ممنوع المؤثرين: مطاعم وفنادق في بريطانيا وأوروبا تقيّد جلسات التصوير
تتسع دائرة المطاعم والفنادق التي تضع قيودًا على جلسات تصوير المؤثرين داخلها.
فقد رصدت صحيفة “الجارديان” (The Guardian)، في تقرير نشرته يوم 19 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تزايد عدد الفنادق والمطاعم في بريطانيا وفرنسا التي باتت تحدد ساعات للتصوير أو تشترط إذنًا مسبقًا، بل وتلجأ أحيانًا إلى المنع الصريح.
ويعيد هذا التحول إشعال سؤال قديم متجدد: لمن قاعة الطعام، للزبون الذي جاء ليأكل، أم لصانع المحتوى الذي جاء ليصوّر؟ وفيما يلي أبرز الحالات في بريطانيا والعالم، وخلفيات القرارات، وموقف صنّاع المحتوى منها.
أحدث القيود: من الريفييرا الفرنسية إلى ريف تشيشير

أحدث هذه الخطوات جاء من فندق “دو كاب إيدن روك” (Hotel du Cap-Eden-Roc) الفاخر في مدينة أنتيب على الريفييرا الفرنسية، الذي لم يعد يسمح بجلسات التصوير دون إذن مسبق. وبحسب تقارير نقلتها “ذا غارديان”، جاء القرار بعدما صار بعض الزوار يحجزون طاولات الغداء ويصلون بحقائب ملابس ومجوهرات، فيقضون وقتهم في تبديل الأزياء والتصوير بدل تناول الطعام.
وقالت مديرة الفندق صوفي فولان (Sophie Volant) إن النزلاء يرحبون بوجود الناس في المطاعم والحانات، لكنهم يريدون أن يبقى مكان إقامتهم الصيفية خاصًا، ما دفع الإدارة إلى البحث عن حل.
وفي بريطانيا، منع متجر المزرعة “ذا هوليز” (The Hollies) في مقاطعة تشيشير، الذي تحول إلى محطة شهيرة لصنّاع المحتوى بعد أن نشرت نجمة “لاف آيلاند” (Love Island) مولي ماي هيغ صورًا منه، التصوير الفوتوغرافي والمرئي بين الساعة 10 صباحًا و4 عصرًا.
وتمتد الظاهرة خارج أوروبا؛ إذ انتشرت لافتة “ممنوع المؤثرين” على متجر في جزيرة نانتوكيت الأمريكية هذا العام، فيما نصبت بلدة فوجيكاواغوتشيكو اليابانية حاجزًا قرب متجر شهير لمنع التقاط الصور أمام جبل فوجي.
وترى آنا فيدو (Anna Fedou)، مديرة التسويق في مجموعة فنادق “بومييه” (Beaumier)، أن هذه القطاعات تعمل في مجال الضيافة لا في إدارة استوديوهات تصوير، وأن مسؤوليتها حماية الأجواء التي يأتي الزوار من أجلها.
جيريمي كينغ ومطعم “ذا بارك“: الشرارة اللندنية
جيريمي كينغ، البالغ 71 عامًا، اسم ارتبط بمطاعم أيقونية في العاصمة مثل “ذا آيفي” (The Ivy) و”لو كابريس” (Le Caprice) و”ذا وولسلي” (The Wolseley).
وافتتح صيف 2024 مطعم “ذا بارك” (The Park) في حي بايزووتر قرب هايد بارك.
وفي مقال نشره مطلع هذا العام في صحيفة “ذا ستاندرد” (The Standard)، قال كينغ إن المطعم بدأ يستقبل زبائن يصلون بحقائب سفر وحوامل تصوير، يطلبون القليل من الطعام، ويغادرون الطاولة لحظة وصول الأطباق ويغيبون لفترات طويلة. وأضاف أن الأمر قد يبدو بريئًا أو حتى مُطريًا، لكنه يصبح مشكلة حين يمسّ راحة الزبائن الآخرين ويتجاوز حدود الخصوصية. وروى أن زوجين من صنّاع المحتوى رُدّا عند الباب بعدما حضرا بحقيبة وحامل تصوير.
وبحسب آدم هايمن (Adam Hyman)، مالك دليل المطاعم البريطاني “غود فود غايد” (Good Food Guide)، فقد انتهى كينغ إلى ضرورة منع التصوير غير المصرّح به. أما المدوّن آندي لاينز (Andy Lynes) فرأى أن التصميم الداخلي الأنيق للمطعم كان بحد ذاته عامل جذب لجمهور تيك توك.
اللافت أن موقف كينغ لم يبقَ متصلبًا؛ ففي مقابلة حديثة مع مجلة “ذا غلوسري” (The Glossary) بدا أكثر مرونة، إذ أقرّ بقيمة الترويج الشفهي عبر وسائل التواصل، بل ثبّت مرآة مخصصة لصور السيلفي داخل “ذا بارك”، مع إبقاء خطه الأحمر عند المؤثرين المدججين بالإضاءة والكاميرات المثبتة على الرأس.
سوق بورو: ليس منعًا بل قواعد

في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تصدّر “سوق بورو” (Borough Market) العريق في لندن العناوين، بعدما أخرج أمن السوق ثنائي صناعة المحتوى المعروف باسم “بايت تواس” (Bite Twice)، جيري ديل غويرتشو وبول ديلاني، أثناء تصويرهما مراجعة لأحد الأكشاك بهاتفيهما، وذلك وفق ما نشرته صحيفة “ذا تايمز” (The Times).
نفت إدارة السوق وجود حظر على المؤثرين، مؤكدة أن سياستها قائمة منذ زمن وتهدف إلى منع الازدحام وإرباك التجار والزوار.
وتشترط هذه السياسة تقديم طلب مسبق للتصوير المهني، وتمنعه بين الساعة 11 صباحًا و2:30 ظهرًا من الاثنين إلى الجمعة، وطوال عطلة نهاية الأسبوع. وأفادت مجلة “ذا كاترر” (The Caterer) بأن السوق يراجع سياسته لتخفيفها بما يتلاءم مع طبيعة صنّاع المحتوى الذين لا يحملون في الغالب معدات أو طواقم كبيرة.
وعاد الثنائي لاحقًا للتصوير في السوق دون مشكلات، مع تجنّب ساعات الذروة.
وفي لندن أيضًا، يعلّق مطعم “سانت جون” (St John) الشهير لافتة تطلب من رواده الامتناع عن استخدام الهواتف.
مانشستر: “ادفع مثل الجميع“
في مانشستر، اختارت مطاعم الردّ العلني على طلبات الوجبات المجانية. فقد نشر مطعم “فييت شاك” (Viet Shack) الفيتنامي في حي أنكوتس منشورًا ساخرًا من المؤثرين والمشاهير الذين يطلبون الطعام مقابل “الظهور”، وقال شريكه المؤسس نيلسون لام إنه يتلقى أكثر من 50 رسالة أسبوعيًا من هذا النوع، بينها طلب من أحد المشاركين السابقين في برنامج “لاف آيلاند” (Love Island).
وفي مارس/آذار 2024، نشر مطعم “لاكي رامن آند سوشي” (Lucky Ramen and Sushi) صورة لرسالة غاضبة من مؤثر يتابعه نحو 36 ألف شخص، اعترض على رفض منحه وجبة مجانية مقابل منشور، فجاء رد المطعم بأنه يقدّر الزبائن الذين يدفعون أكثر.
دبلن: الحظر الشامل الأشهر
تبقى قصة “وايت موس كافيه” (The White Moose Café) وفندق “تشارلفيل لودج” (Charleville Lodge) في دبلن من أشهر حالات المنع.
ففي يناير/كانون الثاني 2018، تلقى مالكهما بول ستنسون (Paul Stenson) طلبًا من صانعة محتوى بريطانية على يوتيوب للإقامة خمس ليالٍ مجانًا مقابل الترويج، فنشر رسالتها بعد إخفاء اسمها وتساءل عمّن سيدفع أجور الموظفين. وبعد موجة انتقادات طالته، أعلن حظر جميع المدوّنين من فندقه ومقهاه.
حول العالم: من فيرونا إلى تايوان وتكساس

في مدينة فيرونا الإيطالية، اختار مطعم “آل كوندومينيو” (Al Condominio) طريق الإغراء بدل المنع، فقدّم زجاجة نبيذ مجانية لكل زوجين يقبلان وضع هاتفيهما في درج مقفل طوال الوجبة. وقال مالكه أنجيلو ليلا (Angelo Lella) إن نحو 90 في المئة من الزبائن قبلوا العرض.
وفي مدينة كاوشيونغ التايوانية، أعلن مطعم “فيشرز داينر” (Fishers’ Diner) عام 2023 منع تصوير مقاطع تيك توك داخله ومنع مؤثري المنصة من دخوله، على خلفية حادثة شهيرة في اليابان لعب فيها شاب بأدوات مائدة مشتركة في سلسلة مطاعم سوشي أثناء تصوير مقطع، وهو قرار أثار جدلًا واسعًا هناك.
وفي الولايات المتحدة، يطبّق مطعم “كاترينا” (Caterina’s) في فورت وورث بولاية تكساس، التابع للشيف تيم لوف (Tim Love)، سياسة منع الهواتف تحت شعار “تناول الطعام ببطء”، فيما اعتمد مطعم “مينيتا تافرن” (Minetta Tavern) في واشنطن سياسة مماثلة.
وفي أستراليا، تعهّد الشيف مات موران (Matt Moran) بوقف استقبال المؤثرين مجانًا في مطعمه.
لماذا تتخذ المطاعم هذه القرارات؟
تكشف الحالات السابقة عن مجموعة من الدوافع المتكررة:
- أولًا، راحة الزبائن الآخرين وخصوصيتهم؛ فكثير من الرواد لا يرغبون في الظهور في خلفية مقاطع لا يعرفون أين ستُنشر، ولا في الجلوس قرب إضاءة قوية وتعليق صوتي مستمر.
- ثانيًا، الحسابات الاقتصادية؛ فالطاولة التي يشغلها صانع محتوى لساعات دون طلب يُذكر تعني خسارة مباشرة لمطعم يعتمد على دوران الطاولات، كما وصف كينغ.
- ثالثًا، طلبات الوجبات المجانية؛ إذ يرى أصحاب مطاعم مستقلة أن تقديم الطعام مقابل “الظهور” لا يدفع أجور الموظفين ولا كلفة المكونات.
- رابعًا، الحفاظ على أجواء المكان؛ ويعبّر هايمن عن ذلك بقوله إن المطاعم أماكن ليعيش فيها الرواد اللحظة، لا ملاعب لصنّاع المحتوى.
- خامسًا، النظافة والسلامة؛ كما في الحالة التايوانية التي جاءت ردًّا على تقليد تحديات خطرة أو غير صحية.
الوجه الآخر: المطاعم لا تستغني عن المؤثرين

في المقابل، لا يمكن إنكار الأثر التجاري لصنّاع المحتوى. فحساب “إيتنغ ويذ تود” (Eating With Tod)، أحد أشهر حسابات الطعام في بريطانيا، يتابعه نحو 2.1 مليون شخص على إنستغرام ومليون آخر على تيك توك، ويمكن لمراجعة واحدة إيجابية أن تقلب حظوظ مطعم بين ليلة وضحاها، كما يمكن لأخرى سلبية أن تفعل العكس، وفق صحيفة “الإندبندنت” (The Independent).
ويحذّر خبراء في العلاقات العامة، بحسب موقع “بي آر مومنت” (PR Moment)، من أن اشتراط التصاريح قد يقتل عفوية المحتوى، ويدفع صنّاعه إلى التصوير المدفوع فقط، فيفقد المحتوى مصداقيته لدى المتابعين. أما الشيف سفين-هانسون بريت (Sven-Hanson Britt) من مطعم “أوكساي” (Oxeye) في لندن، فيرى أن المؤثرين الصغار أصحاب الجمهور المتفاعل قد يكونون الأكثر تأثيرًا.
ولهذا يذهب كثير من المعلقين إلى أن الحل ليس في المنع الشامل، بل في مدونة سلوك واضحة تحفظ الاحترام المتبادل بين من يطهو الطعام ومن يصوّره.
ماذا يعني ذلك للعرب في بريطانيا؟
يمتلك العرب في بريطانيا عددًا كبيرًا من المطاعم والمقاهي، خصوصًا في لندن ومانشستر وبرمنغهام، كما ينشط كثير من صنّاع المحتوى العرب في مجال الطعام والسياحة.
وتشير هذه التطورات إلى أن قواعد اللعبة تتغير: فالمطعم الذي يرحّب بالكاميرا اليوم قد يضع شروطًا غدًا، وصانع المحتوى الذي يستأذن ويدفع ثمن وجبته ويتجنب تصوير الرواد الآخرين وأوقات الذروة سيجد الأبواب مفتوحة أكثر من غيره.
وبالنسبة لأصحاب المطاعم، يبدو أن وضع سياسة تصوير مكتوبة وواضحة، معلنة على الموقع أو عند المدخل، يجنّبهم الإحراج والجدل العلني الذي رافق عددًا من الحالات المذكورة.
المصدر:lbc
الرابط المختصر هنا ⬇