العرب في بريطانيا | ضمان الوظائف للشباب ذوي الإعاقة في بريطانيا: من...

من «مقاربة الرعاية» إلى «مبادرات التنمية»| جواب مقنع لمستقبل الشباب ذوي الإعاقة في بريطانيا؟

من «مقاربة الرعاية» إلى «مبادرات التنمية»| جواب مقنع لمستقبل الشباب ذوي الإعاقة في بريطانيا؟

من «مقاربة الرعاية» إلى «مبادرات التنمية»| جواب مقنع لمستقبل الشباب ذوي الإعاقة في بريطانيا؟

محمد لعتابي أكتوبر 10, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

منذ سنوات طويلة، اعتاد الشبابُ ذوو الإعاقة في بريطانيا أن يكونوا مجرد أرقام صامتة في سجلات الرعاية الاجتماعية، ينتظرون خلف جدران التهميش أن يتذكرهم سوق العمل المزدحم. لكن الإعلان الأخير لحزب العمال، الذي صدر خلال الأسابيع الأخيرة، بثّ في أروقة حياتنا المظلمة بصيصًا من الأمل الممزوج بالترقب. بصفتي قريبًا جدًا من هذه التجربة بتفاصيلها، أرى في توسيع برنامج «ضمان الوظائف» خطوة تتجاوز مجرد تقليص فاتورة الإعانات الحكومية، لتلامس جوهر الكرامة والحق في أن نكون شركاء فاعلين في بناء الاقتصاد بأوطاننا.

سياسات جديدة ومسارات سريعة للتمكين

بموجب المبادرة الحكومية الجديدة، سيُمنح الشباب من ذوي الإعاقة والحالات الصحية المزمنة فرصة الحصول على مسار سريع للتوظيف. تأتي هذه الخطوة ضمن حزمة استثمارات ضخمة تبلغ قيمتها 2.5 مليار باوند، تسعى إلى دعم مئات الآلاف من الشباب المتعثرين في مسيرتهم المهنية. ولتشجيع أصحاب العمل، التزمت الحكومة بتغطية جميع تكاليف الأجور للشركات التي توظف هؤلاء الشباب لستة أشهر، مع تقديم برامج توجيه متكاملة تشمل الدعم النفسي والمالي وتسهيلات السكن لتهيئة الشاب لبيئة العمل. يعتمد هذا العرض على أساس طوعي، ويُفعَّل بعد ثلاثة أشهر فقط من الخضوع لـ«تقييم القدرة على العمل» (Work Capability Assessment)، ما يخفف من الضغوط البيروقراطية التي طالما أرّقت الجميع.

إحصاءات صادمة: جيل كامل على الهامش

إن هذه السياسات العمالية لم تأتِ من فراغ، بل استجابت لواقع إحصائي مرير يستدعي التدخل العاجل؛ فقد أظهرت البيانات أن أعداد الشباب ذوي الإعاقة غير المنخرطين في التعليم أو التوظيف أو التدريب (NEET) قد تضاعفت خلال العقد الماضي. نحن نتحدث عن فئة عمرية حيوية (18–24 عامًا) تُركت طويلًا حبيسة نظام إعانات لا يوفر لها مسارًا حقيقيًا نحو الاستقلالية، ما يحرم الاقتصاد البريطاني من طاقات شابة قادرة على العطاء متى ما توفرت لها البيئة المناسبة.

تقييم القدرة على العمل ومتطلبات السوق

طالما شَكَّل «تقييم القدرة على العمل» هاجسًا نفسيًا للمئات من الشباب البريطاني من ذوي الإعاقة، حيث كان يُنظر إليه غالبًا بوصفه بوابة للإقصاء بدلًا من التمكين. لكن التوجه الحكومي الجديد يسعى إلى تغيير هذه المعادلة. إن السوق البريطانية تعاني اليوم من فجوات في المهارات تتطلب تنوعًا وشمولية أكبر. ومن خلال جعل المشاركة في الوظائف المضمونة اختيارية، يُمنح الشباب ذوو الإعاقات الذهنية أو الجسدية الثقة الكافية لاستكشاف قدراتهم المهنية وإثبات كفاءاتهم لأصحاب العمل، دون الخوف المستمر من فقدان شبكة الأمان المالي والدعم الحيوي الذي يعتمدون عليه.

تفاعل الإعلام والمجتمع المدني

لقد تفاعل المشهد الإعلامي والمدني في بريطانيا بحفاوة ملحوظة مع هذا التحول. أبرزت شبكات كبرى مثل «آي تي في» (ITV) التزام الحكومة بتقديم دعم شامل يتجاوز مجرد توفير الراتب، ليصل إلى العناية بالصحة العقلية للمستفيدين. وعلى الصعيد المدني، رحبت مؤسسات خيرية عريقة معنية بذوي الإعاقة، مثل «مينكاب» (Mencap) و«سينس» (Sense)، بالمبادرة، مشيدةً بالطبيعة التنموية للبرنامج، الذي يزيل حاجز الخوف لدى الشباب. ومع ذلك، وجهت هذه المنظمات رسالة تحذير واضحة: لا يكفي توفير الوظيفة، بل يجب القضاء على العوائق المادية والمواقف السلبية في أماكن العمل، مؤكدة أن مقياس النجاح الحقيقي ليس في عدد من سيدخلون مجال العمل، بل في قدرتهم على بناء مستقبل مهني مستدام داخل بيئات شاملة تحفظ لهم الحماية من أشكال العنف الرمزي من بعض أطياف المجتمع.

نحو ثقافة التنمية لا الرعاية

في هذا السياق، نبعث برسالة شكر وتقدير لكل فاعل سياسي ومدني أسهم في دفع هذه السياسات إلى النور، ولكل مَن أدرك أن الشاب من ذوي الإعاقة ليس مجرد ملف في أرشيف الرعاية الصحية، بل هو طاقة اقتصادية كامنة متى ما استُثمِر فيها.

إننا نقف اليوم أمام فرصة تاريخية ونداء عام لكل قطاعات المجتمع البريطاني: حان الوقت للانتقال النهائي من «مقاربة الرعاية» التي تكتفي بتوزيع الإعانات، إلى «مبادرات التنمية» التي تبني الإنسان. دعونا نحول الإعاقة من مسوغ للشفقة إلى دافع لابتكار مسارات مهنية رافدة للاقتصاد، تعيد للشباب استقلاليتهم وكرامتهم التي يستحقونها.

المصادر

أُعِدّت هذه المقالة بالاعتماد على عدة مصادر، من أهمها:

  • الموقع الرسمي للحكومة البريطانية (GOV.UK)، ويُعَد المصدر الأول للاطلاع على تفاصيل «تقييم القدرة على العمل» (Work Capability Assessment) وأي تغييرات طارئة عليه.
  • الأوراق البيضاء (White Papers) الخاصة بإصلاح نظام الرعاية الاجتماعية ودعم التوظيف.
  • المكتب الوطني للإحصاء (Office for National Statistics – ONS).
  • وثائق سياسات حزب العمال (Labour Party Policy Documents).
  • صحيفة الغارديان (The Guardian).
  • مؤسسة «مينكاب» (Mencap) ومؤسسة «سينس» (Sense).
  • منصة العرب في بريطانيا (AUK).

اترك تعليقا

↑