العرب في بريطانيا | هل تنقرض الوظائف أم تعود من المتحف؟

هل تنقرض الوظائف أم تعود من المتحف؟

هل تنقرض الوظائف أم تعود من المتحف؟

هل تنقرض الوظائف أم تعود من المتحف؟

كرم نعمة أكتوبر 12, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

كان عليّ أن أتخيل السلسلة الكاملة لوظيفتي السابقة «مبرمج هندسي» قبل أكثر من أربعين عامًا. كان ذلك في زمنٍ لم يكن فيه الكمبيوتر متاحًا للجميع كما هو اليوم. كنا نعتمد على حاسبة يدوية سوداء صغيرة لجمع الأرقام وطرحها، وحساب الجذور، وحل المعادلات التي تحكم تصميم وتصنيع أوعية الضغط العالي والمبادلات الحرارية. كنا نفكك المخططات الهندسية ذهنيًا ورياضيًا، ونترجمها إلى حزم من الأوراق والرسومات لتتحول في الورشة إلى حديد وصُلب مقاوم للصدأ. ولأن المهندس غالبًا ما يُصاب بـ«العمى التشغيلي» تجاه أخطائه الشخصية، كان التسيير يقتضي أن يدقق زميل في عمل زميله. كان ذلك زَمَنَ الصفاء الذهني، والورقة، والقلم، وصرير الحاسبة اليدوية.

اليوم، ما كان يستغرق منا أيامًا من التدقيق المضني ينجزه الذكاء الاصطناعي في دقائق معدودة. لكن هل انقرضت وظيفة «المبرمج الهندسي»؟ إطلاقًا. لقد جددت نفسها؛ إذ تحول المهندس من حاسِبٍ لقيم الصفائح ومساحاتها وأبعاد الأنابيب إلى مدققٍ للذكاء الآلي، يقف بين مدخلات البيانات ونتائج المخرجات ليحمي المنشآت من «هلوسة» الآلة.

وهنا ينبثق السؤال الجوهري الذي يحكم حركة التاريخ المهني: كيف تتشكل المهن في الأساس؟ ومن أين تأتي الوظائف الجديدة حين تندثر القديمة؟

من تقسيم العمل إلى إعادة دمج المهام

علينا العودة زهاء 240 عامًا إلى الوراء، حين وضع الاقتصادي آدم سميث في كتابه «ثروة الأمم» يده على المحرك الأساسي لنشوء المهن: التخصص وتقسيم العمل. فالوظائف في جوهرها ليست سوى حزمٍ من المهام؛ وكلما اتسعت رقعة الأسواق وتضخمت، تفككت تلك الحزم إلى مهنٍ أضيق وأكثر دقة.

وثقت السجلات القضائية والتجارية في بريطانيا كيف أن مهنة «صانع الساعات» البسيطة عام 1550 انقسمت بعد قرنين من الزمان إلى أكثر من ثلاثين مهنة مستقلة؛ فظهر «نقاش الساعات»، و«مُذهّب الساعات»، و«صانع زنبرك الميزان»، و«معدّ التروس».

غير أن التكنولوجيا الحديثة اليوم تمارس لعبة عكسية تمامًا لم يتوقعها آدم سميث؛ فالذكاء الاصطناعي لا يكتفي بابتكار وظائف جديدة كـ«مهندس الأوامر» أو «محلل أخلاقيات الآلة»، بل يقوم بعملية «إعادة دمج المهام».

خطورة الذكاء الاصطناعي لا تكمن في كونه يلتهم الوظائف فحسب، بل في كونه ينسخ مفهوم «التخصص» نفسه| الصورة (Unsplash)

لقد ألغت الخوارزميات مهنًا حديثة وليدة مثل «مظهّر الأفلام الفوتوغرافية»، و«مشغل المقاسم الهاتفية»، و«كاتب الآلة الطابعة»، و«عامل مصفوفات حروف الطباعة»، لتدمج وظائفهم جميعًا في تطبيق ذكي واحد يستقر في هاتف محمول. بل إن المحنة التعبيرية تكمن اليوم في أن الغناء لم يعد بحاجة إلى ملحن وعازف، بعدما تقدمت الخوارزميات بصلافة تاريخية لتسحق الملحن والعازف، فتؤلف وتعزف الموسيقى بلا تردد أو خجل إنساني!

إن خطورة الذكاء الاصطناعي لا تكمن في كونه يلتهم الوظائف فحسب، بل في كونه ينسخ مفهوم «التخصص» نفسه؛ فهو يتجاوز تقسيم سميث العملي ليقدم «معرفة فائقة التجميع». فالآلة اليوم لا تكتفي بأن تكون بديلًا للموظف في مهمة محددة، بل تبتلع الحزمة كاملة — من التحليل إلى التنفيذ — مما يضع العنصر البشري أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الارتفاع إلى مستوى «المشرف النقدي» الذي يوجه الآلة، أو الارتداد كليًا نحو المهن البدائية التي تعجز التكنولوجيا عن محاكاتها.

حين تعود المهن من المتحف

وهذا ما يوصلنا إلى المفارقة الأكثر دهشة في تاريخ المهن؛ فهي لا تكمن دائمًا في قفزات التكنولوجيا نحو المستقبل، بل في ارتداد المهن من المتحف تحت وطأة الندرة والشحة.

ففي رواية «اللاسؤال واللاجواب» للراحل فؤاد التكرلي، نرصد كيف عادت مهنٌ ظن الجميع أنها اندثرت للأبد إلى شوارع بغداد تحت طوق الحصار الأعمى في تسعينيات القرن الماضي. لم يكن أحد يتخيل أن مهنة «راتق الفخار والزجاج» ستنبعث من جديد، ليرمم الناس دورق الشاي المكسور، أو أن يعود «الإسكافي» ليصبح ركنًا اقتصاديًا رابحًا لأن الأحذية الممزقة لم تعد تُرمى.

صورة أرشيفية| الإسكافي (Unsplash)

هذا الانبعاث الواقعي ليس مجرد أدب؛ بل هو قانون اقتصادي نراه يتبدى اليوم بوضوح في غزة والسودان واليمن، حيث أحيت الحرب والندرة مهنًا مثل «سقّاء الماء الدوّار»، و«مصلح الخيام»، و«صانع شواحن البطاريات اليدوية».

وليس الأمر مقصورًا على بؤر الأزمات والحروب؛ ففي قلب العالم المتطور، أعادت أزمة سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف المعيشة مهنًا منقرضة بأسماء جديدة. لقد عادت مهنة «مصلح الأجهزة الإلكترونية» تحت شعار حركة (Right to Repair) في أوروبا، وبعثت المجتمعات الغربية مهنة «مُجَدّد الأثاث» لمواجهة التضخم، بل إن قطاع التكنولوجيا الفائقة نفسه اضطر إلى مطاردة مهندسين تقاعدوا منذ عقود يتقنون لغة COBOL البرمجية القديمة جدًا، لإصلاح الأنظمة المصرفية العتيقة التي عجز الذكاء الاصطناعي عن فهم التواءاتها!

المهنة لا تموت بقرار تقني

الصورة (Unsplash)

يكشف هذا الارتداد المدهش عن حقيقة غائبة عن أدبيات التكنوقراط: المهنة لا تموت بقرار تقني، بل بمُعامل الحاجة.

إن الذكاء الاصطناعي واقتصاد الوفرة يفترضان دائمًا خطًا مستقيمًا من التقدم التكنولوجي، لكن الأزمات والندرة تعيدان بناء الاقتصاد بشكل دائم؛ حيث ترغم القسوة البشرية على استعادة أدوات الصيانة الأولى. فالوظائف المنقرضة هي في الواقع «احتياطي استراتيجي» للديمومة البشرية، تستدعيها المجتمعات فور انهيار شبكات الأمان الرقمية.

تتدافع موجات التكنولوجيا لتطيح بالأعمال القديمة وتعدنا بفرصٍ أحدث، لكن التاريخ يخبرنا بأمرٍ مختلف: المهن لا تموت بالكامل، بل تنام فقط في انتظار الشرارة. إما أن توقظها خوارزمية ذكية تعيد تعريف التخصص، أو تبعثها ندرةٌ قاسية تعيد لليد البشرية قيمتها الأولى في ترميم ما انكسر.

اترك تعليقا

↑