من ذكرياتي: سيراليون بلد الماس والفقر المدقع (الجزء الأول)
من ذكرياتي: سيراليون بلد الماس والفقر المدقع (الجزء الأول)
سيراليون (تعني قمة الأسد)، البلد الذي يقع في جنوب غرب أفريقيا بين ليبيريا وغينيا. مساحته حوالي 70,000 كيلومتر مربع، أي ثلاثة أضعاف مساحة فلسطين تقريبًا.
سكانه حوالي سبعة ملايين إنسان. ثلاثة أرباعهم مسلمون، والربع مسيحيون.
بلد الذهب والماس، وفي الوقت نفسه بلد الفقر المدقع والمرض والتخلف.
استمرّت فيه حرب أهلية لمدة أحد عشر عامًا، من 1991 حتى 2002، حصدت أرواح حوالي 50,000 شخص.
ثم انتشر فيه وباء الإيبولا سنة 2014، وهو فيروس قاتل حصد عشرات الآلاف من الأرواح، حتى أعلنت منظمة الصحة العالمية سنة 2016 خلو سيراليون من وباء الإيبولا.
وبعدها بشهرين تلقيت دعوة من صديقي عمدة مدينة بلاك بيرن (مدينة في شمال غرب إنجلترا) لزيارة سيراليون. الهدف منها هو إغاثة الفقراء هناك.
طلب العمدة سليم الله مني أن أعمل حملة لإغاثة فقراء سيراليون.
وفعلًا نجحت الحملة، واستطعنا جمع مبلغ محترم.
الوصول إلى سيراليون
هبطت بي الطائرة الفرنسية في مطار العاصمة فري تاون.
صدمني منظر المطار.
كان وضع ممر الهبوط وموقف الطائرة محزنًا، وعدد الطائرات قليلًا جدًا.
أما صالة الوصول فهي تشبه مركز التموين التابع للوكالة في مدينة خان يونس؛ عبارة عن كشك كبير له سقف من الزينكو.
نزلت من الطائرة وأنا أرتدي جلابية وطاقية مزركشة، وأحمل عصًا سوداء، فلم يبقَ شرطي ولا شرطية إلا واستقبلني بالتحية العسكرية.
احترام فوق العادة.
ولا أقف في الطابور مع الركاب؛ فالشيخ عندهم يجب أن يكون في المقدمة.
أحسست برقة قلوب هؤلاء الناس ومقدار احترامهم لرجال الدين.
المهم، وصلنا إلى القرية التي سنوزع فيها طرود الطعام من الأرز والسكر والزيت، إلخ.

وجدت عجبًا:
فقر مدقع ذكّرني بأحوالنا في قطاع غزة في الخمسينيات، يوم كنا نذهب إلى المدرسة حفاة الأقدام ببطون خاوية، نتلهف لقطعة خبز مع حبات زيتون.
نزلنا في منطقة خضراء، وجداول المياه العذبة تتدفق في كل مكان.
لكن البيوت محزنة للغاية، مصنوعة من أخشاب الغابة وألواح الصفيح.
وقد دخلت منزلين فلم أجد من الأثاث إلا حصيرًا ينام عليه أفراد الأسرة، بدون فرشة ولا غطاء ولا مخدة.
لا يوجد في القرية فندق، وكنا ثلاثة:
- عمدة مدينة بلاك بيرن، السيد سليم الله.
- الشيخ فاروق، وهو من حفظة القرآن.
- والعبد الفقير لله.
أنزلوني في غرفة في منزل لأحد الميسورين، وكان ينام على باب الغرفة حارس يحرسني طوال الليل.
وما كان يحزنني منه أنه كان ينحني راكعًا عندما أقدم له بعض قطع البسكويت التي أحضرتها معي من بريطانيا؛ فهو لم يعرف البسكويت طيلة حياته.
والغرفة فيها دورة مياه ومغسلة. وعندما بدأت الوضوء على المغسلة سالت المياه على الأرض، فاكتشفت أن المغسلة غير مرتبطة بالمجاري.
الكهرباء ضعيفة جدًا، لا تكاد ترى الكتابة من ضعف المصباح الذي يتدلى في الغرفة.
والكهرباء تأتي يومًا بعد يوم.
مسجد وعيادة وغرف للضيافة

ذهبنا للصلاة في المسجد، فوجدنا المسجد عبارة عن معرّش مفروش بالحصير المهترئ.
ولا توجد دورات مياه ولا مياه للوضوء.

هناك جدول مياه يجري قريبًا من المسجد، وعلى جانبيه تجري جميع العمليات:
تبول، وغسيل أوانٍ، واستحمام أطفال، وشرب البهائم، إلخ.
التبشير يعمل بنشاط هناك.
تجد نصف الأسرة مسلمين والنصف الآخر مسيحيين، حسب الخدمات التي تقدمها الكنيسة أو بعض الجهات الإسلامية.
وضعت خطة مع العمدة، وهي بناء مسجد في هذه البقعة ليخدم المنطقة.
وكانت خطتي كالتالي:
بناء مسجد من طابقين:
- الطابق الأول للصلاة: قسم للرجال وقسم للنساء.
- الطابق الثاني عبارة عن صفّين يضمّان عشر غرف: ست غرف لتحفيظ القرآن، وغرفتان لتكونا عيادة لمعالجة المرضى (واقترحت انتداب الأطباء من العاصمة يومين في الأسبوع لعلاج المرضى)، وغرفتان للضيافة في حال حضور زوار للمنطقة، لأنه لا توجد فنادق.
وبالفعل تم إنجاز المشروع بالكامل.
ولأول مرة يستخدم السكان دورات المياه لقضاء الحاجة، والحنفيات للوضوء.
والمضحك أننا رصفنا أرضية المسجد ببلاط «الخارصينا» أو الموزاييك، وهي ناعمة ملساء لامعة.
فقال السكان: لا نريد سجادًا ولا حصيرًا. سوف نصلي على هذه الأرضية الجميلة الملونة.
وبحمد الله أنجزنا المهمة ووزعنا المعونات.
جولة في فري تاون

ثم أخذونا في جولة في العاصمة فري تاون (المدينة الحرة).
اسمها مدينة واسمها عاصمة!
لكنك عندما تتجول في شوارعها فليس لها صفة واحدة من العواصم أو المدن.
شوارع ضيقة مزدحمة بعدد هائل من الدراجات النارية والقليل جدًا من السيارات.
فالدراجة النارية هي وسيلة المواصلات الرئيسية. فعادي جدًا أن تطلب سيدة دراجة نارية ليوصلها السائق إلى وجهتها.
أغلب البيوت من الصفيح الذي يعلوه الصدأ.

تجد سيدة أمامها قلاية كبيرة تقلي أرجل الدجاج بالأصابع ـ التي نرميها في غزة للقطط والكلاب ـ في الزيت لتبيعها في ساندويشات.
ثم جاء وقت الظهر ووصلنا إلى المسجد المركزي في فري تاون.
المسجد كبير، بحجم مسجد الإمام الشافعي في خان يونس.
لكنه باطون فقط (يعني عظم).
لا أبواب، ولا شبابيك، ولا فرش، ولا موضأ.
صلينا الظهر وبحثنا عن الإمام أو المسؤول، فوجدنا رجلًا كبيرًا في السن ذهب نصف بصره، يبدو عليه الفقر المدقع.
يجلس في غرفة طولها متران وعرضها متران.
استقبلنا بحفاوة (بدون ضيافة)، لأنه لا يملك ربما ثمن كوب من الشاي.
عرّفته بنفسي وبمن معي، وبعد حديث معه سألته:
كيف نستطيع مساعدتكم؟
هل تحتاجون شيئًا؟
وكانت الإجابة صادمة جدًا.
قال الرجل:
طلبنا الوحيد أن تلغي الحكومة الإيجار الشهري الذي يدفعه المسجد كل شهر، ومن الصعب جمع المبلغ من المصلين الفقراء.
لم أصدق ما سمعت.
قلت له: هل ما تقوله حقًا؟ أتدفعون إيجارًا شهريًا للحكومة؟
قال: نعم.
وكم هو الإيجار؟
قال: ما يعادل ثلاثين دولارًا شهريًا، كما أذكر.
اضطرم الغيظ في قلبي، ووعدته بتحقيق طلبه، وهو توفير الإيجار له شهريًا.
لكن القصة ليست في المال؛ فالمبلغ بسيط بالنسبة لنا.
ولكن بلد يشكل المسلمون فيه ثلاثة أرباع السكان، ورئيسه مسيحي، ويجبر المسلمين على دفع إيجار لقطعة أرض أقيم عليها مسجد؟!
كيف يكون ذلك؟!
وسبحان الله، كيف ييسر الله الأمور!
مزيد من الصور
الرابط المختصر هنا ⬇




