العرب في بريطانيا | من زنزانة أنيس إلى مدارس أذربيجان... حين يُسلب ...

من زنزانة أنيس إلى مدارس أذربيجان… حين يُسلب الأطفال حقهم في الحرية

من زنزانة أنيس إلى مدارس أذربيجان... حين يُسلب الأطفال حقهم في الحرية
إبراهيم قاسم أكتوبر 18, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

«شو العصفور؟»

لم يكن هذا سؤالًا عاديًا من طفل صغير يحاول اكتشاف العالم، بل سؤالًا هزم الكاتب والصحفي والمعارض السوري الراحل ميشيل كيلو، حين حاول أن يروي حكاية لطفل لم يعرف من الدنيا سوى جدران زنزانته.

يروي كيلو أنه كان معتقلًا في أحد سجون النظام السوري، حين جاءه أحد السجّانين في ساعة متأخرة من الليل، وطلب منه أن يرافقه ليحكي قصة لطفل صغير.

كان ذلك السجّان قد أبدى شيئًا من التعاطف مع بعض المعتقلين، وهو استثناء وسط منظومة امتهنت القسوة والتنكيل بالبشر.

دخل كيلو الزنزانة، فوجد امرأة محتجزة منذ ست سنوات، وإلى جانبها طفل يبلغ نحو أربع سنوات. أخبرته الأم أن طفلها لم يُسجّل رسميًا، لكنها كانت تسميه «أنيس».

جلس الكاتب أمام الصغير، وبدأ يحكي له عن عصفور جميل متعدد الألوان، لكن الطفل قاطعه متسائلًا: «شو العصفور؟».

حاول كيلو تغيير القصة، فحدثه عن الشمس والجبل، لكن الطفل لم يفهم ما يقول. وحين أدرك أنه أمام طفل وُلد في السجن ولم يرَ نور الشمس، ولا الأشجار ولا العصافير، خرج منكسرًا، عاجزًا عن أن يروي حكاية لطفل سُلب منه حتى الحق في معرفة أبسط مفردات الحياة.

ولعلها واحدة من أكثر القصص الإنسانية إيلامًا، ليس لبشاعة السجن وحدها؛ بل لأن طفلًا بريئًا دفع ثمن جريمة لم يرتكبها، بعدما منحت سلطة مستبدة نفسها الحق في أن تقرر له حدود عالمه وحريته.

أعادتني هذه القصة إلى ما يجري اليوم في أذربيجان، وإلى صرخات المحتجين أمام سفارتها في العاصمة البريطانية لندن، وهم يهتفون «حجابا آزادي»؛ أي «الحرية للحجاب»، احتجاجًا على حرمان فتيات محجبات من دخول مدارسهن.

قد تبدو المقارنة فجّة من الناحية العملية، فكيف نقارن طفلًا وُلد في واحد من أقذر سجون العالم، بطفلة تعيش حياتها بصورة طبيعية، لكنها تُحرم من دخول مدرستها بسبب حجابها؟ لا شك أن الفارق شاسع في حجم المعاناة وظروفها، لكن الحقيقة التي تستوقفني هي أصل الظلم في الحالتين، ومآل الحرية حين تصبح رهينة بيد السلطة.

فأنيس حُرم من رؤية الشمس والتعرف إلى العالم، وطفلات أذربيجان يُحرمن من دخول مدارسهن والتعرف إلى عالم العلم والمعرفة. وفي الحالتين هناك سلطة أعطت نفسها حق تقرير ما يجوز للأطفال أن يعرفوه أو يفعلوه، دون اعتبار لإنسانيتهم أو براءتهم أو حقوقهم.

إن قهر الحرية واحد في أصله، وإن اختلفت صوره ودرجاته.

ومن يسجن أطفالنا خلف القضبان، ومن يغلق أبواب المدارس في وجوههم بسبب معتقداتهم، يشتركان في الاعتداء على حق لا يملكان مصادرته.

حين يصبح الحجاب جريمة في بلد مسلم

حين يظهر نفاق العالم، لا يحتاج المرء إلى كثير من البحث عن الأدلة. فما يجري في أذربيجان ليس مجرد منع للحجاب، بل مشهد تتداخل فيه كراهية المسلمين مع انتهاك حقوق الأطفال والنساء، ويُختبر فيه صدق الشعارات التي طالما تغنّى بها العالم عن الحرية والكرامة الإنسانية.

لم تكن المشكلة في منع الحجاب وحده، ولا في حرمان الفتيات من التعليم، ولا في التضييق على النساء في أعمالهن وحياتهن، بل في ذلك التعامل المجحف والبهيمي مع طفلات لم يرتكبن جرمًا سوى تمسكهن بما يعتقدنه جزءًا من دينهن وهويتهن.

طفلات يُمنعن من دخول فصولهن أمام زميلاتهن، في مشاهد مذلة لا تراعي مشاعرهن أو طفولتهن.

في أذربيجان، حيث يشكل المسلمون الغالبية العظمى من السكان، بدأ تطبيق قواعد جديدة للزي المدرسي في الـ12 من أكتوبر/تشرين الأول 2026، استُخدمت لمنع طالبات محجبات من دخول مدارسهن، مع أن نص القواعد لا يذكر الحجاب صراحة.

ولم يتوقف الأمر عند الطالبات، بل امتد إلى معلمات واجهن قيودًا مرتبطة بغطاء الرأس، وأعقب ذلك احتجاجات واعتقالات طالت معترضين على الإجراءات.

وكل ذلك يجري تحت مظلة العلمانية، وكأنها صكّ يمنح السلطات حق مصادرة الحريات باسم حمايتها! تلك العلمانية التي نشأت في سياقات تاريخية ارتبطت بالصراع مع سلطة الكنيسة، تحولت في بعض تطبيقاتها المعاصرة إلى أداة لمحاربة المظاهر الدينية، ولا سيما الإسلامية منها.

فأي علمانية هذه التي ترى في غطاء رأس طفلة تهديدًا للدولة، وفي حرمانها من التعليم حمايةً لمدنية المجتمع؟

إن العلمانية التي يُفترض أن تقف على مسافة واحدة من جميع الأديان، تفقد هذا الادعاء حين تجعل التخلي عن المظاهر الدينية شرطًا للحصول على الحقوق الأساسية.

وعندما يُمنع طفل من التعليم لأنه مسلم متمسك بمعتقده، فلا يمكننا الحديث عن حياد الدولة، بل عن تمييز تمارسه السلطة وتمنحه غطاءً قانونيًا.

لسنا أمام قضية حجاب وحده

ما نحاربه هنا ليس مجرد قرار بمنع الحجاب، وإنما اعتداء على مجموعة من الحقوق والحريات التي لا ينبغي أن تكون موضع مساومة.

نحارب التمييز الديني، إذ ليس من حق أحد أن يحرم إنسانًا من التعليم بسبب إسلامه أو مسيحيته أو يهوديته أو أي معتقد آخر.

ونحارب الكراهية ضد المسلمين، فلا يمكن تجاهل أن المظاهر الإسلامية أصبحت في بعض المجتمعات هدفًا لسياسات وإجراءات تُسوَّق تحت عناوين الحداثة والعلمانية والاندماج، وكأن على المسلم أن يتخلى عن جزء من هويته ليُسمح له بممارسة حقوقه.

ونحارب كذلك من أجل حقوق المرأة، فلا معنى للحديث عن حرية المرأة بينما تُحرم المحجبة من التعليم والعمل لأنها اختارت أن تغطي رأسها.

فالمرأة التي تُجبر على ارتداء الحجاب، والمرأة التي تُجبر على خلعه، كلتاهما ضحية لسلطة تريد أن تحدد لها كيف تعيش وما ترتدي.

لكن ما يعنيني قبل ذلك كله هو حقوق الأطفال؛ حقهم في التعليم، وفي الحفاظ على مشاعرهم وكرامتهم، وفي ألا تتحول المدارس إلى أماكن لمعاقبتهم على معتقدات أسرهم أو اختياراتهم الشخصية.

فكيف يمكن لطفلة في العاشرة من عمرها أن تستوعب أنها مطرودة من فصلها أمام زميلاتها، لأن غطاء رأسها أصبح فجأة مخالفة؟ وكيف لها أن تفهم أن مدرستها، التي يفترض أن تكون مكانًا آمنًا، أصبحت مصدرًا للخوف والإهانة؟

إن اتفاقية حقوق الطفل لا تكتفي بتأكيد حق الأطفال في التعليم دون تمييز، بل تشترط أن يكون الانضباط المدرسي متوافقًا مع كرامتهم الإنسانية.

فأين الكرامة في إقصاء طفلة عن زميلاتها، وأي درس في التسامح يمكن أن تتعلمه من مؤسسة تعليمية تبدأ يومها بإذلالها؟

أين حماة حقوق المرأة والطفل؟

ولعل السؤال الأكثر إلحاحًا يتعلق بمواقف المؤسسات الدولية والحقوقية التي لا تتوقف عن الحديث عن حقوق النساء والأطفال.

فأين هي اليوم من حرمان الفتيات المحجبات من التعليم في أذربيجان؟ وأين الأصوات التي طالما ارتفعت دفاعًا عن حق المرأة في تقرير مصيرها واختيار ما ترتديه؟

حين حرمت حركة طالبان الفتيات من مواصلة التعليم الثانوي والجامعي في أفغانستان، شهدنا إدانات دولية واسعة النطاق، وكانت محقة ومستحقة.

ونحن نؤيد تلك الإدانات ونطالب باستمرار الضغط لعودة كل فتاة أفغانية إلى مقعدها الدراسي.

لكن لماذا لا نشهد الزخم ذاته عندما تكون الضحية فتاة محجبة تُمنع من دخول مدرستها في أذربيجان؟ هل تتغير مبادئ الحرية باختلاف الجهة التي تنتهكها؟ وهل تصبح المرأة جديرة بالدفاع عن حقوقها فقط حين تتوافق اختياراتها مع التصورات السائدة عن الحرية؟

وللإنصاف، فقد أصدرت منظمة العفو الدولية يوم الـ16 من أكتوبر/تشرين الأول بيانًا أدانت فيه حرمان الفتيات المحجبات من التعليم، وطالبت بالتراجع عن القيود والإفراج عن المحتجين السلميين، وهو موقف يُحسب لها.

لكن ذلك لا يلغي السؤال عن حجم التحرك الدولي الأوسع، وعن الدور الذي ينبغي أن تؤديه المؤسسات المعنية بحقوق المرأة والطفل في مواجهة هذه الإجراءات.

لسنا بصدد المساواة بين حجم المأساة في أفغانستان وأذربيجان، وإنما نطالب بالمساواة في المبدأ.

فالفتاة الأفغانية التي تُمنع من التعليم لأنها فتاة، والفتاة الأذربيجانية التي تُمنع منه لأنها محجبة، تستحقان الدفاع عن حقوقهما دون تمييز أو انتقائية.

إن معيار الحرية الحقيقي لا يظهر حين ندافع عن حق من يشبهوننا في التفكير والاعتقاد، بل حين ندافع عن حق من يختلفون معنا. ومن السهل أن نرفع شعارات حقوق الإنسان، لكن الامتحان الحقيقي يبدأ حين نكون مطالبين بالدفاع عن إنسان لا تعجبنا اختياراته.

حتى لا يصبح لكل طفل زنزانته

ما نريده ليس انتصار الحجاب على العلمانية، ولا انتصار التدين على الدولة، بل انتصار الإنسان على الظلم، وأن تتوقف السلطات عن استخدام القوانين والأيديولوجيات لتبرير الاعتداء على الحريات.

لقد خرج المحتجون أمام السفارة الأذربيجانية في لندن مطالبين بالحرية للحجاب، لكن رسالتهم كانت أوسع من ذلك بكثير. إنها صرخة من أجل عالم لا يُجبر فيه الإنسان على الاختيار بين دينه وتعليمه، ولا تُجبر فيه المرأة على ارتداء الحجاب أو خلعه، ولا يُعاقب فيه الأطفال على معتقداتهم.

وإذا كان أنيس قد حُرم من معرفة العصفور والشجرة والشمس؛ فلا يجوز أن نسمح بأن يُحرم أطفال آخرون من معرفة العالم الذي ينتظرهم خلف أبواب مدارسهم.

قد لا تكون جدران المدرسة المغلقة قضبانًا حديدية، لكنها تصبح قيدًا حين تُستخدم لسلب الطفل حقه في العلم والحرية.

فلا قيمة لعلمانية تُقصي المتدينين، ولا لحقوق امرأة تستثني المحجبة، ولا لشعارات حماية الطفولة تصمت أمام إذلال الأطفال بسبب إيمانهم.

وإذا كانت أذربيجان تريد حقًا أن تحمي مدارسها من شيء، فما يستحق أن يُطرد منها ليس الحجاب، بل الظلم.


 

اترك تعليقا

↑