ضجيج الهواتف في الأماكن العامة.. حين يغيب الذوق ويُفرض الإزعاج على الآخرين
ضجيج الهواتف في الأماكن العامة.. حين يغيب الذوق ويُفرض الإزعاج على الآخرين
كم من رحلةٍ في حافلةٍ عامة تحوّلت من دقائق هادئة إلى ساعات من الضيق، لا بسبب ازدحام الركّاب، ولا لطول الطريق، فقط لأنّ أحدهم قرّر أن يجعل هاتفه مصدرًا للضجيج، يقلّب مقاطع الفيديو واحدًا تلو الآخر، ويرفع صوتها كأنّه يجلس وحده في غرفته، لا بين عشرات الأشخاص الذين لم يختاروا سماع ما يسمع!
مشهدٌ يتكرّر كلّ يوم في الحافلات، وصالات الانتظار، والحدائق، وغيرها من الأماكن العامة؛ شخصٌ غارق في شاشة هاتفه، يتنقّل بين مقطعٍ وآخر، فيما تتسلّل الأصوات إلى آذان الآخرين، فتقطع حديثًا، وتشتّت فكرة، وتفسد لحظة هدوءٍ قد يكون أحدهم في أمسّ الحاجة إليها بعد يومٍ طويل من التعب.
المشكلة ليست في الهاتف، ولا في مشاهدة الفيديوهات، ولا في رغبة الإنسان في الترفيه عن نفسه؛ فلكلّ واحدٍ منّا الحقّ في أن يقضي وقته كما يشاء، ما دام لا يحوّل راحته الشخصية إلى عبءٍ على الآخرين. إنّما المشكلة في أن يظنّ بعضنا أنّ حريته الشخصية تمنحه الحقّ في اقتحام مساحات الآخرين، وأنّ ما يراه ممتعًا ينبغي أن يكون مسموعًا للجميع، سواء أرادوا ذلك أم لم يريدوا.
المكان العام مسؤولية مشتركة
تأمّلوا الحافلة مثلًا؛ فيها عاملٌ أنهى ساعاتٍ طويلة من العمل، وطالبٌ يحاول مراجعة دروسه، وأمٌّ أنهكها التعب، ومريضٌ يبحث عن بعض السكون، وإنسانٌ يريد أن يستريح قليلًا قبل أن يصل إلى وجهته. لكلّ واحدٍ من هؤلاء عالمه الخاص، وهمومه التي لا نعرفها، وحاجته إلى الهدوء التي لا يحقّ لأحدٍ أن يستهين بها.
ومع ذلك، يأتي صوتٌ واحدٌ من هاتفٍ صغير ليقتحم كلّ تلك العوالم، وكأنّ وجود الآخرين لا يفرض على صاحبه أيّ مسؤولية، وكأنّ المكان العام ملكٌ لمن يرفع صوته أكثر من غيره!
والأغرب أنّ بعض الناس قد لا يشعرون أصلًا بأنّهم يزعجون من حولهم، وربّما يستغربون إن طلب منهم أحدٌ خفض الصوت، وكأنّ الاعتراض هو المشكلة، لا الإزعاج نفسه. وهنا يظهر الفرق بين من يعيش بين الناس، ومن يدرك معنى العيش معهم؛ فالأول يرى المكان العام مساحةً لقضاء حاجته فحسب، أمّا الثاني فيدرك أنّه شريكٌ فيه، وأنّ من حوله لهم من الحقوق ما له، وإن لم تربطهم به معرفة أو قرابة.
إنّ الذوق العام لا يحتاج دائمًا إلى قوانين ولافتات تحذيرية، فهو يبدأ من تربية الإنسان على مراعاة مشاعر الآخرين، ومن قدرته على أن يضع نفسه مكانهم قبل أن يتصرّف. فهل يقبل أحدنا أن يجلس في حافلةٍ مضطرًّا إلى سماع عشرات المقاطع التي لا تعنيه؟ وهل يرضى أن يتحوّل طريق عودته إلى منزله إلى ضجيجٍ متواصل، لمجرّد أنّ شخصًا آخر لا يريد استخدام سماعات الأذن؟
إن كان الجواب لا، فلماذا نقبل لأنفسنا أن نفعل ما لا نرضاه لغيرنا؟
والحلّ لا يحتاج إلى جهدٍ كبير، ولا إلى تنازلٍ عن الحرية الشخصية؛ فبإمكان الإنسان أن يشاهد ما يشاء باستخدام سماعات الأذن، أو أن يخفض صوت هاتفه إلى الحدّ الذي لا يزعج به الآخرين. خطواتٌ بسيطة، لا تكلّف شيئًا، لكنها تكشف الكثير عن تربية الإنسان ووعيه واحترامه للمساحة المشتركة.
وليس المقصود أن تتحوّل الأماكن العامة إلى مساحاتٍ صامتة لا يُسمع فيها صوت؛ فالحياة بطبيعتها لا تخلو من الضجيج، لكنّ هناك فرقًا بين الأصوات التي تفرضها طبيعة الحياة، وبين ضجيجٍ يستطيع الإنسان تجنّبه، ثم يختار أن يفرضه على الآخرين بلا اكتراث.
بين القوانين وثقافة احترام الآخرين
ولعلّ ما يجري في بريطانيا يفتح بابًا آخر للنقاش حول دور القوانين في الحدّ من هذه الظاهرة. فقد اتّجهت الحكومة البريطانية إلى اتخاذ إجراءات تستهدف الحدّ من الضوضاء والسلوكيات المزعجة في وسائل النقل العام، بما في ذلك تشغيل الموسيقى ومقاطع الفيديو بصوت مرتفع. وتوجد كذلك قواعد تنظّم السلوك داخل القطارات، وقد تترتّب على مخالفتها عقوبات وغرامات بحسب طبيعة المخالفة واللوائح المعمول بها.
لكن ماذا عن بلادنا؟ كم مرّةً اضطررنا إلى قضاء رحلةٍ كاملة ونحن نستمع إلى أصوات الهواتف المرتفعة، أو إلى موسيقى يختارها السائق أو أحد الركّاب، من دون أن يكون لنا حقّ الاعتراض أو وسيلة واضحة لوضع حدٍّ لهذا الإزعاج؟ ومتى تصبح وسائل النقل العام في بلادنا أماكن تُراعى فيها راحة الركّاب، بدلًا من أن تتحوّل هي نفسها إلى مصدرٍ للضجيج؟
إنّ القضية لا تتعلّق بالموسيقى وحدها، ولا بمقاطع الفيديو؛ الأمر يتعلّق بثقافةٍ كاملة ترى في المكان العام مساحةً مفتوحة لفعل ما يحلو للمرء، من دون التفكير في أثر تصرّفاته على الآخرين. فوسيلة النقل العام ليست ملكًا للسائق وحده، ولا للراكب الذي يرفع صوت هاتفه، فهي مساحة مشتركة تجمع أشخاصًا مختلفين، ومن حقّ كلّ واحدٍ منهم أن يصل إلى وجهته من دون أن يُفرض عليه ما لا يريد سماعه.
نحن لا نحتاج إلى استنساخ القوانين الأجنبية بحذافيرها، بقدر ما نحتاج إلى ترسيخ ثقافةٍ تحترم حقّ الإنسان في الراحة، وإلى وضع قواعد واضحة تُطبّق على الجميع، مع توفير آليةٍ مناسبة للتعامل مع الشكاوى والمخالفات. فكما يُنظَّم استخدام المرافق العامة حفاظًا على سلامة الناس وحقوقهم، ينبغي ألّا تُترك راحتهم رهينةً لمزاج الآخرين.
فهل يأتي اليوم الذي تصبح فيه سماعات الأذن قاعدةً من قواعد الذوق العام في بلادنا، ويجد من يتعمّد إزعاج الآخرين من يذكّره بحقوقهم؟ أم سنظلّ نعدّ تحمّل الضجيج جزءًا طبيعيًّا من ركوب الحافلات، وكأنّ احترام راحة الإنسان رفاهيةٌ لا تستحقّ أن نطالب بها؟
رقيّ المجتمعات في التفاصيل الصغيرة
إنّ رقيّ المجتمعات لا يُقاس بالمباني الشاهقة، ولا بأحدث الأجهزة والتقنيات، ولكن يظهر أيضًا في التفاصيل الصغيرة: في شخصٍ يخفض صوته احترامًا لمن حوله، وآخر يفسح الطريق لغيره، وثالثٍ يمتنع عن تصرّفٍ يعرف أنّه قد يزعج الآخرين، حتى لو لم يطلب منه أحد ذلك.
فقد نمتلك أحدث الهواتف، ونحمل في أيدينا عالمًا كاملًا من الصور والأصوات، لكنّ كلّ هذا التقدّم يفقد شيئًا من معناه حين نعجز عن احترام أبسط حقوق من يجلسون إلى جوارنا.
فالأماكن العامة ليست امتدادًا لغرف جلوسنا، والحرية الشخصية لا تعني أن نجعل الآخرين أسرى لأمزجتنا. شاهد ما تشاء، واستمع إلى ما تحبّ، واضحك كما تريد، لكن لا تجعل متعتك سببًا في إزعاج من لا تعرفهم، ولا تحوّل دقائق راحتهم إلى معاناةٍ لم يختاروها.
والأدب الحقيقي لا يظهر حين نكون وحدنا فقط، فهو يظهر أيضًا حين نكون بين الناس، وحين نمتلك القدرة على فعل شيءٍ ما، ثم نمتنع عنه احترامًا لحقّ الآخرين.
فما أجمل أن نخرج من بيوتنا حاملين معنا ثقافة الاحترام، لا أصوات هواتفنا وحدها!
الرابط المختصر هنا ⬇



