نداء الفجر الأول: رمضان الذي غيّر وجه التاريخ
مع إشراقة شمس هذا اليوم الأول من رمضان، يتنفس العالم الإسلامي صعداء الارتياح، وكأنَّ أرواحنا كانت في حبس طوال عامٍ كامل، وجاء هذا الشهر ليفك قيدها. أقبل رمضان، الشهر الذي اختاره الله ليكون وعاءً لأعظم معجزة عرفتها البشرية. إنه القرآن، الذي أنزله الله ليكون هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان.
ها نحن نقف اليوم على أعتاب ميقات الأرواح، حيث تشرع أبواب الجنان، وتوصد أبواب الجحيم، وتصفد شياطين الإنس والجن أمام إرادة المؤمن الصائم.
إن رمضان ليس مجرد طقوسٍ تعبدية تُؤدى بآلية جامدة، بل هو ثورة بيضاء يخوضها المسلم ضد نفسه، وضد أهوائه، وضد شحّ نفسه. هو فرصة العمر التي تتجدد كل عام لنعيد صياغة إنسانيتنا التي خدشتها صراعات الحياة المادية. فليس الصوم انقطاعاً عن المباحات من طعام وشراب فحسب، بل هو معراج روحي نحلق فيه فوق سفاسف الأمور، لنرتب أولوياتنا من جديد، ونبني جسراً متيناً مع الخالق سبحانه، نرجو فيه أن يوفقنا لصيامٍ يزكي النفوس، وقيامٍ تُرفع به الدرجات، وأن يكتب لنا من الخير أوفره، ومن السعادة أصفاها.
وفي غمرة هذا الصمت المهيب الذي يلف المدن الإسلامية في نهار صومها الأول، تبرز صورة الوفاء كأسمى معاني هذا الشهر. إننا ونحن نتحلق اليوم حول موائد الإفطار للمرة الأولى في هذا العام، لا يمكننا أن نتجاهل تلك المقاعد الخالية. لقد كان لنا في مثل هذا الشهر من العام الماضي أحبابٌ وأصحاب، آباء وأمهات، إخوة وخلان، ملؤوا مجالسنا بهجة ودعاءً، واليوم هم في ضيافة ربٍّ كريم تحت التراب. فليكن رمضاننا هذا وفاءً لذكراهم؛ فاللهم اغفر لهم وارحمهم، وتجاوز عنهم، واجعل قبورهم روضة من رياض الجنة، وآنِس وحشتهم ببرد عفوك، واجمعنا بهم في مستقر رحمتك يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. إن وفاءنا لمن رحلوا هو العهد بأن تظل ذكراهم حاضرة في دعوات السحر، وفي كل سجدة نرجو فيها القبول.
بيد أن هذا الصمت الروحي يقطعه أنينٌ قادم من بعيد، لكنه يسكن في سويداء القلب. يأتي رمضان هذا العام وفي الحلق غصة، وفي العين دمعة لا تكاد تجف، ونحن نرقب جراح الأمة النازفة في “غزة” الأبية وفي “فلسطين” المرابطة. إن رمضان في غزة ليس كأي رمضان؛ هناك، حيث الصيام لا يقتصر على نهار الشهر، بل هو صيامٌ عن الخنوع منذ عقود، وإفطارٌ على موائد الشهادة والكرامة. هناك حيث يمتزج عبق البخور برائحة التضحية، وصوت التراويح بأنين الثكالى وصمود الأبطال.
يا رب.. في هذا اليوم الأول من شهرك الفضيل، نرفع أكفنا ضارعين: اللهم اكتب النصر والتمكين لأهلنا في غزة وفلسطين، وفي كل بقعة يُظلم فيها إنسان. اللهم إنهم عراة فاكسُهم، وجياع فأطعمهم، ومظلومون فانتصر لهم. اللهم كن لهم عوناً وناصراً، وأيدهم بجندٍ من عندك لا يراهم البشر، واربط على قلوب الأمهات الصابرات، واجبر كسر الآباء المرابطين، وسدد رميهم، واجعل من جوعهم قوة ترهب بها عدوهم، ومن عطشهم رياً من حياض نصرك القريب الذي وعدت به عبادك الصالحين.
إن قلوب مسلمي العالم اليوم تتجه ببوصلتها نحو الأقصى، تسألك يا الله أن تمكر بمن يمكر بـأمتنا، وأن ترد كيد المعتدين في نحورهم، وأن تجعل هذا الشهر شهر فتحٍ مبين، تنكشف فيه الغمة عن المستضعفين في كل مكان.
إننا في هذا الشهر المبارك، مطالبون -بوصفنا أمة إسلامية- بأن نعي أن قوتنا في وحدتنا. يا رب، احفظ بلاد المسلمين قاطبة من كيد الكائدين وعبث العابثين. اجمع كلمة أبناء هذه الأمة على الحق والهدى، وألِّف بين قلوبهم كما ألفت بين المهاجرين والأنصار. فما أحوجنا اليوم إلى وحدة القلوب قبل وحدة الصفوف، وما أحوجنا أن يكون رمضان نقطة الانطلاق نحو استعادة الكرامة المسلوبة والسيادة الضائعة. إن رمضان يعلمنا أن الجوع الواحد، والقبلة الواحدة، والإله الواحد، كلها ثوابت تجعلنا جسداً واحداً إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
يا رب.. إن لك عباداً في مشارق الأرض ومغاربها ينتظرون فرجاً قريباً فبشرهم، ومرضى يئنّون تحت وطأة الألم يرجون شفاءً فعافهم، ومكروبين ضاقت عليهم الدنيا بما رحبت يلوذون برحمتك فارحمهم، وشباباً يرجون منك توفيقاً وتحقيقاً لأمانيّهم في سجدات السحر فلا تخذلهم.
إن رمضان هو شهر الإجابة، وشهر التغيير الكبير، فإذا لم تتحرك كوامن الخير في أرواحنا في حضرة القرآن، فمتى تتحرك؟ وإذا لم ننتصر على أنفسنا وشحّنا وأهوائنا في هذا الشهر، فكيف ننتظر النصر لأمتنا في ساحات الحياة؟
إن الصوم الحقيقي هو الذي يورث التقوى في السلوك، لا في الأقوال فقط. التقوى التي تجعل المسلم يشعر بآلام أخيه المسلم في أقاصي الأرض، والتقوى التي تجعلنا أكثر إخلاصاً في أعمالنا، وأكثر رحمة في تعاملاتنا. إنها مدرسة تربوية مكثفة تستمر ثلاثين يوماً، ونخرج منها بشهادة “التقوى” التي هي زاد الطريق نحو النهضة والتمكين. نحن لا نصوم لنشعر بالجوع فحسب، بل نصوم لنشعر بقيمة النعمة، وبواجبنا تجاه من حُرموا منها قسراً وظلماً.
ختاماً ونحن نخطو أولى خطواتنا في هذا الشهر العظيم، نقدم أسمى عبارات التهنئة والتحية لكل مسلم ومسلمة في أصقاع الأرض. تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام وصالح الأعمال، وأعاده الله علينا وعلى أمتنا بتحرير المقدسات، وانجبار القلوب المنكسرة، وبأن يعمّ السلام والعدل ربوع بلادنا العربية والإسلامية. اللهم اجعلنا ممن صام الشهر، واستكمل الأجر، وأدرك ليلة القدر، وفاز بجنات النعيم.
مبارك عليكم الشهر الكريم، وكل عام وأنتم، وأمتنا العزيزة، بخير وعافية وعز وسؤدد.
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇
آخر فيديوهات القناة
Error 403: The request cannot be completed because you have exceeded your quota..
Domain code: youtube.quota
Reason code: quotaExceeded
Error: No videos found.
Make sure this is a valid channel ID and that the channel has videos available on youtube.com.



