افرح بالعيد كما أمرك الله… واستنغِصْه لغزّة بالدعوات
يأتي العيدُ كلَّ عامٍ محمّلاً بثنائيةٍ شعوريةٍ تُربك القلب: فرحٌ مشروعٌ أُمرنا به، وحزنٌ مقيمٌ لا يغادرنا ونحن نُبصر آلام إخواننا في بقاعٍ شتّى، وعلى رأسها غزّة.
وبين هذين النقيضين، يقف الإنسان في مساءلةٍ داخلية: كيف أُقبِل على الفرح وهناك من يئنّ؟ وكيف أستسلم للحزن وقد دُعيتُ إلى السرور؟ أأحتفل أم أواسي؟ أم أنّ الرشد كلّه في أن أرتقي بجمعهما في توازنٍ إنسانيٍّ ناضج؟
لم يُشرَّع العيد عبثاً، ولكن جُعل محطةً يتجلّى فيها الفرح بوصفه فعلَ شكرٍ، لا مجرّد انفعال. هو فرحٌ لا ينبع من فراغ، ولكن من امتلاءٍ روحيٍّ أعقب عبادة، ومن اكتمال مسيرٍ إلى الله. لذلك، لم يكن العيد في الإسلام مناسبةً اجتماعيةً فحسب، كان لحظة وعيٍ تُتوَّج فيها الطاعة بالمعنى، ويُعلن فيها القلب امتنانه للهداية. فالفرح هنا ليس نقيض التقوى، وإنما أحد تجلّياتها.
غير أنّ هذا الفرح، إن لم يُهذَّب، انقلب إلى غفلة، وإن لم يُؤطَّر بالوعي، تحوّل إلى انفصالٍ عن الواقع. وهنا تتبدّى فلسفة الإسلام في ربط الفرد بجماعة الشعور؛ فلا يعيش المؤمن لنفسه منعزلاً، ولا يُجيز له أن يفرح فرحاً يُقصيه عن آلام غيره. إنّه فرحٌ مشروطٌ بالذاكرة: أن تتذكّر وأنت تبتسم، وأن تستحضر وأنت تحتفل، وأن يبقى في قلبك متّسعٌ لغيرك.
وغزّة ليست اسماً عابراً في نشرات الأخبار، هي اختبارٌ حيٌّ لضمير العالم، وانعكاسٌ حادُّ الأطراف لإنسانيتنا. هناك، حيث يُعاد تعريف الحياة تحت وطأة الألم، وحيث يُولد الصمود من رحم الفقد، لا يكون العيد كما نعرفه. أطفالٌ كان ينبغي أن تسبقهم ضحكاتهم إلى الساحات، فإذا بخطواتهم اليوم تتقدّم بحذرٍ بين الركام. ونساءٌ كنّ يُعِدن الحلوى، فإذا بهنّ يُعِدن ترتيب الصبر في قلوبٍ مثقلة. ورجالٌ خرجوا لطلب الرزق، فوجدوا أنفسهم حرّاساً لبقايا وطن.
أمام هذا المشهد، يتأرجح الوجدان بين شعورٍ بالذنب إن فرح، وشعورٍ بالعجز إن حزن. لكنّ الإسلام لا يختزل الإنسان في أحد الشعورين، بل يدعوه إلى حسن إدارتهما معاً. فالفرح طاعةٌ إذا وُضع في موضعه، والحزن رحمةٌ إذا لم ينقلب يأساً، والجمع بينهما وعيٌ يتجاوز السطح إلى الجوهر.
افرح بالعيد، نعم… البس الجديد، وصِلْ رحمك، وانثر البِشر في وجوه الناس، وامنح الأطفال ذاكرةً جميلة؛ فهذه ليست كماليات، ولكن ملامح دينٍ يريد للإنسان أن يكون حيّاً في فرحه كما هو حيٌّ في إيمانه. لكن، وفي قلب هذا الفرح، لا تدع غزّة تغيب؛ اجعلها حاضرةً في دعائك، في حديثك، وفي ذلك الحزن الشفيف الذي لا يُفسد الفرح، وإنّما بكلّ رفقٍ يُنقّيه، وينقّيه.
إنّ “استنغاص الفرح” لغزّة إنقاذٌ له من السطحية. هو أن ترفض أن يكون سرورك أعمى، وأن تُصرّ على أن يكون وعيك يقظاً. هو إدراكٌ أنّ الفرح، إن لم يتّسع لغيرك، ضاق بك، وأنّ السعادة، إن لم تكن مشتركة، ظلّت ناقصةً مهما اكتملت أسبابها.
وحين تدعو لغزّة وأنت في ذروة الفرح، فإنك ترتقي بشعورك من مستوى الغريزة إلى أفق المعنى. الدعاء هنا ليس لفظاً يُقال، هو موقفٌ يُتّخذ؛ إعلانٌ صامتٌ بأنك لم تنسَ، ولم تتبلّد، ولم تُسلّم قلبك للنسيان. وفي هذا الزمن الّذي تتكاثر فيه أسباب الغفلة، يضحى التذكّر فعل مقاومة، ويغدو الدعاء شكلاً من أشكال الحضور الأخلاقي.
وليس الدعاء نهاية الطريق، هو بدايته. فكلّ ما يُخفّف عنهم هو امتدادٌ لهذا الوعي: صدقةٌ تُترجم الشعور، وكلمةٌ تُوقظ الغافلين، ووعيٌ يُبقي القضية حيّةً في الضمائر. فكما قد قيل: فالقضية التي تُهمَل تموت، أمّا التي تُروى وتُستحضر، فتبقى نابضةً مهما اشتدّ عليها الحصار.
وفي العيد، تتجلّى معاني التضامن بأبهى صورها. فزكاة الفطر إعادة توزيعٍ للفرح ذاته، كي لا يبقى حكراً على القادرين. وحين تعطي، فإنك لا تُنقِص ممّا لديك، ولكن تُعيد تعريف امتلاكك له. فاجعل لغزّة نصيباً من عطائك، ولو كان يسيراً؛ فإنّ القليل إذا صحبه الصدق، عَظُم أثره.
إنّ أعظم ما يبلغه الإنسان في مثل هذه اللحظات هو الاتّزان: أن يكون فرحه عبادة، وحزنه رحمة، وعمله مسؤولية. فلا يطغى شعورٌ فيُعميه، ولا يهيمن آخر فيُثقله، بل يسير بينهما بوعيٍ يُبصر المعنى ولا يُضيّعه.
افرح بالعيد كما أمرك الله، ولكن تذكّر: إنّ الفرح الحقيقي ليس ما يُنسيك، هو ما يُبقيك يقظاً. واستنغِصْه لغزّة بالدعوات، لتمنحه عمقاً يليق بإنسانيتك.
في النهاية، العيد ليس ما نرتديه أو نقتنيه، العيد ما نحمله في داخلنا من معانٍ. فإن خرجت منه بقلبٍ أرحب، ووعيٍ أصفى، واتصالٍ أصدق بإخوانك، فقد أدركت جوهره. أمّا إن خرجت منه كما دخلت، غارقاً في ذاتك، فقد مرّ بك المعنى دون أن تمسّه.
فليكن هذا العيد مختلفاً… عيداً تفرح فيه امتثالاً، وتدعو فيه وفاءً، وتعيش فيه إنسانيتك في أبهى تجلّياتها.
اقرأ أيضًا:
- أغلقوا الأقصى.. وفتحوا جراحنا
- دعوة لصلاة عيد جامعة للعرب وأصدقائهم غرب لندن
- كبرى مساجد لندن تُعلن الجمعة الموافق 20 مارس 2026 أول أيام عيد الفطر المبارك
جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة
الرابط المختصر هنا ⬇
