العرب في بريطانيا | عيد الفطر: فرحٌ يليق بنا… وقلبٌ يتسع لغيرنا

1447 شوال 7 | 26 مارس 2026

عيد الفطر: فرحٌ يليق بنا… وقلبٌ يتسع لغيرنا

عيد الفطر
خلود العيط March 20, 2026
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
AI Voice Generated by Moknah.io

يأتي عيد الفطر كنسمة رحمة بعد شهرٍ كامل من الصيام، كجائزة ربانية لمن صبر وجاهد نفسه، وكأن الله يقول لعباده: “قد بلغتم، فافرحوا”. لكن هذا الفرح، في زمننا، لم يَعُد بسيطًا كما كان؛ بل صار ممتزجًا بشعورٍ آخر… شعورٍ بالمسؤولية.

رمضان ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو تمرين عميق على الإحساس. حين يجوع الإنسان باختياره، يبدأ لأول مرة في فهم جوع غيره القسري. حين يعطش، يدرك أن هناك من لا يجد الماء، لا عند الإفطار ولا عند السحور. وحين يترك شهواته، يتعلم أن يضبط نفسه، وأن ينظر إلى الحياة بعيونٍ أكثر رحمةً ووعيًا.

وربما كان أعظم ما يتركه رمضان فينا، أنه يعيد ترتيب أولوياتنا؛ فنكتشف أن ما كنا نظنه ضروريًّا يمكن الاستغناء عنه، وأن ما أهملناه من قيم إنسانية هو الأجدر بالاهتمام. نتعلم الصبر، ونُدرّب قلوبنا على الامتنان، ونفهم أن العطاء لا ينقص، بل يزيد.

فهل جعلنا رمضان أكثر تعاطفًا مع إخواننا؟

مع من يعيشون تحت القصف، أو تحت الحصار، أو في ظل الجوع والخوف؟
في غزة، في السودان، في لبنان، وفي بقاعٍ كثيرة من هذا العالم… هناك من سيستقبل العيد بدموعٍ لا بضحكات، وبفقدٍ لا باجتماع، وبصبرٍ لا يعرف متى ينتهي.

وهنا يبدأ السؤال الذي يطرق القلب: هل نفرح بالعيد أم نشعر بالذنب؟

الحقيقة أن العيد ليس ترفًا، ولا خيانةً لمشاعر الآخرين. العيد عبادة، والفرح فيه سُنّة. هو تتويجٌ لصبر ثلاثين يومًا، وهو فرحةٌ مشروعة، بل مطلوبة. الأطفال ينتظرونه بلهفة، يلبسون الجديد، يركضون في الشوارع بضحكاتٍ بريئة، والعائلات تجتمع حول مائدة واحدة، تتصافح القلوب قبل الأيدي، وتُنسى الخلافات، ويُعاد وصل ما انقطع.

وفي هذه التفاصيل الصغيرة تكمن روح العيد: في قبلة على جبين أم، في زيارة تُحيي رحمًا، في ضحكة طفلٍ لا تعرف الحزن. هي لحظات بسيطة، لكنها تعيد للإنسان توازنه، وتمنحه طاقةً للاستمرار رغم كل ما يحيط به من صعوبات.

لكن… الفرح الحقيقي لا يكون أنانيًّا.

ليس المطلوب أن نكتم الفرح، بل أن نُهذّبه. أن نُبقي في قلوبنا مساحةً للآخرين. أن نفرح، نعم، لكن بقلوب واعية، تدعو، وتتصدق، وتذكر، ولا تنسى. أن نُعلّم أبناءنا أن العيد ليس فقط ملابس جديدة وحلوى، بل هو أيضًا يدٌ تُمدّ، ودمعةٌ تُمسح، وقلبٌ يشعر.

ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه في هذا اليوم، أن نجعل من فرحتنا وسيلةً لإسعاد غيرنا؛ أن نُدخل السرور على قلب يتيم، أو نشارك طعامنا مع محتاج، أو نكون سببًا في ابتسامةٍ صغيرة تغيّر يوم إنسان.

يقول النبي ﷺ: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.
وهذا الحديث لا يدع لنا مجالًا للحياد؛ فإما أن نشعر، أو نكون قد فقدنا جزءًا من إنسانيتنا.

ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول هذا الشعور إلى عبءٍ يقتل فرحتنا، بل إلى دافع يوجّهها. فالفرح الذي يولّد العطاء هو فرحٌ ناضج، والسرور الذي يُثمر رحمة هو سرورٌ صادق.

العيد فرصةٌ لنراجع أنفسنا: هل خرجنا من رمضان كما دخلناه؟ أم أننا تعلمنا أن نكون أكثر قربًا من الله، وأكثر لينًا مع الناس، وأكثر إحساسًا بآلامهم؟

العيد أيضًا فرصةٌ لنحوّل التعاطف إلى عمل: بصدقة تصل إلى محتاج، بكلمة طيبة تواسي مكلومًا، بدعاء صادق في ظهر الغيب، أو حتى بنية صادقة أن نكون جزءًا من الخير، مهما كان بسيطًا.

وما أجمل أن يتحول هذا الإحساس من لحظة موسمية إلى سلوك دائم؛ فلا يكون رمضان محطة عابرة، بل بداية طريق. طريقٌ نُبقي فيه قلوبنا يقظة، لا تغفل عن ألم، ولا تتجاهل حاجة، ولا تبرر اللامبالاة.

ويُروى في الحكمة أن العصا الواحدة قد تنكسر بسهولة، لكن إن اجتمعت العِصيّ، اشتدّت وقويت. وهذا المعنى يتقاطع مع قول النبي ﷺ عن وحدة الصف، وأن قوة الأمة في تماسكها، لا في تفرّقها. فحين نشعر ببعضنا، ونتكاتف، ونتضامن، نصبح أصلب في مواجهة الظلم، وأقرب إلى تحقيق العدالة.

وهنا تتجلى رسالة العيد الحقيقية: ليس فقط أن نفرح، بل أن نتذكّر أننا أمةٌ واحدة، يجمعها الإيمان، ويقوّيها التضامن، وتحميها الرحمة. فإذا ضعُف أحدنا، كان على الآخرين أن يسندوه، وإذا تألم جزءٌ منا، وجب أن تتحرك بقية الأجزاء.

لذلك، العيد ليس مجرد نهاية رمضان، بل بداية امتحانٍ جديد: كيف سنحافظ على ما تعلمناه؟ كيف سنبقي قلوبنا حيّة؟ كيف سنوازن بين فرحتنا وواجبنا تجاه غيرنا؟

فلنفرح بالعيد… ولكن بقلوبٍ أكبر.
قلوبٍ تعرف أن الفرح لا يكتمل إلا إذا شمل غيرنا، وأن الضحكة الأجمل هي التي لا تُنسينا دمعة الآخرين، وأن البركة في المشاركة، لا في الاكتفاء.

لنلبس الجديد، لكن لا ننسى من لا يملك.
لنضحك، لكن لا نُسكت صوت الدعاء.
لنحتفل، لكن لا نُغلق أبواب الرحمة في قلوبنا.

نسأل الله أن يأتي رمضان القادم وقد تبدّلت الأحوال إلى الأفضل، وانفرجت الكروب، واجتمعت القلوب، وتوحدت الأمة الإسلامية على الخير.

عيدٌ مبارك… بفرحٍ لا ينسى، وقلبٍ لا يغفل.


اقرأ أيضًا:

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا