أغلقوا الأقصى.. وفتحوا جراحنا
حزن يعتصر القلوب…
كيف بلغ بنا الحال إلى ما نحن عليه؟
أيعقل أن تُغلق أولى القبلتين، وثالث الحرمين، ومسرى الحبيب المصطفى (نبيّنا محمّد) صلّى الله عليه وسلم، وفي أعظم مواسم العبادة؟ أيُعقل أن نستقبل العيد، وأبوابه موصدة، وصوته مخنوق؟
نستيقظ كل يومٍ على وجعٍ أشدّ من الذي قبله، ثم نمضي في حياتنا وكأن شيئًا لم يكن، كأنّ الحزن لم يعد شعورًا عابرًا فكل خبرٍ يأتي محمّلًا بالوجع، وكل صورةٍ تختصر ألف حكاية من الصبر والثبات، لكنها في _الوقت ذاته_ تكشف هشاشة هذا العالم، وازدواجيّة معاييره.
فنقف عاجزين، لا نملك إلا الدعاء، وكأنّنا مكسورين، ولا نتقن إلّا العجز والصمت!
كيف لنا أن ننام؟
كيف نواصل تفاصيل يومنا وكأنّ أرواحنا ليست مثقّلة؟
كيف نستوعب هذا الثّقل الّذي يسكن صدورنا ويستوطن فيها كغريبٍ لا يرحل؟
ما أقسى أن ترى الحق واضحًا، ومع ذلك يُترك وحيدًا!
وما أثقل أن يمتلئ القلب بالغضب، بينما في الجهة الأخرى اليد مكبّلة، والصّوت يرتدّ إلى داخله دون أن يسمعه أحد.
منذ نعومة أظفاري، وأنا أحلم أن أصلّي فيه محررًا… أن أركض في ساحاته بحرية دون قيود، أن تطأ قدماي أرضه وأنا أشعر بالعزة لا بالقهر، وبالسكينة لا بالقلق.
فكيف لي اليوم أن أحتمل هذا الوجع وشدّته؟
كيف يمكن لهذا الحلم البسيط الذي كنت أحمله في مخيلتي منذ صغري أن يتحول إلى وجعٍ أصعب، وثقل مزعجٍ جدًا يرافقني؟
ثمّ كيف لنا أن نسامح، أو حتى أن نفكر بأن نصالح؟
كيف لنا، وقد أذاقنا هذا المحتل كل ألوان العذاب والذل والهوان؟ كيف لنا، بالله كيف؟!
إنها ليست مجرد كلمات تُقال، إنها غصّةٌ تسكن الحناجر، ودمعةٌ تحرق العيون، ووجعٌ يُثقل الروح.
المسجد الأقصى ليس مكانًا عاديًا، هو رمز الصمود، وأثر الأنبياء، ومحراب التاريخ الذي يشهد على تقصيرنا.
كان ينتظرنا لفتحه وتحريره.. لا لنشهد إغلاقه، ونحن مكتوفي الأيدي!
كيف يمكن للقلب أن يهدأ وهو يرى أبواب الأقصى مُغلقةً، وأصوات التكبير ممنوعةً، وخطوات المصلين مختفيةً؟
ثمّ كيف يمكن للإنسان أن يتعايش مع فكرة أن مكانًا باركه الله، وارتبط بأعظم معجزات نبيّه، يُعامل وكأنه شيء يمكن عزله أو إسكاته؟
إن الألم الحقيقي ليس فقط في ما يحدث هناك، بل في ما يحدث داخلنا نحن… في هذا العجز الذي نكابده، وفي هذا التناقض بين ما نشعر به وما نفعله.
نشعر وكأننا نحمل في صدورنا حريقًا صامتًا، لا يطفئه كلام، ولا تهدّئه مسافة.
نتابع، نحزن، ندعو، ثم نعود إلى حياتنا… وكأننا نحاول إقناع أنفسنا أن ذلك يكفي، رغم أن أرواحنا تعرف أنه لا يكفي.
الأقصى ليس بعيدًا عنا كما نظن؛ إنه يسكن فينا، في دعائنا، في ذاكرتنا.
مايحدث له هو اختبارٌ لانسانيتنا ومرآةٌ تعكس حال أمتنا، وكلما اشتدّ الألم، ازداد يقيننا أن هذا الوجع ليس ضعفًا، بل علامة حياة… أن القلب الذي يتألم ما زال حيًا وما زال يرى، وما زال يرفض أن يعتاد المأساة.
ربما لا نملك تغيير الواقع كما نتمنى، لكننا نملك ألّا نفقد الإحساس، ألّا نُطبع مع الألم ولا تتعايش معه، ألّا يصبح الحزن عابرًا. نملك أن نبقي القضية حيّة في وعينا في وجداننا، في كلماتنا، في دعائنا، وفي تربيتنا لأبنائنا؛ فالقضية التي تُنسى تموت، أما التي تُحمل في القلوب، فتبقى تنتظر الفرج.
يا أقصى، لستَ وحدك، وإن بدا الواقع مختلف… في القلوب لك مكان، وفي الأرواح لك دعاء لا ينقطع. سنبقى نحمل وجعك فينا، لا لنعتاد عليه، بل لنظل نرفضه، ونؤمن أن خلف هذا الليل فجرًا لا بدّ أن يأتي.
وإلى ذلك الحين، سيبقى الأقصى فينا نبضًا لا يخفت، ووجعًا لايكن ألمه، وجرحًا لا يلتئم إلا بفرجٍ من الله… وسيبقى هذا الحزن، رغم قسوته، شاهدًا على أننا ما زلنا أمة تشعر، أمة لم تفقد إنسانيتها، أمة مادام فيها الألم ففيها حياة، ومادام فيها إيمان ففيها يقين، أنّ للحقّ يومًا، وإن طال انتظاره.
اقرأ أيضًا:
- لماذا منعت وزيرة الداخلية مسيرة “يوم القدس” في لندن؟ كواليس القرار والاعتقالات الـ 12
- أصدقاء الأقصى يطلقون عريضة للضغط من أجل إعادة فتح المسجد الأقصى
- بعد قصفها لإيران.. إسرائيل تمنع الفلسطينيين من دخول الأقصى
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇
