باراك أوباما من مانشستر: عمال القطن البريطانيون قدّموا درسًا تاريخيًا في نصرة الحرية
(فليكر)
استحضر الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما القصة التي وصفها بأنها “رائعة” عن تضامن عمال القطن في مانشستر مع الأميركيين السود، معتبرًا أن موقفهم التاريخي يمثل مصدر إلهام للأجيال الحالية، وذلك خلال لقاء جماهيري في المدينة يوم الخميس.
واحتشد عشرات الآلاف في قاعة “كو-أوب لايف” (Co-op Live) لحضور فعالية بعنوان “أمسية مع باراك أوباما”، أجرَت خلالها الكاتبة والإعلامية أفوا هيرش حوارًا مع الرئيس الأميركي الأسبق، وسط تفاعل واسع من الحضور.
وفي ختام اللقاء، الذي استمر 90 دقيقة، تحدث أوباما عن مركزه الرئاسي في شيكاغو، وهو مشروع يضم متحفًا ومكتبة ومرافق تعليمية، إلى جانب أنشطة مؤسسته التي تركز على الحد من التفاوت الاقتصادي، ومواجهة أزمة المناخ، ودعم التعليم والصحة، وتمكين النساء والفتيات، وإعداد القيادات الشابة حول العالم، ومساندة الصحفيين العاملين في ظل الأنظمة القمعية.
وقال أوباما إن الأمل الذي يستمده من الشباب الذين يعمل معهم، ومن صفحات التاريخ، يعزز قناعته بإمكانية تجاوز الأزمات الراهنة. واستشهد بموقف عمال القطن في مانشستر ومناطق لانكشاير المحيطة بها، الذين ساندوا الحصار الذي فرضه الرئيس الأميركي أبراهام لينكولن على صادرات القطن من الولايات الكونفدرالية التي تمسكت بنظام العبودية خلال الحرب الأهلية الأميركية.
عمال مانشستر اختاروا الحرية رغم الجوع
أوضح أوباما أن قصة عمال القطن تذكّر الناس بما يمكن تحقيقه عندما يختارون التضامن مع الآخرين، حتى لو كان ذلك على حساب مصالحهم المعيشية.
وقال إن الحرب الأهلية الأميركية عام 1862 وضعت عمال صناعة القطن في مانشستر أمام معضلة صعبة؛ فقد كانت أرزاقهم تعتمد على القطن الأميركي، بينما أدى الحصار الذي فرضه الاتحاد إلى منع وصول القطن من الولايات الجنوبية، في إطار الحرب ضد الولايات الكونفدرالية.
وأضاف أن رجال الأعمال والمصنّعين حذّروا من المساس بهذه التجارة، التي اعتبروها شريانًا أساسيًا لاقتصادهم، فيما اجتمع عمال بريطانيون يعانون الجوع ويخشون على قدرتهم على إعالة أسرهم في قاعة التجارة الحرة (Free Trade Hall) بمانشستر، ليعلنوا وقوفهم إلى جانب الذين يناضلون من أجل الحرية، رغم ما قد يترتب على ذلك من خسائر.
وقال أوباما: “عندما تسمع قصة كهذه، وتتذكر أنهم كتبوا رسالة إلى لينكولن وردّ عليهم مشيدًا بموقفهم التاريخي الذي عبّر عن التواضع المسيحي والمحبة والكرم، تسأل نفسك: إذا كانوا قادرين على فعل ذلك، فلماذا لا نستطيع نحن؟”
وأشار إلى أن العمال لم يكن لديهم أي ضمان بأن موقفهم سيعود عليهم بالنفع، لكنهم اتخذوا قرارهم رغم المشقة، في مثال على التضامن الإنساني الذي يتجاوز المصالح المباشرة.
وأضاف أن نقل مثل هذه القصص إلى الأبناء والأحفاد، وتذكير الأجيال الجديدة بها، يمكن أن يساعد المجتمعات على تجاوز الأوقات الصعبة.
تاريخ العبودية والدروس التي لا تزال حاضرة
وتأتي تصريحات أوباما في وقت تواصل فيه صحيفة “الغارديان” بحث تاريخ ارتباطها بتجارة القطن والعبودية عبر المحيط الأطلسي، من خلال مشروعها الصحفي “كوتون كابيتال” (Cotton Capital)، الذي أطلقته عام 2023 لدراسة إرث العبودية والعدالة، بما في ذلك مواقف الصحيفة من هذه القضايا في القرن التاسع عشر.
وخلال اللقاء، تحدثت أفوا هيرش عن الأثر الواسع الذي تركه خطاب أوباما الشهير “اتحاد أكثر كمالًا” (A More Perfect Union)، الذي ألقاه عام 2008، مشيرة إلى تأثيره فيها شخصيًا بصفتها امرأة بريطانية من أصول مختلطة.
وعندما سُئل أوباما عن انعكاس هويته على توجهاته السياسية وأسلوبه القيادي، قال إن بعض جوانب هذه العلاقة ترتبط بخصوصية التجربة الأميركية، فيما تتصل جوانب أخرى بقضايا إنسانية أوسع.
وأوضح أن العرق شكّل أحد خطوط الانقسام العميقة في التاريخ الأميركي، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة عقدت سلسلة من التسويات التي كرّست العبودية ضمنيًا، قبل أن تدخل حربًا أهلية وصراعًا طويلًا لتوسيع مفهوم المواطنة والانتماء الوطني.
وأضاف أن وصوله إلى الرئاسة جعله، في نظر كثيرين، رمزًا لمرحلة من هذا التحول التاريخي، لا بمعنى أن الولايات المتحدة أصبحت مجتمعًا خاليًا من التمييز العنصري، بل لأن انتخابه مثّل لحظة بدا فيها أن مبدأ “نحن الشعب” يمكن أن يشمل الجميع، لا فئة دون أخرى.
وشدد على أن هذا التحول لم يُنهِ الآثار المؤسسية والبنيوية للعبودية وقوانين الفصل العنصري المعروفة باسم “جيم كرو”، لكنه أثبت أن التغيير ممكن بفضل تضحيات أعداد كبيرة من الناس، كثيرون منهم لم تُعرف أسماؤهم.
أوباما: الديمقراطية مسار يحتاج إلى حماية مستمرة
وفي حديثه عن التحديات المعاصرة، وصف أوباما الديمقراطية بأنها مسار متواصل يتطلب تجديدًا دائمًا، محذرًا من أن المجتمعات قد تعود إلى أنماط الحكم القديمة إذا لم تحافظ على مكتسباتها.
وقال إن التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية الكبرى تجعل من الضروري تذكّر مدى حداثة انتشار الديمقراطية وهشاشتها، مشيرًا إلى أن معظم المجتمعات، على مدى آلاف السنين، قامت على التراتبية الاجتماعية والعنف واستخدام القوة.
المصدر: الغارديان
الرابط المختصر هنا ⬇