العرب في بريطانيا | تحليل:احتجاجات أوروبا: كيف تضغط تحولات الاقتصاد...

تحليل: من باريس إلى لندن.. لماذا تغضب أوروبا في الوقت نفسه؟

تحليل: من باريس إلى لندن.. لماذا تغضب أوروبا في الوقت نفسه؟

تحليل: من باريس إلى لندن.. لماذا تغضب أوروبا في الوقت نفسه؟

محرر الشؤون السياسية أكتوبر 19, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

في فرنسا خرج أكثر من نصف مليون شخص إلى الشوارع احتجاجًا على كلفة المعيشة وتراجع الخدمات العامة، بعدما بدأت موجة الغضب أصلًا من المدارس ونقص المعلمين وتدهور البنية التعليمية. وفي ميلانو تحولت مظاهرة ضد الحروب وارتفاع تكاليف الحياة إلى مواجهات مع الشرطة، بينما شهدت البرتغال وبلجيكا احتجاجات منفصلة على السكن والأجور والتعليم.

وفي إسبانيا، سبقت الدعوة إلى انتخابات مبكرة في 29 نوفمبر/تشرين الثاني احتجاجات واسعة على أزمة السكن، قبل أن يفشل البرلمان في تمرير إجراءات طارئة طرحتها الحكومة، ويعلن بيدرو سانشيز حل البرلمان، رابطًا قراره بعجز الأغلبية الحالية عن التعامل مع واحدة من أكثر القضايا التي تشغل الإسبان.

هذه الاحتجاجات ليست حركة أوروبية واحدة، ولا ترفع المطالب نفسها، ولا تواجه الحكومات ذاتها. لكن تزامنها يطرح سؤالًا يتجاوز تفسير كل أزمة بقرارات حكومة منفردة: ماذا لو كانت أجزاء من الغضب الذي يظهر اليوم في شوارع أوروبا وصناديق اقتراعها ناتجة عن تغير أعمق في الشروط الاقتصادية التي قام عليها العقد الاجتماعي الأوروبي نفسه؟

فأوروبا ما زالت تريد الاحتفاظ بدولة الرفاه التي تضمن التعليم والصحة والتقاعد والحماية الاجتماعية والسكن والخدمات العامة، لكن العالم الذي توسعت فيه هذه الوعود لم يعد هو العالم نفسه.

دولة رفاه وُلدت في زمن مختلف

صورة توضيحية (AI)

بلغت دولة الرفاه الأوروبية صورتها الحديثة خلال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، وخصوصًا في ما يسميه الاقتصاديون «العصر الذهبي» للنمو بين 1950 و1973.

خلال تلك الفترة نما اقتصاد أوروبا الغربية بمتوسط يقارب 4.8 في المئة سنويًا، مدفوعًا بإعادة الإعمار، والارتفاع الكبير في الإنتاجية، واتساع التشغيل، واللحاق التكنولوجي بالولايات المتحدة. وبعد 1973 تباطأ النمو إلى نحو 2.1 في المئة في المتوسط خلال ربع القرن التالي.

وكان النمو السريع يسمح للحكومات بفعل أشياء كثيرة في الوقت نفسه: رفع الأجور، وتوسيع التعليم العام والرعاية الصحية، وتحسين التقاعد، وزيادة الحماية من البطالة، من دون أن تبدو كلفة كل ذلك مستحيلة التحمل.

وتظهر بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حجم التحول؛ ففي مجموعة الدول التي تتوافر عنها بيانات طويلة الأجل ارتفع الإنفاق الاجتماعي العام من نحو 7.9 في المئة من الناتج عام 1960 إلى 17.9 في المئة عام 2000.

لكن المجتمع الذي بُني له هذا النموذج كان مختلفًا أيضًا.

كان عدد العاملين نسبةً إلى المتقاعدين أكبر، وكانت معدلات الخصوبة أعلى، وكانت قاعدة الأجور التي تمول الضرائب والتأمينات الاجتماعية تتسع بدل أن تنكمش. أما اليوم فتواجه أوروبا سكانًا أكبر سنًا وقوة عمل تنمو ببطء أو تتراجع، بينما ترتفع نفقات التقاعد والصحة والرعاية طويلة الأجل. وتقول المفوضية الأوروبية إن ارتفاع مشاركة النساء وكبار السن في سوق العمل لن يكون كافيًا لتعويض انكماش السكان في سن العمل خلال العقود المقبلة.

لكن الديموغرافيا ليست سوى نصف القصة.

عندما تغير مكان المصنع العالمي

كان العقد الاجتماعي الأوروبي يقوم أيضًا على موقع اقتصادي متميز داخل النظام العالمي.

حتى بعد تفكك الإمبراطوريات الاستعمارية، ظلت أوروبا الغربية، إلى جانب الولايات المتحدة واليابان، جزءًا من القلب الصناعي والتكنولوجي للعالم. كانت تنتج الآلات والسيارات والكيماويات والأدوية والمعدات والسلع ذات القيمة المضافة المرتفعة، فيما كانت قطاعات واسعة من العالم تمثل أسواقًا لهذه المنتجات أو مصدرًا للمواد الخام والعمالة الأقل كلفة.

صورة توضيحية (AI)

ولفترة طويلة، بدت العولمة امتدادًا لهذا النموذج أكثر من كونها تهديدًا له. استطاعت الشركات الغربية نقل الأجزاء كثيفة العمالة من الإنتاج إلى الخارج، واستيراد المدخلات الرخيصة، مع الاحتفاظ بالتصميم والتكنولوجيا والعلامة التجارية ومراحل القيمة الأعلى.

لكن هذه المعادلة تغيرت.

فخلال العقود الثلاثة الماضية انتقل جانب ضخم من الإنتاج الصناعي العالمي إلى آسيا. وفي عام 2022 أصبحت آسيا وأوقيانوسيا تمثلان نحو 55 في المئة من القيمة المضافة الصناعية العالمية، مقابل 38 في المئة فقط لأوروبا وأمريكا الشمالية مجتمعتين. أما الصين وحدها فقفزت حصتها من التصنيع العالمي من 3 في المئة عام 1990 إلى أكثر من 30 في المئة في 2022.

ولا تتوقف المسألة عند الصين. فقد ظهرت مراكز إنتاج كبرى في الهند وفيتنام وأجزاء أخرى من آسيا، تعمل في كثير من الأحيان بتكاليف عمل، وهياكل دعم حكومي، وتشريعات اجتماعية وبيئية تختلف عن تلك التي تعمل في ظلها الصناعة الأوروبية.

وفي البداية كان يمكن لأوروبا أن تتعايش مع ذلك طالما بقيت محتفظة بالتكنولوجيا والمنتجات الأعلى قيمة.

لكن المنافسة انتقلت هي الأخرى إلى الأعلى.

من الملابس الرخيصة إلى السيارات والتكنولوجيا

يطلق البنك المركزي الأوروبي على المرحلة الحالية تعبير «صدمة الصين 2.0».

فالسلع الصينية التي تنافس أوروبا لم تعد أساسًا الملابس والأثاث والمنتجات منخفضة القيمة كما حدث مع الموجة الأولى من العولمة في مطلع القرن. المنافسة الحالية أصبحت أكثر وضوحًا في الإلكترونيات والسيارات والآلات والمعدات المتخصصة وغيرها من الصناعات المتوسطة والعالية التكنولوجيا.

وأصبح تركيب الصادرات الصينية أكثر شبهًا بالصادرات الأوروبية، خصوصًا في الدول الصناعية الكبرى مثل ألمانيا. وفي الوقت نفسه أصبحت الصين أقل اعتمادًا على استيراد الآلات والمعدات الأوروبية التي كانت في السابق جزءًا مهمًا من العلاقة التجارية بين الطرفين.

وهكذا تواجه أوروبا المنافسة في ثلاثة أماكن في الوقت نفسه: داخل السوق الأوروبية، وفي السوق الصينية، وفي الأسواق الثالثة التي كانت تستوعب صادراتها.

ويقول البنك المركزي الأوروبي إن منطقة اليورو تخسر بالفعل حصصًا سوقية في قطاعات متوسطة وعالية التكنولوجيا كانت تاريخيًا من أهم مصادر قوتها التصديرية، فيما تتوسع الشركات الصينية في الأسواق نفسها.

وهنا تظهر المشكلة بالنسبة لدولة الرفاه.

فالمصنع الأوروبي لا ينافس فقط على السعر. هو يمول أيضًا رواتب أعلى، وتأمينًا اجتماعيًا أكبر، ومعايير عمل وبيئة أشد، ودولة تقدم خدمات عامة واسعة لمواطنيها.

هذه ليست بالضرورة عيوبًا؛ هي في جانب مهم منها جوهر النموذج الاجتماعي الأوروبي نفسه.

لكنها تصبح أكثر كلفة عندما ينافس المنتج الأوروبي شركات تعمل داخل نماذج اقتصادية مختلفة.

أوروبا تريد الاحتفاظ بالوعد.. لكن شروط تمويله تغيرت

لهذا فإن القول إن «دولة الرفاه انهارت» سيكون سابقًا لأوانه.

هي لم تنهَر. بل ما زالت ضخمة.

فالإنفاق على الحماية الاجتماعية يعادل في المتوسط نحو 23 في المئة من الناتج المحلي في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والاتحاد الأوروبي، ويرتفع في بعض الاقتصادات الأوروبية إلى قرابة الثلث.

المشكلة أن الضغوط على هذا الإنفاق تتزايد من جهتين في الوقت نفسه.

من ناحية، ترتفع كلفة التقاعد والصحة والرعاية مع الشيخوخة. ومن ناحية أخرى، تتعرض قاعدة التمويل الأساسية، وهي دخول العاملين، لضغوط ناتجة عن تقلص السكان في سن العمل وتغير أشكال التوظيف. وهذا تحديدًا ما حذر منه تقرير حديث لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والاتحاد الأوروبي حول مستقبل تمويل الحماية الاجتماعية.

وفوق ذلك جاءت مطالب جديدة لم تكن بالحجم نفسه عندما توسعت دولة الرفاه: التحول المناخي، والاستثمار التكنولوجي، وتأمين سلاسل الإمداد، ثم الإنفاق العسكري المتزايد بعد الحرب في أوكرانيا والاضطرابات المتلاحقة في الشرق الأوسط.

وفي الوقت نفسه تدفع الشركات الأوروبية أسعارًا للطاقة أعلى كثيرًا من منافسيها؛ فقد أشار تقرير ماريو دراغي حول التنافسية الأوروبية إلى أن أسعار الكهرباء التي تواجهها الشركات في الاتحاد الأوروبي تعادل ضعفين إلى ثلاثة أضعاف مستوياتها في الولايات المتحدة والصين.

بمعنى آخر، لم تختف مطالب المواطن الأوروبي القديمة، لكن أضيفت إليها كلفة عالم جديد أكثر تنافسًا واضطرابًا.

وهنا تبدأ السياسة

احتجاجات فرنسا| الصورة توضيحية (AI)

هذه التحولات البنيوية لا تقود تلقائيًا إلى احتجاجات.

ولا يمكن اختزال أزمة مدرسة فرنسية أو إيجار شقة في مدريد أو راتب عامل إيطالي أو غضب ناخب بريطاني في «صعود الصين».

لكنها تضيق مساحة الحركة المتاحة للحكومات.

فعندما يكون النمو مرتفعًا، يمكن زيادة تمويل الخدمات من اقتصاد يتوسع. أما عندما يبطؤ النمو وترتفع كلفة التقاعد والصحة والدفاع والطاقة، تصبح الخيارات أكثر قسوة: ضرائب أعلى، أو دين أكبر، أو تخفيض الإنفاق، أو خدمات أقل جودة.

وفي كل حالة تقريبًا يدفع أحدهم الكلفة.

وهنا تظهر الفجوة السياسية.

المواطن لا يقارن ميزانية حكومته بمعدل نمو الصين، ولا يحسب نسبة الإعالة العمرية قبل أن يتخذ موقفه من الحكومة. هو يرى مدرسة بلا معلمين، أو موعدًا طبيًا بعد شهور، أو إيجارًا يلتهم راتبه، أو ضريبة ترتفع من دون أن تتحسن الخدمة.

ولهذا يمكن أن تكون أسباب الأزمة أوسع بكثير من الحكومة التي تواجه الاحتجاج، بينما يظل الغضب موجهًا إليها.

وهذا ما يجعل المشهد الأوروبي الحالي أكثر أهمية من كل احتجاج منفرد.

وبعد عبور المانش.. بريطانيا داخل الأزمة نفسها

على الجانب الآخر من المانش، يصعب اعتبار بريطانيا حالة منفصلة.

ففي آخر نشرة مكتملة لمكتب الإحصاءات الوطني، قال 89 في المئة من البريطانيين إن كلفة المعيشة من أهم القضايا التي تواجه البلاد، ووضع 79 في المئة هيئة الخدمات الصحية الوطنية ضمن القضايا الرئيسية، و70 في المئة الاقتصاد. وظلت هذه الملفات الثلاثة في صدارة اهتمامات البريطانيين بصورة مستمرة منذ 2022.

وتواجه بريطانيا النسخة الخاصة بها من التحول الصناعي نفسه.

فالتصنيع لم يعد يمثل سوى نحو 8.6 في المئة من القيمة المضافة للاقتصاد البريطاني بحسب أحدث مراجعات مكتب الإحصاءات، فيما يظل نمو الإنتاجية ضعيفًا تاريخيًا؛ وفي الربع الثاني من 2026 كان إنتاج الساعة أعلى بنحو 2.3 في المئة فقط من متوسط 2019 وفق أحد مقاييس المكتب.

وجاء بريكست ليضيف احتكاكات جديدة على التجارة والاستثمار، لكنه لا يفسر المعضلة وحده؛ فالكثير من الضغوط نفسها موجود داخل الاتحاد الأوروبي.

بل إن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تصف الاقتصاد البريطاني اليوم بأنه يواجه مزيجًا من ضعف الإنتاجية، وارتفاع كلفة الطاقة، وارتفاع الدين ومدفوعات الفائدة، وزيادة الإنفاق المطلوب على الصحة والرعاية الاجتماعية.

ثم تأتي الديموغرافيا.

ويتوقع مكتب مسؤولية الميزانية أن يرتفع الإنفاق الصحي في بريطانيا من نحو 8 في المئة من الناتج في بداية ثلاثينيات هذا القرن إلى نحو 13 في المئة بحلول منتصف سبعينياته إذا استمرت السياسات الحالية، وأن يرتفع الإنفاق على الراتب التقاعدي الحكومي من نحو 5 إلى قرابة 9 في المئة، مدفوعًا في جانب مهم منه بشيخوخة السكان.

أي أن أي حكومة بريطانية ستجد نفسها أمام المعادلة نفسها: ناخب يريد NHS أفضل، وسكنًا أرخص، وأجورًا أعلى، وطاقة أقل كلفة، وراتبًا تقاعديًا مضمونًا، بينما تطالبها في الوقت نفسه ميزانية الدفاع والدين والشيخوخة والاستثمار الصناعي والتكنولوجي بالمزيد.

خدمات هيئة الصحة الوطنية البريطانية NHS| الصورة توضيحية (AI)

المشكلة ليست أن أوروبا أصبحت أفقر

من الخطأ أيضًا تصوير أوروبا كقارة تنهار اقتصاديًا.

فهي ما زالت واحدة من أغنى مناطق العالم، وتملك شركات وصناعات وجامعات ورأس مال بشريًا وبنية تحتية هائلة.

لكن القوة الاقتصادية نسبية.

والمشكلة أن أوروبا تحاول الحفاظ على عقد اجتماعي نشأ عندما كانت حصتها من الصناعة العالمية أكبر، وإنتاجيتها تنمو أسرع، ومجتمعاتها أصغر سنًا، والمنافسة التكنولوجية والصناعية الخارجية أقل اتساعًا.

أما اليوم، فإن المنتج الذي كان يبيع للسوق العالمية أصبح ينافس داخل سوقه أيضًا، والدولة التي كانت توزع عوائد النمو مطالبة بتوزيع الحماية في زمن نمو أبطأ.

وهذا هو ما يجعل الاحتجاجات الحالية أكثر من مجرد سلسلة من الأزمات الوطنية المنفصلة.

ليس لأن متظاهرًا في باريس وعاملًا في ميلانو ومستأجرًا في مدريد ومريضًا ينتظر دوره في مستشفى بريطاني يعرفون أنفسهم باعتبارهم ضحايا لتحول الاقتصاد العالمي.

ولكن لأن كل واحد منهم يواجه، بطريقة مختلفة، المسافة المتزايدة بين ما وعدت به الدولة الأوروبية مواطنيها وبين ما أصبح توفيره يتطلبه من موارد.

وقد يكون السؤال الذي تواجهه أوروبا الآن أقل بساطة من: لماذا يغضب الناس من حكوماتهم؟

السؤال الأعمق هو: هل تستطيع دولة رفاه صيغت وعودها في العصر الصناعي الذهبي للغرب أن تحافظ على تلك الوعود في عالم لم يعد الغرب فيه يحتكر الصناعة والتكنولوجيا والفائض الذي كان يجعل تمويلها أسهل؟

اترك تعليقا

↑