حين تتلاقى الكرامة: من درعا إلى القدس
هناك شيء خفيّ، لا بدّ من تسليط الضّوء عليه، وهو أنّ ذكرى الثّورات هي لحظة وعيٍ إنسانيّ تتجدّد في ضمير الشّعوب، لحظة تذكّر فيها الأمم أنّ الكرامة ليست شعاراً يُرفع فحسب، ولكن جوهرٌ يُعاش، وأنّ الحرية ليست منحةً تُعطى، ولكن حقّاً يُنتزع حين يبلغ الصّمت حدَّه الأخير.
وحين تقترب ذكرى انطلاق الثّورة السّوريّة، لا يعود الأمر بالنّسبة لنا مجرّد استذكارٍ لبداية حدثٍ سياسيّ، وإنّما استحضاراً للحظةٍ فريدةٍ في التاريخ؛ لحظةٍ خرج فيها الإنسان من عتمة الخوف إلى فسحة الصوت، ومن صمتٍ فرضته عقود القهر إلى كلمةٍ قالت ببساطةٍ مذهلة: إنّ الإنسان خُلِق حرّاً.
كانت الشرارة الأولى في مدينة درعا، لكنها في حقيقتها لم تكن شرارة مدينةٍ بعينها، كانت شرارة روحٍ سكنت وطناً كاملاً. فلقد أطلنا الصّمت طويلاً وثقيلاً كان ذلك علينا، وكان الخوف قد استقرّ في النفوس حتى بدا كأنّه قدرٌ لا يُكسر. لكنّ التاريخ يعلّمنا أنّ الكرامة حين تُمسّ، فإنّها تتحوّل من شعورٍ صامت إلى قوةٍ هائلة، قوةٍ تعيد الإنسان إلى حقيقته الأولى.
الثّورات الّتي ضحّى لأجلها شعبنا، وفقد الكثير من الدّماء لن تكون بيومٍ تمرّداً عابراً على واقعٍ سياسيّ، هي عودة الإنسان إلى نفسه. إنّها لحظة يكتشف فيها البشر أنّ الصّمت الذي ظنّوه حكمةً لم يكن إلّا قيداً، وأنّ الخضوع الذي اعتادوه لم يكن إلا غياباً مؤقّتاً لروح الحرية.
ولهذا لم تكن الثّورة السورية حدثاً محلياً محصوراً في جغرافيا معيّنة، كانت صرخةً إنسانيةً تنتمي إلى المعنى الأوسع للتاريخ؛ ذلك المعنى الذي يقول إنّ الشعوب قد تُهزم في المعارك، وقد تتعثّر في الطريق، لكنّها لا تفقد حقّها ما دامت تؤمن به.
ومن هنا تتلاقى حكاية سوريا مع حكاية فلسطين.
ففلسطين، مثل سوريا، ليست مساحةً في الجغرافيا، فلسطين أكبر من ذلك بكثير، هي رمزٌ لمعنى أعمق من الأرض نفسها: معنى الكرامة التي ترفض أن تُمحى، والهوية التي ترفض أن تُختزل، والإنسان الذي يرفض أن يعيش بلا حق.
قد تختلف الظروف، وقد تتباين اللحظات التاريخية، لكنّ الروح التي تحرّك الشعوب واحدة: روحٌ تعرف أن الحرية ضرورة ليتنفّس النّاس. فالشعوب التي تعلّمت أن تقول “لا” في وجه الظلم لا تستطيع أن تعود إلى الصمت كما كانت.
ولهذا فإنّ ما يجمع سوريا وفلسطين ليس السياسة وحدها، فهناك المعنى العميق للكرامة الإنسانية. إنّه ذلك الإيمان الذي يسكن ضمير الشعوب بأنّ الأرض التي ارتوت بدم أبنائها لا يمكن أن تبقى غريبةً عنهم إلى الأبد.
قد يطول الطريق، وقد تتعقّد الأحداث، وقد تمرّ السنوات مثقلةً بالجراح، لكنّ التاريخ لا يُكتب بلحظة واحدة. إنّه نهرٌ طويل، يتغيّر مجراه أحياناً، لكنه في النهاية يعود إلى مصبّه الطبيعي.
والحقيقة التي يعرفها التاريخ جيداً هي أنّ الشعوب الثائرة لا تنسى طريقها.
قد تُجبرها الظروف على التراجع، وقد تُثقِلها الخسارات، لكنّها تبقى حاملةً لشيءٍ لا يُقهر: الإيمان بأنّ الحق لا يسقط بالتقادم، وأنّ الأرض التي سُلبت ستبقى تنادي أبناءها مهما طال الزمن.
ولهذا لم تكن الثّورة السورية مجرّد احتجاجٍ على ظلمٍ عابر، كانت إعلاناً عميقاً بأنّ الإنسان العربي ما زال يحمل في داخله معنى الكرامة القديمة؛ تلك الكرامة التي جعلت هذه الأرض عبر التاريخ مهد الحضارات ومسرحاً لنضال الإنسان من أجل حريته.
وفلسطين، وهي تمضي في طريقها المليء بالتضحيات، تسير في المعنى ذاته. فالشعب الذي يحفظ ذاكرة أرضه في أغانيه، وفي أسماء قراه، وفي حكايات جدّاته، لا يمكن أن يفقد تلك الأرض إلى الأبد.
إنّ الاحتلال قد يستطيع أن يغيّر الخرائط، لكنه لا يستطيع أن يغيّر الذاكرة.
وقد يستطيع أن يفرض واقعاً مؤقتاً بالقوة، لكنه لا يستطيع أن يمحو الإيمان العميق الذي يسكن قلوب الشعوب بأنّ العدالة، مهما تأخرت، لا بد أن تأتي.
ولذلك فإنّ ذكرى الثورة السورية لحظة تأمّلٍ في المعنى الذي بدأ يوم خرج الصوت من بين الركام. إنّها تذكيرٌ بأنّ الكرامة التي استيقظت ذات يوم لا يمكن أن تعود إلى النوم بسهولة.
كما أنّها تذكيرٌ بأنّ الطريق إلى الحرية طريقٌ مليء بالمنعطفات والتضحيات. لكنّ الشعوب التي قرّرت أن تكون حرّة لا تعود إلى الوراء، حتى وإن بدا الطريق طويلاً.
وهنا يلتقي المصيران: مصير سوريا ومصير فلسطين.
ليس لأنّهما يعيشان الظلم نفسه فحسب، بل لأنّهما يشتركان في الإيمان ذاته؛ إيمان الشعوب بأنّ الحق قد يُغتصب، لكنه لا يموت، وأنّ الأرض قد تُحتل، لكنها لا تنسى أصحابها.
إنّ التاريخ، في نهاياته العميقة، لا يقف دائماً مع الأقوى سلاحاً، بل مع الأصدق إيماناً بحقّه. ولهذا بقيت شعوب كثيرة في ذاكرة العالم لأنها دافعت عن كرامتها، لا لأنها امتلكت القوة وحدها.
فالشعوب التي تثور من أجل كرامتها لا تنطفئ روحها بسهولة، لأنها لا تقاتل من أجل مكسبٍ عابر، بل من أجل معنى وجودها نفسه.
ومن هنا يمكن فهم سرّ هذا الإصرار العجيب الذي يسكن الشعوب المقهورة: إنّه الإيمان بأنّ الأرض ذاكرة وهوية وامتداد للروح.
وحين تؤمن الشعوب بذلك، فإنّها تعرف يقيناً أنّ الزمن، مهما طال، لا يستطيع أن يقطع الصلة بينها وبين أرضها.
لهذا، وفي ذكرى اقتراب الثورة السورية، قدّمت الشّعوب وعداً تقول فيه: إنّ الطريق قد يطول، لكنّه لا يضيع.
فالأرض التي خرجت منها أول صرخة للحرية ستظل تنادي أبناءها، والحق الذي نطق به الصوت أول مرة لن يعود إلى الصمت.
وهكذا تمضي الحكاية، من درعا إلى القدس، حكاية شعوبٍ تعلّمت درس التاريخ الأكبر:
أنّ الكرامة قد تتعب، لكنها لا تموت…
وأنّ الأرض التي سُلبت يوماً ستعود، لأنّ الشعوب التي تؤمن بحقها لا تحيد عنه، ولا تتخلى عنه، مهما طال الزمن.
الرابط المختصر هنا ⬇