العرب في بريطانيا | تقرير حصري: «لأنني أخاف، خرجت».. لماذا يشعل طلب...

تقرير حصري: «لأنني أخاف، خرجت».. لماذا يشعل طلبة فرنسا الشارع ويهدأ طلبة بريطانيا؟

Manifestation_lycéenne_du_6_octobre_2026_à_Paris_25
عدنان حميدان أكتوبر 19, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

جيل فرنسي يغلق مدارسه ويتحدى الغاز المسيل للدموع، وجيل بريطاني يعيش الأزمات نفسها ويلوذ بالصمت.

خمسة ضيوف يفككون لـ”العرب في بريطانيا” سر هذا الفارق.

لندن – العرب في بريطانيا

كتبت طالبة فرنسية على لافتتها جملة واحدة: “لأنني أخاف الخروج، خرجتُ للتظاهر”.

حملت صديقتها حسناء، الطالبة في جامعة السوربون، هذه الجملة معها إلى الشارع، وتقول إنها تختصر كل شيء: “القمع لن يُسكتنا، والخوف لن يشلّني”.

حسناء ابنة سائق تاكسي من ضواحي باريس، وواحدة من مئات الآلاف الذين نزلوا إلى الشوارع منذ منتصف سبتمبر.

عائلتها، كما تقول: “خائفة لكنها تشجعني”.

في الوقت نفسه، على الضفة الأخرى من القنال الإنجليزي، يجلس طالب دولي في مكتبة جامعته في لندن، يحسب ساعات عمله التي لا يحق له أن تتجاوز عشرين ساعة في الأسبوع، ويفكر في قسط الإيجار، وفي تأشيرة قد يخسرها لو أخطأ، ويعاني مثل حسناء من الغلاء والضغط، لكنه لن يخرج إلى الشارع.

بين هذين المشهدين يقع سؤال هذا التقرير: لماذا يتحول الغضب الطلابي في فرنسا إلى حركة تهز الحكومة، بينما يبقى في بريطانيا همسًا في أروقة الجامعات؟

من ثانوية واحدة إلى أزمة دولة

بدأ كل شيء في عدد قليل من ثانويات ضواحي باريس، شكا التلاميذ من فصول مكتظة تتجاوز 35 طالبًا، ومعلمين غائبين بلا بدلاء، ومبانٍ متهالكة؛ فأغلقوا أبواب مدارسهم بحاويات القمامة، في تقليد فرنسي قديم يسمى “البلوكوس”.

خلال أسبوعين انتشرت العدوى، وأُغلقت نحو 400 ثانوية من أصل 3,700 بحسب اتحاد طلاب الثانويات، ثم لحقت بها الجامعات، وعبرت الحركة الحدود إلى مدينة لييج البلجيكية.

وفي السادس من أكتوبر، قال المنظمون: إن 450 ألف شخص تظاهروا في أنحاء فرنسا، بينهم معلمون وأولياء أمور ونقابيون، وكان الثمن باهظًا.

أعلنت وزارة الداخلية اعتقال 6,100 شخص، أغلبهم دون الثامنة عشرة، وأُصيب 215 مراهقًا و715 شرطيًا، وعقد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو اجتماع أزمة، بينما طالبت منظمة العفو الدولية بوقف ما وصفته بالقمع غير المتناسب.

جمهورية وُلدت من ثورة.. ومملكة تخشاها

الدكتور أنس التكريتي، رئيس مؤسسة قرطبة لحوار الحضارات

يرى الدكتور أنس التكريتي، رئيس مؤسسة قرطبة لحوار الحضارات، أن الإجابة تبدأ من الذاكرة. ويقول: “فرنسا جمهورية قامت على ثورة، فللثورة في الذاكرة الفرنسية مجد ومقام. أما في الممالك مثل بريطانيا، فالثورة مسألة معارضة لنظام الحكم”.

ويختصر التكريتي الفارق في جملة: “الأصل في فرنسا أن يخرج الإنسان معارضًا للنظام القائم، والأصل في بريطانيا أن يخرج متوافقًا معه”.

ويعود الكاتب والباحث جلال الورغي السليماني أبعد، إلى عام 1789. يومها نظرت النخب البريطانية إلى الثورة الفرنسية بقلق، ورأت فيها “علامة فوضى وعنف ودمار”، ومنذ ذلك الحين، كما يقول: ترسخت في بريطانيا “روح محافظة إصلاحية”، بينما بقيت فرنسا “روحًا ثورية” تنتقل من دستور إلى دستور، حتى بلغت جمهوريتها الخامسة.

هذه الذاكرة ليست مجرد تاريخ في الكتب، بل سلوك يومي. يلاحظ التكريتي أن البريطاني المقيم في فرنسا يشكو من كثرة الإضرابات، لأنه اعتاد في بلده أن يأتي الإضراب “بشكل بيروقراطي، عبر مراحل كثيرة وإعلان مسبق طويل”. أما في فرنسا، “فيمكن أن تصحو صباحًا فتجد عمال القطارات قد أضربوا”.

ولهذا فإن تحويل الغضب إلى شارع “مسألة سهلة في فرنسا، لأن الناس مستعدة من الأساس”.

وللتجربة دورها أيضًا؛ فالشارع الفرنسي انتزع مكاسب كثيرة، كإسقاط مشروع إصلاح الجامعات عام 1986، و”عقد العمل الأول” عام 2006. أما آخر حراك طلابي كبير في بريطانيا، ضد رفع الرسوم عام 2010، فانتهى بمضاعفتها ثلاث مرات. وهكذا تعلّم جيل فرنسي أن الشارع يربح، وتعلّم جيل بريطاني أنه يخسر.

جيل يتنظم من هاتفه

لكن الذاكرة وحدها لا تصنع حركة؛ ففي جامعة حسناء، بدأ الحراك “عفويًا من القاعدة”، دعمًا لتلاميذ الثانويات، ثم انضم إليه طلبة الدكتوراه والأساتذة، وتؤكد أنه “لم يكن تحت راية أي نقابة أو حزب”، وأن القرارات تُتخذ في جمعية عامة بالتصويت برفع الأيدي.

يتواصل الطلاب عبر تطبيق “سيغنال” المشفّر، ولا يُعطى رابط المجموعات إلا لمن يُوثق به. وفي مبنى خصصوه داخل الكلية، يصنعون اللافتات، ويتدربون على حقوقهم عند الاحتجاز وعلى الإسعافات الأولية.
أما الوقود الحقيقي، كما تقول حسناء، فهو وسائل التواصل الاجتماعي: “لولاها لما وُجدت هذه الحركة أصلًا”. فقد صنعت ثقافة مشتركة من ترندات تيك توك والراب والميمز، جمعت أبناء الأحياء الراقية وأبناء الضواحي المهمشة في جيل واحد. وتضيف: “الجيل زد يكسر الجدران الاجتماعية”.

هنا يكمن جديد هذه الحركة: إنها تجمع بين تقاليد الاحتجاج الفرنسية العريقة وأدوات جيل رقمي سريع الاشتعال.

في بريطانيا.. الشهادة أولًا

ياسر عبادي، طالب الماجستير في العلوم السياسية والناشط الطلابي من أصل مغربي

على الضفة البريطانية، تبدو الحسابات مختلفة تمامًا. ياسر عبادي، طالب الماجستير في العلوم السياسية والناشط الطلابي من أصل مغربي، يبدأ من الجيب: “التعليم الجامعي في فرنسا شبه مجاني، أما في إنجلترا فيدفع الشباب تكاليف دراستهم”.

لكن العائق الأكبر، في رأيه، هو التأشيرة؛ فجزء كبير من طلاب الجامعات قادمون من الخارج، ولا يحق لهم العمل أكثر من عشرين ساعة أسبوعيًا. ويقول: “كثير من الطلبة يخافون من مشكلات قد تؤدي إلى ترحيلهم أو فصلهم، بعد كل الجهد والمال الذي بذلوه للوصول إلى هنا”. وهو خوف يعرفه جيدًا طلاب الهند ونيجيريا والدول النامية.

حتى حين تُطرح قضايا كبرى في الحرم الجامعي، تبقى الأولوية لشيء آخر. يقول عبادي: “تجد كثيرًا من الطلبة منشغلين بمسارهم المهني. همّهم الحصول على الشهادة، ثم العثور على عمل”.

ويرى جلال الورغي أن لهذا السلوك جذورًا تعود إلى الثمانينيات، حين خاضت رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر معركتها مع النقابات، و”كسرتها إلى الأبد” كما يقال؛ ولأن الحركة الطلابية “جزء من حركة نقابية أوسع”، فقد دفعت الثمن نفسه، والنتيجة، كما يقول: ثقافة تقوم على “الفرد واقتصاد السوق”، لا على الفعل الجماعي.

ويضيف الورغي فارقًا في سلوك الدولة نفسها: النظام الفرنسي “صدامي” يرد على الاحتجاج بقوة فيزيده اشتعالًا، بينما تعتمد بريطانيا على “الاحتواء لا المواجهة”، فتمتص الغضب قبل أن يكبر.

فلسطين.. حاضرة في الساحات بريئة من التخريب

الدكتور يحيى أبو سيدو، العضو المؤسس في رابطة النشاط الطلابي الفلسطيني (ASAP)

ومع ذلك، ليس الطالب البريطاني صامتًا كما يبدو. يقول الدكتور يحيى أبو سيدو، العضو المؤسس في رابطة النشاط الطلابي الفلسطيني (ASAP): “الانطباع أنه لا توجد حركة طلابية جماهيرية، لكن هذا غير صحيح”، ويتحدث عن اجتماعات أسبوعية ونشاط متواصل في الجامعات، وعن حملات سلمية حققت نتائج، منها منع فصل طالب في كينغز كوليدج لندن وترحيله.

للحراك البريطاني عنوان واضح: فلسطين. ويحدد أبو سيدو مطلبه الأول بسحب استثمارات الجامعات من شركات الأسلحة الإسرائيلية، ثم من البنوك والشركات المستثمرة فيها. أما القضايا المعيشية، فيبدو أكثر تشاؤمًا تجاهها: “الجميع يعاني من غلاء المعيشة، ومع ذلك لن يثوروا. لن يثوروا أبدًا”.
وفلسطين حاضرة في الشارع الفرنسي أيضًا.

يلاحظ التكريتي أن “جناحًا كبيرًا جدًا” من المتظاهرين يرتدي الكوفية ويرفع العلم الفلسطيني، وأن فلسطين باتت “رمزًا للتحرر وللمطالبة بالحقوق والحريات”.

لكن التكريتي يرسم خطًا فاصلًا بين هذا التضامن وبين أعمال الحرق والنهب؛ فقد شاهد عددًا من مقاطع التخريب، ويقول إن الرموز الفلسطينية “لم تكن حاضرة فيها”، بينما كانت “واضحة جدًا” في المسيرات السلمية وعلى منصات المتحدثين، ويحذّر من محاولات إلصاق التخريب بالمتضامنين، مستذكرًا تجارب في بريطانيا “زُرع فيها أشخاص في مظاهراتنا وقاموا بأعمال مخالفة للقانون، التقطها الإعلام عمدًا”.

ويتفق الورغي على أن التخريب “مُدان في كل الأحوال”، ويقول: “ليس هناك مبرر للاعتداء على الأملاك العامة أو الخاصة”. وهكذا تبقى فلسطين في هذه الحركات قضية ضمير يحملها المتظاهرون السلميون، لا غطاءً لمن يستغل الفوضى على هامشها.

مفارقة القمع: كلما اشتدت العصا اتسع الشارع

قد يبدو تشديد قوانين التظاهر في بريطانيا تفسيرًا سهلًا لهدوء طلابها. لكن التكريتي يرفض هذا التفسير وحده: “الإجراءات القمعية في فرنسا أشد، والعقوبات على المستوى نفسه إن لم تكن أشد”.

بل إن القمع في فرنسا أتى بنتيجة عكسية. تقول حسناء: “الشرطة عنيفة وقمعية، وهذا ما دفعني أكثر إلى التحرك”. وهي ليست وحدها؛ فكثير من المعلمين والأهالي قالوا إن مشاهد الشرطة أمام المدارس هي ما دفعهم إلى النزول.

ويحذّر التكريتي من أن العنف الأمني قد يدفع قلة من المحتجين “ولو كانوا خمسة بالمئة” إلى التطرف. لكنه يصف الحكومة الفرنسية بأنها “متعقلة”، ويستبعد أن تتجاوز الخط الأحمر، لأن الدولة تحتاج في النهاية إلى عودة الطلاب إلى قاعاتهم.

أما الورغي فيرى أن الحل لن يكون أمنيًا: “الشباب الفرنسي يبحث عن مستقبل وعن أمل، ولا يجده في خطاب الدولة ولا في سياساتها”. ويربط جزءًا من الغضب بأزمة الضواحي، حيث يشعر كثير من أبناء المهاجرين “بالتهميش وعدم الانتماء”، في ظل نموذج فرنسي يطلب منهم “الاندماج بمعنى ذوبان الهوية”.

وهذا الشعور تعيشه حسناء في الميدان؛ فحين سُئلت إن كانت تواجه مخاطر إضافية كطالبة من أصول عربية، أجابت: “بالطبع”. وتشرح أن زملاءها البيض يتقدمون إلى الصفوف الأمامية في العصيان المدني، “لأنهم يعرفون أن قوات الأمن ستعاملهم بتساهل، على عكسنا نحن أصحاب الوجوه العربية والسوداء”.

هل تعبر العدوى القنال الإنجليزي؟

الكاتب والباحث جلال الورغي السليماني

وصلت الاحتجاجات إلى بلجيكا، ويقول الورغي: إنها امتدت إلى إيطاليا وألبانيا، وهي بلدان “لها تقاليد قريبة من فرنسا في الاحتجاج”. لكن عبورها القنال الإنجليزي يبدو بعيدًا في نظر الضيوف.

يقول التكريتي: إن ذلك “ممكن، لكنه مستبعد حتى الآن”. غير أنه يرسم سيناريو قد يغيّر المعادلة: إذا لجأت الحكومة الفرنسية قبل الانتخابات إلى تشديد أمني لكسب أصوات اليمين، وتجاوزت قوات الأمن الحدود، “فقد نرى انتقال العدوى إلى دول أخرى، وقد تكون بريطانيا منها”، خاصة أن فلسطين قاسم مشترك بين شباب البلدين.

ويضيف الورغي عائقًا سياسيًا: حزب العمال، “حزب النقابات”، يحكم بريطانيا اليوم، وهذا “يجعل التهدئة خياره الاستراتيجي”. ولو كان في المعارضة، لربما وجد في المشهد الفرنسي أداة ضغط على حكومة محافظة.

مواطن يطالب.. وزبون يحسب

لا تكشف شهادات الضيوف عن طلاب أشجع في فرنسا وأضعف في بريطانيا، بل عن بيئتين مختلفتين. في فرنسا، الطالب مواطن يطالب دولته بخدمة عامة، يحمل ذاكرة انتصارات، ويجد مجتمعًا يتقبل الإضراب. وفي بريطانيا، الطالب أقرب إلى زبون يحسب الرسوم وساعات العمل وشروط التأشيرة، في دولة تفضل الاحتواء على المواجهة، ولا يجد طاقته الاحتجاجية إلا في قضايا الضمير الكبرى.

فهل تنتزع الحركة الفرنسية مكاسب هذه المرة؟

يرى التكريتي أن الاحتجاجات “كدورة الحياة”: تبدأ فاترة، ثم تفور، ثم تبلغ الذروة، ثم تذبل، وأننا “نقترب من الذروة إن لم نكن بلغناها”.

أما حسناء فلا تنتظر نتيجة سريعة، فتقول: “لا أتحرك لأنني متأكدة من النتيجة؛ بل لأنه واجبي كمواطنة”. وتضيف: “التاريخ يُظهر أن كل مكتسباتنا الاجتماعية سبقتها تحركات وانتفاضات”.

فإن كان التاريخ في صفها، فقد يكون هدوء لندن اليوم مجرد استراحة، لا نهاية للحكاية.

اترك تعليقا

↑