العرب في بريطانيا | تعلمت من "الجن"

1447 شوال 26 | 14 أبريل 2026

تعلمت من “الجن”

تعلمت من "الجن"
عادل يوسف April 14, 2026
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
AI Voice Generated by Moknah.io

قال تعالى: (وأنّا لا ندري أشَرٌّ أُريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رَشَدا)

روى الإمام الترمذي أن ابن عباس قال: كان للشياطين مقاعد في السماء يسمعون فيها الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعاً، فأما الكلمة فتكون حقاً، وأما ما زادوا فتكون باطلاً، فلما بُعث رسول الله مُنعوا مقاعدهم.

فلما حيل بين النفر من الجن وبين خبر السماء، تساءلوا فيما بينهم متعجبين عن سبب ذلك المنع، فأخذوا يبحثون عن السبب، فقال بعضهم: أهو إيذان بعذاب يحُلّ على بني البشر، أم هو خير سيأتيهم من ربهم؟!

ما يهمني من تلكم الحادثة، هو التقاطةُ أحد أهل الفضل والعلم، بأن الجن حتى وهم في حيرةٍ من أمرهم ما فاتهم الأدب في العبارة، فقد قرنوا الخير بالله (أم أراد بهم ربهم رَشَدا)، والشر أضافوه لغير العاقل (أشَرٌّ أريد بمن في الأرض).

قلت: والأدب مع الله سبحانه يقتضي بالضرورة الأدب مع مخلوقيه؛ إذ لا يستقيم تأدية حق الخالق ونسيان حق المخلوق؛ فالعلاقة تناسبها طردي، كلما وقَر تعظيم المولى في القلب، أفرز تأدباً ورحمةً وإنصافاً مع العبيد، والعكس بالعكس.

ومما حملني على مقالتي، هو أنّي مررت ببصري أثناء تجوالي في مواقع التواصل الاجتماعي، على قصةٍ لعجوز في الثمانين من عمرها، يقول راويها -بتصرف-: بينما نحن جلوس عندها في ليلة سمر، نُداعب الوقت بحكايات جارتنا (الحاجة آمال)، ذكرت لنا من بين ما ذكرت قصة وقعت لها عندما كانت في المدرسة الابتدائية.

قالت: في يوم من الأيام نادى المعلم على اسمي فأجبت، لكن اتضح أنه أراد فتاةً أخرى تحمل الاسم ذاته، فرد عليها: (مش إنتي… قصدي آمال الحلوة).

تكمل العجوز: بكيت بكاءً مريراً في تلك الليلة ولم أستطع النوم… إلخ.

وإن تعجب من قبيح فعل الأستاذ، فعجبي كان من راوي القصة، إذ أردف في النهاية: ما أثار اندهاشي تأثر الحاجة آمال وهي تحكيها لنا، كأنها وقعت بالأمس القريب!

جراحات السِّنان لها التئام

ولا يلتام ما جرح اللسان

قلت: صدق من لا ينطق عن الهوى: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليقل خيراً أو ليصمت).

ومن المعلوم المشاهَد أن الجِراحات الغائرة في الأفئدة، ليست الألسنة سببها الوحيد، فقد تكون الأقوال والأفعال والتصرفات سبباً لها، حتى اللامبالاة بالآخر آحياناً، كما عبّر بذلك عرّاب وشاعر الجرح الفلسطيني محمود درويش، لمّا اكتشف بغتةً أن عشيقته ريتا تعمل لمصلحة الموساد الإسرائيلي: “ربما لم يكن شيئاً مهماً بالنسبة لكِ يا ريتا، لكنه كان قلبي”.

يُخادعني العدو فلا أبالي

وأبكي حين يخدعني الصديق

ومن الأمور التي يجدُر الوقوف عندها، أن بعض الآباء وكبار السن والعاملين في حقول التربية، تجد أنهم لا يُسألون عما يفعلون وغيرهم يُسأل. يُطلقون الأحكام والتكهنات جُزافاً من غير حسيبٍ ولا رقيب، وأنت أيها (الطالب/الابن) عليك بتطويع الأحرف ولَيِّ أعناق النصوص حتى تخدم المصلحة العامة، فهم أدرى بها وكأن عندهم خبرًا من السماء، بل الويل والثبور لك إن اعترضت يوماً، وأخذت تسأل عن المعيار، أو لماذا هذا الأمر وليس ذاك؟!

البعض منهم مُصاب بتخمة دُوغمائية -حالة من الشلل المعرفي- بحيث يتمسّك الفرد بأفكاره ولا يقبل الرجوع عنها ولا مساءلتها.

الدوغمائي البليد يُنصت إليك لا ليعيد التفكير، بل لُيثبت أنه على صواب، يظنه ثباتاً على الحق وما درى أنه ضعف في المرونة.

شعارهم: (ما أُريكم إلا ما أرى)، أصواتهم في الانتخابات لا تكون إلّا من نصيب حزب (إنّا وجدنا آباءنا على أمّة وإنّا على آثارهم مقتدون).

قلت: إذا تدبّرت يوماً أعين من حولك من الأبناء، وحاولت اجترار ما تُكنّه صُدورهم، وجدت ضحكات قد أُتلفت، وآمالًا طُمِست، وأمنيات أُجهضت بعد نفخ الروح فيها، أدركت أن الأباء والمربين وكبار السن، منهم الصالحون ومنهم دون ذلك.

هذا وقد أجمع عقلاء كل أمة أن الكلمات الطيبة والأفعال الحسنة، جواز مرور دبلوماسي إلى قلوب الناس، شعور المواقف هو الذي يبقى بعد أن يذهب زبد الأيام؛ فالناس قد لا يتذكرون ما قلت لهم أو ما فعلت لأجلهم، لكنهم أبداً لن ينسوا ما جعلتهم يشعرون به.


 

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة

اترك تعليقا