلًا حتى نهاية العقد الحالي، حيث سيبقى المواطن البريطاني في انتظار حلول أكثر فاعلية لتقليص فواتيره.
المصدر: الغارديان
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇