العرب في بريطانيا | حين تصبح الآية حياة

1447 شوال 7 | 26 مارس 2026

حين تصبح الآية حياة

آية
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
AI Voice Generated by Moknah.io

﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

آيةٌ كريمة من القرآن، تحمل في طياتها رسالةً شخصية تصل إلى القلب في أكثر أوقاته احتياجاً.

في مساءٍ مثقّلٍ بالأسئلة، جلسَ وحيداً عند النّافذة، يراقبُ انكسار الضّوء على زجاجٍ بارد، كأنّ النّهار لم يرحل تماماً، وكأنّ الليل لم يكتمل بعد. كانت تلك اللحظة تشبهه كثيراً؛ عالقاً بين ما كان، وما يتمنى أن يكون. لم يكن حزيناً بالمعنى الواضح، كان مُتعباً، تعباً يشبه الطريق الطويل الذي لا تظهر نهايته.

تسللت إلى قلبه فكرة قديمة، كضيفٍ لا يستأذن: لماذا يحدث كل هذا؟ لماذا تتأخر الأشياء التي نتمناها، بينما تأتي الخيبات مسرعة، بلا موعد؟ أغمض عينيه قليلاً، كأنه يحاول أن يهرب من ضجيج داخلي لا يسمعه سواه.
في تلك اللحظة، تذكّر أن هذه العبارة التي طالما مرّت عليه سريعاً، هي في أصلها آيةٌ من كتاب الله:

“واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا”.

بدت كأنها نزلت لتُقال له الآن، في هذه اللحظة تحديداً، وكأنها خيط نورٍ دقيق يمتد وسط عتمته.

فتح عينيه ببطء، ونظر إلى السماء التي بدأت تتلون بزرقة داكنة. شعر بشيء غريب يتسلل إلى داخله، شيء يشبه الطمأنينة، لكنه لم يكن مكتملاً بعد. كأن قلبه، الذي أنهكته الأسئلة، وجد أخيراً معنى لا يحتاج إلى تفسير.

“بأعيننا”… كم تبدو هذه الكلمة بسيطة، وكم تحمل في داخلها من دفء. أن تكون مرئياً، محفوظاً، معلوماً بكل تفاصيلك الصغيرة والكبيرة، هذا وحده كفيل بأن يخفف عنك نصف ما تشعر به. لم يعد وحده كما كان يظن، ولم تكن حياته تسير بلا معنى كما تخيل في لحظات ضعفه.

تذكر أياماً مضت، حين ظن أن كل الأبواب أُغلقت في وجهه، وكيف انفتحت فجأة من حيث لم يتوقع. تذكر وجوهاً رحلت، وأخرى جاءت في الوقت المناسب تماماً. تذكر دعواتٍ همس بها في عتمة الليل، ثم نسيها، لكنها لم تُنسَ في السماء.

ابتسم ابتسامة خفيفة، كأنها أول خطوة نحو تصالحٍ داخلي. ربما لم يكن عليه أن يفهم كل شيء، ربما يكفي أن يثق. فالحياة ليست دائماً واضحة، وليست عادلة بالمعايير التي نضعها، لكنها، في عمقها، ليست عبثية كما نخاف.
نهض من مكانه، واقترب من النافذة أكثر. الهواء كان بارداً، لكنه منعش، كأنه يغسل شيئاً في داخله. لم تتغير ظروفه فجأة، ولم تُحلّ مشاكله، لكن نظرته لها بدأت تتبدل. وهذا، في حد ذاته، كان بداية مختلفة.

أدرك أن الصبر ليس مجرد انتظار ثقيل، هو حالة من الثقة الهادئة؛ أن تمضي في طريقك رغم الغموض، أن تبتسم رغم القلق، أن تؤمن أن ما يحدث الآن، مهما بدا قاسياً، ليس النهاية. الصبر هو أن تعيش اللحظة بكل ما فيها، دون أن تفقد إيمانك بأن القادم يحمل معنى.

عاد إلى كرسيه، لكن جلسته هذه المرة كانت مختلفة. لم يعد يحمل نفس الثقل، ولم تعد الأسئلة تضغط عليه بنفس الحدة. كانت هناك مساحة صغيرة من السلام بدأت تتشكل في داخله، مساحة تكبر مع كل نفسٍ يأخذه بوعي.

فكر في كل مرة استعجل فيها الأمور، وكل مرة ضاق صدره من التأخير، وكل مرة ظن أن الطريق أخطأ به. وربما، فقط ربما، لم يكن الطريق خاطئاً، كان أطول قليلاً ليعلمه ما لم يكن ليتعلمه في طريقٍ أقصر.

“فإنك بأعيننا”… رددها في داخله، هذه المرة بيقينٍ مختلف. أصبحت آيةً يعيش معناها. كأنها يد خفية تربت على قلبه، وتقول له: لا تقلق، أنت في حفظ الله.

نظر إلى هاتفه، كانت هناك رسائل لم يجب عليها، وأعمال مؤجلة، وحياة تنتظره. لكنه لم يشعر بالضغط كما قبل. كان هناك توازن جديد، بين السعي والرضا، بين العمل والتسليم.

ربما لن تتغير الحياة بسهولة، وربما ستأتي أيام أخرى ثقيلة، لكن شيئاً واحداً لن يكون كما كان: طريقته في النظر. لقد تعلم أن الصبر ليس ضعفاً، إنّه قوة صامتة، وأن الثقة ليست هروباً، فهي شجاعة من نوع مختلف.

وفي عمق تلك الليلة، حيث يهدأ كل شيء، أدرك أن الطمأنينة لا تأتي من فهم كل شيء، ولكن من الإيمان بأن هناك من يفهم كل شيء. وأنه، مهما تاهت به الطرق، ومهما طال انتظاره، فهو ليس متروكاً.

مدّ يده إلى النافذة، فتحها قليلاً، ودخل نسيم خفيف حمل معه رائحة الليل. أغمض عينيه مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن هروباً، كان سكوناً.

وفي داخله، كانت الآية تتردد بهدوء، كأنها نبضٌ جديد:
‏﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾.


اقرأ أيضًا:

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا