العرب في بريطانيا | فرنسا: احتجاجات طلاب المعاهد.. أزمة أوروبية ببص...

فرنسا: احتجاجات طلاب المعاهد.. أزمة أوروبية ببصمة فرنسية

فرنسا: احتجاجات طلاب المعاهد.. أزمة أوروبية ببصمة فرنسية
جلال الورغي أكتوبر 8, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

تعيش فرنسا على وقع احتجاجات غير مسبوقة لطلاب المعاهد الثانوية اكتسبت زخمًا شعبيًا لافتًا، جعل آلاف الفرنسيين من أساتذة وأولياء ونقابيين ينضمون إليها دعمًا وتضامنًا ودفاعًا عن المطالب المشروعة للمحتجين. واضطرت السلطات بسبب تصاعد الاحتجاجات إلى تعليق الدروس في المعاهد بقية الأسبوع، بعد أن شهدت الاحتجاجات توترًا بين المحتجين والشرطة الفرنسية، تحولت إلى صدامات عنيفة، أصيب فيها العديد من الطلاب ورجال الشرطة، واعتُقِل آلاف التلاميذ، كما جرت عمليات حرق أو تخريب لبعض المؤسسات التعليمية.

ويجمع الرأي الفرنسي على مشروعية الاحتجاجات التي بسببها تحرك طلاب المعاهد. إذ تعاني المؤسسات التعليمية للثانويات في فرنسا من مشكلات مادية وهيكلية وبيداغوجية متفاقمة، أشاعت خيبة الأمل في صفوف الطلاب. فعشرات المعاهد باتت قديمة ولم تعد صالحة لأن تكون فضاءات مناسبة للتدريس، وتآكلت بنيتها التحتية وأثاثها، وسُجِّل فيها وجود الفئران. وتفاقم أمر هذه المعاهد بنقص واضح في التجهيزات والأثاث، إلى جانب نقص في الطاقم التعليمي والأساتذة، جعل العديد من الفصول بلا مدرسين في بعض المواد لأسابيع طويلة، مع اضطراب في وجود من ينوب عنهم. وفضلًا عن كل المشكلات المذكورة التي تعانيها المعاهد، استشعر الطلاب أفقًا مجهولًا ينتظرهم في ظل أزمة آلاف من الحاصلين على البكالوريا (الثانوية العامة) في الحصول على توجيه جامعي، ناهز عددهم مئة ألف.

وكان لافتًا تعاطي السلطات العنيف مع الاحتجاجات، وهي التي لا تزال مسكونة بكابوس احتجاجات السترات الصفراء قبل سنوات قليلة، التي عانى منها إيمانويل ماكرون وحكومته لأشهر طويلة، وكادت تشل البلاد وتعصف باستقرارها.

بدت حكومة ماكرون مرتبكة في التعاطي مع الاحتجاجات، التي تأتي في سياق اقتصادي واجتماعي صعب للغاية. إذ وصل حجم التداين الفرنسي إلى مستوى قياسي وغير مسبوق ناهز 3.5 ترليون يورو، وتواجه الحكومة الضعيفة التي يرأسها سيباستيان لكورنو مأزق قانون الميزانية لعرضها على البرلمان، في وقت لا تبدو فيه قادرة على إيجاد الموارد لتمويل هذه الميزانية، وانحسار هامش المناورة والاستدانة. على الرغم من مسارعة رئيس الحكومة لاتهام اليسار الفرنسي بركوب احتجاجات الطلاب وتأجيجها، فإن الرأي العام يرى في مجمله أن الأزمة حقيقية وتحتاج إلى معالجة واضحة. زعيم فرنسا الأبية جان لوك ميلونشون المرشح للرئاسيات اعتبر أن ما يحدث ليس مؤامرة، بل أزمة حقيقية تعصف بالمجتمع الفرنسي، وأن الشباب يتحرك والنقابات تدعم مطالبه. ونبه ميلونشون على أنه “لا يمكن لفرنسا أن تدخل في مواجهة مع جيلها الجديد”. وبينما شبه بعض الناس احتجاجات طلاب المعاهد بثورة طلاب الجامعات في 1968، لم يفوّت اليمين المتطرف الفرصة لاتهام اليسار بتأجيج الاحتجاجات. من جهته لم يتخلّف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على التقاط المناسبة، ليتهم الاحتجاجات بأنها من أجل “سيطرة الإسلام على الجمهورية”، وحمل سياسية التساهل مع دخول المهاجرين ما آلت إليه الأوضاع في فرنسا.

احتجاجات طلاب المعاهد في فرنسا تأتي قبيل الانتخابات الرئاسية التي ستجري في ربيع العام القادم، ولا شك أنها ستكون من الملفات التي ستفرض على المرشحين تقديم سبل لمعالجتها.

اللافت أن المشكلات التي تعانيها المعاهد الفرنسية والقطاع التعليمي عمومًا، معظمها بات مشكلات في جل البلدان الأوروبية، ويشمل ذلك بريطانيا. وهي مشكلات بنيوية وهيكلية وبيداغوجية، ساهمت عوامل كثيرة في وجودها. ولا يبدو أن الحكومات تملك رؤية أو مقاربة شاملة للتعاطي مع هذه الصعوبات التي يواجهها قطاع التعليم. ولا تعدو أزمة التعليم أن تكون جزءًا من أزمة أعم وأشمل، يرتبط بعضها بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، إلا أنه يتجاوزها إلى النمط المجتمعي الذي يتم الترويج له، فضلًا عن التحولات التكنولوجية والمعلوماتية المتسارعة، التي بقدر ما تبدو تقدمًا معرفيًا وعلميًا، بقدر ما تتداعى بأشكال سلبية على أنظمة التعليم والتحصيل العلمي والمعرفي.

إن الاحتجاجات الطلابية العاصفة التي تعيشها المعاهد الفرنسية تبدو في تقديري ناقوس إنذار لكل بلدان القارة الأوروبية، التي لا تبدو بنيتها التعليمية حديثة، ولا هي مواكبة للتحولات المتسارعة، فضلًا عن حاجة هذه البلدان الأوروبية لخطة شاملة لتجديد البنية التحتية للمؤسسات التعليمية وتأهيلها كفضاءات مناسبة للتحصيل العلمي والمعرفي، في إطار منظومة تعليمية وتربوية، تفتح أفقًا على المستقبل المهني.

إن أخطر ما يمكن أن يتملّك الشاب في فرنسا بصفة خاصة وأوروبا بصفة عامة أن يصل إلى قناعة بأن لا مستقبل في التعليم ولا مستقبل خارجه أيضًا.


 

اترك تعليقا

↑