تحريض اليمين المتطرف ينجح بتقسيم قرية كانت متضامنة مع اللاجئين
تحولت قرية كروبره (Crowborough) في شرق ساسكس من نموذج لمدن بريطانيا المرحبة باللاجئين إلى ساحة انقسام حاد، بعد وصول أكثر من 300 طالب لجوء إلى معسكر قريب مطلع عام 2026.
وفي كل أسبوع، تشهد البلدة مسيرات واحتجاجات مناهضة للمهاجرين، بالتزامن مع وقفات ينظمها مؤيدون لطالبي اللجوء، في مشهد يعكس الانقسام المتزايد بين السكان.
ويبلغ عدد سكان كروبره نحو 22 ألف نسمة، وكانت قد حظيت بإشادة عام 2022 باعتبارها واحدة من أكثر البلدات البريطانية ترحيبًا باللاجئين الأوكرانيين.
لكن وصول طالبي اللجوء -وجميعهم رجال- غيّر المشهد بصورة كبيرة، وأثار خلافات واسعة بشأن الهجرة وطريقة تعامل الحكومة مع ملف الإيواء.
كيف انقسمت كروبره بسبب طالبي اللجوء؟

شهدت البلدة يوم الأحد احتجاجين متقابلين؛ إذ تجمع عشرات الناشطين المناهضين للمهاجرين، في حين وقف عدد مماثل تقريبًا لدعم طالبي اللجوء المقيمين في المعسكر القريب.
ورفع مؤيدو طالبي اللجوء لافتات تدعو إلى الإنسانية ورفض الكراهية، في حين حمل المحتجون المناهضون للهجرة أعلام بريطانيا، وشاركوا في مسيرات متكررة منذ وصول طالبي اللجوء.
وعلى الرغم من قرب المجموعتين من بعضهما، حافظت الاحتجاجات على طابع سلمي نسبيًا، مع وجود عدد من أفراد الشرطة للفصل بين الطرفين.
لكن التوتر في البلدة تصاعد منذ إعلان وزارة الداخلية في نهاية العام الماضي نقل طالبي اللجوء إلى المعسكر.
وقالت راشيل ميلوارد، نائبة زعيم حزب الخضر وزعيمة مجلس منطقة ويلدن الذي يشمل كروبره: إن إخفاق وزارة الداخلية في إبلاغ السلطات المحلية والسكان أو التشاور معهم أحدث فراغًا في المعلومات، قالت إنه ساهم في توفير بيئة لحملة كراهية منظمة ضد المهاجرين.
لماذا يعارض بعض سكان البلدة إيواء طالبي اللجوء؟
يقول بعض المحتجين: إن وجود طالبي اللجوء يثير مخاوف تتعلق بالأمن والنظام العام، في حين يتحدث آخرون عن اعتراضهم على كون المقيمين في المعسكر رجالًا، معظمهم من الشباب.
كما يكرر بعض المحتجين ادعاءات بشأن ارتكاب طالبي اللجوء جرائم أو التسبب في مشكلات داخل البلدة، لكن التقرير أشار إلى أن بعض هذه الادعاءات لم يقدم أصحابها تفاصيل أو أدلة تدعمها.
وبحسَب شرطة ساسكس، وُجهت ثلاث تهم جنائية فقط مرتبطة بكروبره منذ افتتاح المعسكر في يناير/كانون الثاني، وكانت إحدى القضايا تتعلق بطالب لجوء كان موجودًا داخل المعسكر وقت وقوع الحادث المزعوم، في حين تتعلق القضيتان الأخريان بمحتجين مناهضين للمهاجرين يقيمان خارج البلدة.
ومع ذلك، لا تزال المخاوف بشأن الجريمة والهجرة حاضرة بقوة في خطاب المحتجين.
كروبره.. من استقبال اللاجئين الأوكرانيين إلى الاحتجاجات ضد الهجرة
كانت كروبره قد ظهرت عام 2022 في تقرير لصحيفة الجارديان باعتبارها من البلدات البريطانية الأكثر ترحيبًا باللاجئين الأوكرانيين.
لكن بعض السكان الذين يعارضون إيواء طالبي اللجوء يفرقون بين الحالتين، مشيرين إلى أن الأوكرانيين دخلوا بريطانيا بصورة قانونية ضمن برامج مخصصة لهم.
وفي المقابل، يوضح التقرير أن طلب اللجوء حق معترف به بموجب القانون الدولي، ومع أن قانونًا صدر عام 2022 جرّم بعض صور الوصول من دون تصريح، فإن الملاحقة ليست تلقائية؛ إذ تراعي السلطات الحماية المقررة لبعض اللاجئين بموجب المادة 31 من اتفاقية اللاجئين، وظروف الرحلة وسرعة تقديم الشخص نفسه إلى السلطات ووجود سبب وجيه لدخوله غير النظامي.
احتجاجات اليمين المتطرف تزيد التوتر

ساهم حضور شخصيات بارزة من اليمين المتطرف إلى الاحتجاجات في زيادة حدة الجدل داخل البلدة.
ووفق التقرير، شارك زعيم حزب يوكيب (Ukip) نيك تينكوني في إحدى المظاهرات، ودعا إلى إعادة طالبي اللجوء إلى بلدانهم، في حين حضرت كاتي هوبكنز احتجاجات أخرى وعبّرت عن دعمها لمخاوف السكان المناهضين للهجرة.
كما تناولت الخلافات في كروبره حلقة وثائقية على القناة الرابعة (Channel 4)، ركزت على ليام تومسيت، وهو مدير مرافق محلي تحول إلى ناشط مناهض للهجرة.
مخاوف من جرائم الكراهية والتهديدات
في المقابل، يقول سكان يدعمون طالبي اللجوء: إن المخاوف التي يطرحها المحتجون لا تعكس ما يحدث فعليًا على الأرض.
وقالت إحدى السكان، التي عاشت في كروبره منذ طفولتها: إن كثيرًا من المخاوف تقوم على توقعات وادعاءات أكثر من اعتمادها على تجارب فعلية.
لكن الانقسام لم يتوقف عند الاحتجاجات.
فبحسَب ملف جمعه سكان محليون وسُلّم إلى الشرطة، تعرض أشخاص معروفون بدعمهم لطالبي اللجوء لتهديدات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تضمنت تهديدات بالاعتداء عليهم باستخدام مواد حارقة أو قنابل حارقة والاغتصاب.
كما أشار الملف إلى تعرض عدد من الشركات المحلية وكنيسة يرتادها بعض طالبي اللجوء لتهديدات، إضافة إلى حادثة تعرض رجل للضرب بعد حمله لافتة تدعو إلى محبة الجار.
وفي حادثة أخرى، أفيد بأن متطوعًا في كنيسة يبلغ من العمر 92 عامًا تعرض للمضايقة خارج منزله خلال ساعات الليل.
متطوعون يخشون إعلان دعمهم لطالبي اللجوء

تقدم منظمة محلية تُعرف باسم (Samas)، وهي مجموعة لدعم المهاجرين وطالبي اللجوء القادمين، المساعدة لسكان المعسكر، ويشارك أكثر من 200 متطوع في أنشطتها.
وتشمل المساعدة دروسًا في اللغة الإنجليزية وتوفير الملابس وزراعة النباتات والطعام.
لكن بعض المتطوعين يخشون الظهور علنًا؛ بسبب تعرض المؤيدين لطالبي اللجوء للإهانات والمضايقات، فيما وثّق ناشطون من اليمين المتطرف تحركات بعض المتطوعين وأرقام سياراتهم، ونشروا أحيانًا هذه التسجيلات عبر قنواتهم على يوتيوب.
وقالت إحدى المتطوعات إنها أصبحت تتنكر أحيانًا عند دخول وسط كروبره، خشية التعرض للمضايقة أو الاستهداف.
هل يمكن إنهاء الانقسام في كروبره؟
يأمل بعض السكان أن تتمكن البلدة من تجاوز الانقسام الذي أحدثه قرار نقل طالبي اللجوء إلى المعسكر.
وقالت هولي جيفري، التي أعلنت دعمها لطالبي اللجوء رغم تعرضها للاستهداف عبر فيسبوك: إنها قررت التحدث علنًا لمواجهة ما وصفته بحملات التخويف والمعلومات المضللة المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي.
كما قالت كارولين كوكسون إنها كانت تخشى الإعلان عن موقفها، لكنها اختارت عدم الاختباء، مؤكدة إصرارها على التعبير عن موقفها.
في المقابل، لا يرغب كثير من السكان المؤيدين للاحتجاجات المناهضة للمهاجرين في إلحاق الأذى بطالبي اللجوء أو مؤيديهم، بحسَب التقرير، لكن استمرار الاحتجاجات والخلافات يعكس حجم الانقسام داخل البلدة.
ماذا تقول وزارة الداخلية البريطانية؟
دافعت وزارة الداخلية عن قرار إيواء طالبي اللجوء في كروبره، وقالت: إن الحكومة تعمل على توزيع أماكن إقامة طالبي اللجوء بصورة أكثر عدلًا في أنحاء بريطانيا.
وأوضحت أن الحكومة وفرت أكثر من مليار باوند من التكاليف منذ الانتخابات، ضمن خطة تشمل إغلاق جميع فنادق إيواء طالبي اللجوء والانتقال إلى أماكن بديلة، من بينها المواقع العسكرية السابقة.
وأضافت الوزارة أن هذه المواقع مصممة لتكون مكتفية ذاتيًا، وتضم حراسًا على مدار الساعة وكاميرات مراقبة، بهدف الحد من تأثير وجود طالبي اللجوء على المجتمعات المحلية.
ورغم ذلك، لا تزال كروبره منقسمة بين سكان يرون في طالبي اللجوء أشخاصًا يحتاجون إلى الدعم، وآخرين يعتبرون وجودهم مصدرًا للقلق، فيما تتواصل الاحتجاجات والوقفات في شوارع البلدة.
وفي نهاية يوم الاحتجاجات، غادر المحتجون المناهضون للمهاجرين المكان أولًا، قبل أن ينتقل مؤيدو طالبي اللجوء إلى المساحة التي أخلوها، وينظموا وقفة تخللتها أغانٍ ورسائل تدعو إلى الإنسانية والوحدة.
المصدر:الجارديان
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇