العرب في بريطانيا | النتائج النهائية لانتخابات الكنيست.. كيف قرأها ...

النتائج النهائية لانتخابات الكنيست بعيون الإعلام البريطاني

النتائج النهائية لانتخابات الكنيست بعيون الإعلام البريطاني

النتائج النهائية لانتخابات الكنيست بعيون الإعلام البريطاني

محمد سعد أكتوبر 30, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

لم تمنح النتائج النهائية لانتخابات الكنيست الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تفويضًا جديدًا بالحكم، كما لم تمنح معارضيه طريقًا مباشرًا لإزاحته. فقد تصدر معسكره السباق بـ53 مقعدًا، مقابل 48 لمعسكر غادي آيزنكوت، بينما حققت القائمتان الفلسطينيتان نتيجة تاريخية بحصولهما على 19 مقعدًا.

ويحتاج أي ائتلاف إلى 61 مقعدًا لتشكيل الحكومة، ما يضع إسرائيل أمام مفارقة سياسية حادة: الأحزاب الفلسطينية تمتلك حسابيًّا القدرة على حسم هوية الحكومة المقبلة، في وقت ترفض فيه معظم الأحزاب اليهودية التعامل معها بوصفها شريكًا شرعيًّا في الحكم.

وركزت تغطية الإعلام البريطاني على هذا المأزق أكثر من تركيزها على سؤال الفائز؛ فالنتيجة لم تحسم السلطة، لكنها كشفت حدود النظام السياسي الإسرائيلي، وأطلقت معركة أخرى حول شرعية أصوات الفلسطينيين، بعدما اتهم نتنياهو وحزب الليكود الأحزاب التي تمثلهم بـ«سرقة الانتخابات» دون تقديم أدلة.

نتنياهو يتقدم لكنه يخسر الأغلبية

صورة توضيحية لمكتب حكومة الاحتلال في القدس المحتلة

أظهرت النتائج المكتملة حصول الليكود على 27 مقعدًا، ليظل أكبر حزب منفرد في الكنيست، فيما فاز حزب «ياشار» بقيادة آيزنكوت بـ21 مقعدًا، وحزب «معًا» بقيادة نفتالي بينيت بـ12 مقعدًا.

وحصلت القائمة المشتركة على 11 مقعدًا، والقائمة العربية الموحدة «راعم» على ثمانية مقاعد، ليرتفع مجموع تمثيل القائمتين الفلسطينيتين إلى 19 مقعدًا، مقارنة بعشرة مقاعد في الكنيست السابق.

أما معسكر نتنياهو، الذي يضم الليكود وحلفاءه من أحزاب اليمين المتطرف والأحزاب الدينية، فتراجع من 68 مقعدًا كان يملكها في الكنيست السابق إلى 53 مقعدًا، أي بفارق ثمانية مقاعد عن الأغلبية المطلوبة.

ووصفت «بي بي سي» النتيجة بأنها «فوضوية»، إذ تقدم نتنياهو على منافسه، لكنه لم يحصل على المقاعد التي تتيح له تشكيل حكومة. وفي المقابل، لا يستطيع آيزنكوت الوصول إلى الأغلبية من دون دعم أحزاب فلسطينية سبق أن استبعد معظم حلفائه التعاون معها.

كما رأت «آي تي في» أن الجزء الأصعب يبدأ بعد ظهور النتائج؛ إذ يتعين على المعارضة الاختيار بين التعاون مع الأحزاب الفلسطينية، أو الدخول في حكومة وحدة قد تضم نتنياهو، أو المخاطرة بالذهاب إلى انتخابات جديدة إذا فشلت مفاوضات تشكيل الائتلاف.

ورغم اكتمال فرز الأصوات، ستُقدَّم النتائج رسميًّا إلى الرئيس إسحاق هرتسوغ في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر، قبل أن يجري مشاورات مع الأحزاب ويكلف الشخصية التي يعتقد أنها الأقدر على تشكيل الحكومة. ومن المقرر أن يؤدي أعضاء الكنيست الجديد اليمين في العاشر من الشهر نفسه.

الفلسطينيون يتحولون إلى الرقم الحاسم

عدد من الناخبين الفلسطينيين-انتخابات الكنيست-اكتوبر 2026
عدد من الناخبين الفلسطينيين-انتخابات الكنيست-اكتوبر 2026

لم يكن التقدم العددي لمعسكر نتنياهو هو التطور الأبرز في قراءة الصحافة البريطانية، بل الصعود التاريخي للقائمتين الفلسطينيتين وتحولهما إلى قوة لا يمكن تجاوزها عند حساب الأغلبية.

فإذا أضيفت مقاعدهما التسعة عشر إلى مقاعد معسكر آيزنكوت الـ48، يصل المجموع إلى 67 مقعدًا، وهي أغلبية كافية لإزاحة نتنياهو. لكن هذه الإمكانية الحسابية تصطدم برفض غالبية أحزاب المعارضة اليهودية تشكيل حكومة تعتمد على دعم القائمتين.

وطرحت «الغارديان» المعضلة بصورة مباشرة: هل تستطيع المعارضة الإسرائيلية الحكم بالتعاون مع الأحزاب الفلسطينية؟ فالتصويت منح القائمتين مفتاح تغيير الحكومة، لكن ذلك لا يكفي ما لم تعترف بهما الأحزاب اليهودية شريكًا سياسيًّا مشروعًا.

أما «الإندبندنت»، فأبرزت اتهام قيادات فلسطينية للأحزاب الإسرائيلية بالعنصرية، بسبب رفضها التعاون مع أقلية وطنية منحت صناديق الاقتراع ممثليها 19 مقعدًا.

ويكشف ذلك مفارقة تتجاوز مفاوضات تشكيل الحكومة: في الوقت الذي تتجه فيه قطاعات من المجتمع والسياسة الإسرائيليين إلى مزيد من القومية والاستقطاب، جعلت النتائج أصوات الفلسطينيين أكثر ضرورة لموازنة السلطة وكبح اليمين المتطرف.

إنه شكل من القبول الحسابي دون القبول السياسي، أو ما يمكن تسميته الإدماج الاضطراري؛ فالأحزاب الفلسطينية مطلوبة للوصول إلى الرقم 61، لكنها تظل مستبعدة عند الانتقال من جمع المقاعد إلى توزيع السلطة. وبذلك تفرض الحسابات الائتلافية على المشهد الإسرائيلي ما يرفضه مزاجه اليميني: الاعتراف بأن فلسطينيي الداخل ليسوا كتلة هامشية، بل طرف قد يتوقف عليه مستقبل الحكومة.

التشكيك في النتائج يتحول إلى أداة للبقاء

بدل التعامل مع النتيجة باعتبارها تعبيرًا عن تراجع معسكره وفقدانه الأغلبية، رفع نتنياهو وحزب الليكود سقف المواجهة باتهام الأحزاب الفلسطينية باستخدام دعم خارجي لـ«سرقة الانتخابات».

وقالت الشرطة الإسرائيلية إنها لا تملك معلومات أو أدلة تدعم مزاعم التزوير الواسع، فيما أكدت لجنة الانتخابات عدم وجود أساس للقول إن الانتخابات سُرقت. كما أوضح جهاز الأمن الداخلي «الشاباك» أن تحقيقه في شبهات تدخل أجنبي محدود النطاق، ولا يدين الناخبين الفلسطينيين أو يمس النتيجة النهائية.

ومع ذلك، استمر نتنياهو وحلفاؤه في ترويج الاتهامات، في نمط سياسي ازداد حضوره داخل الدول التي تشهد انتخابات تنافسية: عندما لا تقود النتيجة إلى الاحتفاظ بالسلطة، يجري التشكيك في نزاهة العملية نفسها.

لم يبدأ هذا الأسلوب مع دونالد ترامب، لكنه حوّله إلى وصفة سياسية جاهزة داخل الديمقراطيات الغربية، قبل أن يجد صداه في خطاب نتنياهو داخل إسرائيل: رفض النتائج التي لا تضمن البقاء في السلطة، وتصوير الخصوم باعتبارهم جزءًا من مؤامرة، ثم نقل الخلاف من المنافسة على الحكم إلى الطعن في شرعية النظام الانتخابي.

وسبق لنتنياهو أن استخدم خطابًا مشابهًا في عام 2021، عندما وصف الائتلاف الذي أطاح به من رئاسة الحكومة بأنه نتاج «أكبر تزوير انتخابي في تاريخ الديمقراطية»، في تصريحات قارنتها وسائل إعلام أمريكية وبريطانية بخطاب ترامب بعد انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2020.

لكن انتخابات 2026 تضيف عنصرًا أكثر خطورة؛ إذ لا يستهدف التشكيك خصوم نتنياهو السياسيين وحدهم، بل يتركز على أصوات الفلسطينيين، بما يحول مشاركة أقلية كاملة في الانتخابات من حق ديمقراطي إلى فعل يثير الشبهة، ويمهد لنقل الخلاف من نزاع حول النتائج إلى تحريض أوسع ضدها.

من «العدو الخارجي» إلى الناخب في الداخل

يرتبط الطعن في النتائج بحملة أوسع لنزع الشرعية عن فلسطينيي الداخل. فخلال يوم الاقتراع، استخدم نتنياهو وحلفاؤه ارتفاع نسبة مشاركتهم لحشد ناخبي اليمين، وروّجوا ادعاءات عن اقتحام أنصار «الإخوان المسلمين» مراكز التصويت وسرقة الانتخابات.

وليست هذه المرة الأولى التي يوظف فيها نتنياهو المشاركة الفلسطينية باعتبارها خطرًا؛ ففي انتخابات 2015 حذر أنصاره من أن «الناخبين العرب يتدفقون إلى صناديق الاقتراع»، داعيًا اليمين إلى التحرك لإنقاذ حكومته.

الجديد أن الخطاب لم يعد يكتفي بتصوير ارتفاع التصويت الفلسطيني باعتباره تهديدًا انتخابيًّا، بل يربطه هذه المرة باتهامات التزوير والتدخل الخارجي، بالتزامن مع دعوة إيتمار بن غفير إلى اعتقال قيادات سياسية فلسطينية.

وهنا ينتقل منطق الاستعداء من الفلسطينيين خارج الخط الأخضر، الذين تتعامل معهم إسرائيل بوصفهم عدوًّا خارجيًّا أو أمنيًّا، إلى الفلسطينيين داخله، أي المواطنين المشاركين في النظام الانتخابي نفسه. وبعبارة أخرى، تنتقل صورة العدو من خارج الحدود إلى داخل صندوق الاقتراع.

هذا النوع من الاستقطاب لا يتوقف عند حدود الدعاية الانتخابية؛ إذ يقسم الناخبين إلى أغلبية يُعَد تصويتها تعبيرًا مشروعًا عن الإرادة الوطنية، وأقلية يصبح نجاحها الانتخابي دليلًا على الخطر أو التآمر. كما يرفع احتمال انتقال التحريض من الخطاب السياسي إلى العنف الاجتماعي، ولا سيما عندما يصدر عن رئيس الحكومة ووزراء اليمين المتطرف.

انتخابات لم تحسم «المعركة على روح إسرائيل»

قبيل الاقتراع، وصفت «فاينانشال تايمز» الانتخابات بأنها «معركة على روح إسرائيل»، بين استمرار المسار القومي الديني الذي رسخه نتنياهو وحلفاؤه، ومحاولة كبح اليمين المتطرف وإعادة بناء المؤسسات والعلاقات مع الحلفاء الغربيين.

لكن النتيجة لم تحسم تلك المعركة؛ فقد خسر معسكر نتنياهو أغلبيته، لكنه ظل الكتلة الأكبر. وفشلت المعارضة في الحصول على تفويض مستقل، بينما أصبحت قدرتها على الحكم مرهونة بتجاوز رفضها السياسي للشراكة مع الفلسطينيين.

وحتى إذا نجحت المعارضة في إزاحة نتنياهو، فإن ذلك لا يعني بالضرورة تحولًا جذريًّا في سياسة إسرائيل تجاه غزة أو الضفة الغربية المحتلة؛ إذ يضم معسكر آيزنكوت قوى يمينية وقومية تختلف مع نتنياهو بشأن القيادة والمؤسسات، دون أن تتبنى بالضرورة مقاربة مختلفة تجاه الفلسطينيين.

لذلك لم تفرز الانتخابات منتصرًا واضحًا بقدر ما كشفت ثلاث أزمات متداخلة: أزمة قيادة يمثلها عجز نتنياهو ومعارضيه عن تكوين أغلبية منفردة، وأزمة ديمقراطية تظهر في الطعن في شرعية النتائج، وأزمة مواطنة تجعل أصوات الفلسطينيين ضرورية لتشكيل الحكومة، لكنها غير مقبولة سياسيًّا لدى معظم القوى اليهودية.

وقد يكون السؤال الذي ستجيب عنه مفاوضات الأسابيع المقبلة أكبر من هوية رئيس الحكومة: هل تقبل المعارضة أن تكون أصوات الفلسطينيين جزءًا من صناعة السلطة، أم تفضل بقاء نتنياهو أو العودة إلى الانتخابات على كسر الحاجز الذي يفصل بين حقهم في التصويت وحقهم في المشاركة بالحكم؟

اترك تعليقا

إعلان

↑